As Safir Logo
المصدر:

احتفال تأبين عادل عسيران كلمات تزاوج بين مزايا الفقيد وهموم السياسة الهراوي يدعو لوضع حد للتقاسم والتشرذم ويوصي باستكمال بناء الدولة: ماذا يبقى اذا اعتبر المسؤل نفسه فوق النظام العام وروح الدستور(صور)

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1998-07-31 رقم العدد:8059

لم تمنع طبيعة الاحتفال التأبيني للراحل الكبير عادل عسيران بعض الخطباء، الرسميين والذين على قمة السلطة، وغير الرسميين ممن هم على صلة بالضمير الشعبي، من مواصلة السجال السياسي، في الحد الفاصل بين عهدين: عهد ينحسر وقد تحصن في مواقع الدفاع عن منجزاته، وعهد يصادره البعض سلفاً وقبل ان يجيء فيحاولون دمغه بطابعهم. وحدة الشاعر طلال حيدر غرّد خارج السرب بواحدة من قصائده الجديدة تزاوج بين الجنوب والبقاع، بين السماء والارض، بين عرق الفلاح ودم الشهيد. وبينما حافظ فؤاد بطرس على رصانته في الحديث عن فقيد كبير عرف عنه أكثر مما عرفه، فركز كلامه على عداء عادل عسيران للطائفية والمحسوبية، فقد عقد الرئيس سليم الحص مقارنة ضمنية بين محاولة الإبقاء على هيكل الدولة في الزمن الصعب، وبين إضاعة الدولة في ظل »السلم الأهلي«. وبعد الترشيد الهادئ الذي أفاض فيه الإمام محمد مهدي شمس الدين، حول لبنان اللبناني العربي العالمي وخصائص الوفاق الميثاقي، ارتفعت الحرارة في قاعة الاحتفالات في مبنى اليونسكو، عندما انطلق الرئيس الياس الهراوي يتابع حملته المتواصلة على الذين يعطلون بناء الدولة او يسخّرونها لمصالحهم، موجهاً مجموعة من الوصايا التي لو التزم بها عهده لكانت البلاد بألف خير. أما كلمة سوريا التي ألقاها رئيس مجلس الشعب عبد القادر قدورة فقد تضمنت شحنة عاطفية قومية، مركزة بشكل خاص على عادل عسيران الجنوبي المقاوم، باسم لبنان الذي تصدى بلحمه الحي للمشروع الصهيوني، كما استذكر فيها »أبو قيس« أياماً من الماضي جمعت بين والده وبين عادل عسيران في أحضان عصبة العمل القومي. الجمهور ظل خارجا... وقد أبعده عن الاحتفال طابعه الرسمي وضيق المكان، لكن روح عادل عسيران كانت ترفرف في الفضاء الممتد حتى آخر حبة تراب في أقصى جنوب الجنوب. حضر الاحتفال التأبيني للراحل عادل عسيران في قصر الأونيسكو بالاضافة إلى رئيس الجمهورية، رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس الحكومة رفيق الحريري، الرئيسان سليم الحص وحسين الحسيني، وعدد من الوزراء والنواب والشخصيات. بطرس بدأ الاحتفال بتقديم من عريف الاحتفال النقيب زهير عسيران فالنشيد الوطني اللبناني، ثم آي من القرآن الكريم. وبعد الوقوف دقيقة صمت عن روح الفقيد، ألقى الشاعر طلال حيدر قصيدة في المناسبة، تحدث بعدها الوزير الأسبق فؤاد بطرس متوقفا عند »قناعات خمس تحكمت بمسار حياة الفقيد الرئيس عادل عسيران«. أولى هذه القناعات »كونه رجل الليبرالية في مزاجه وتكوينه الثقافي، ومن تلك القلة بين سياسيينا الذين اعتنقوا الديموقراطية ومارسوها«. والثانية هي في المزاوجة التي أقامها الفقيد بين انتمائه العائلي من جهة وانتمائه الوطني من جهة ثانية من دون المرور بالطائفية والحزبية، وكونه كان في مرحلة تاريخية معينة ولا يزال التعبير الأصح لموقع الشيعة على خريطة لبنان السياسي«. والقناعة الثالثة هي في تجلي روحه الاستقلالية وتجسيده لخيار جماعة لا خيار رجل إذ كان يرمز الى انخراط شريحة شيعية مهمة وبارزة في مشروع لبنان، الدولة والكيان، الحر السيد والمتعاون مع محيطه العربي. وتتجسد القناعة الرابعة في كون عادل عسيران رجل التحابية والحياة المشتركة بامتياز. وأما القناعة الخامسة فتركزت على الرؤية الانمائية للفقيد »احد الآباء السياسيين لمشروع الليطاني، ونضاله ضد شركات الاحتكار وتوجهه الانمائي الزراعي«. وختم بطرس مؤكدا »ان مشروع عادل عسيران داخل الطائفة الشيعية كان مشروعا وطنيا لبنانيا عربيا لا إقليميا ولا دينيا وهنا تكمن عناصر قوته رسميا، وإن قناعاته العربية هي امتداد لقناعاته اللبنانية«. الحص وتحدث بعد ذلك الرئيس سليم الحص واصفاً الفقيد بأنه »كان رجلا كبيرا من رجالات لبنان التاريخيين، وفي نضاله من اجل الاستقلال كان بطلا وفي السياسة رجل دولة من الطراز الرفيع وفي المجتمع كان ذلك الأب الراعي لبني قومه من المحتاجين والملهوفين، فيما حفلت صفحة نضاله بالمواقف الوطنية الجريئة المشهودة التي تحدى فيها الانتداب الفرنسي في أوج سطوته«. وذكّر الحص بأبرز المواقف الوطنية الشجاعة للفقيد والحكمة التي تحلى بها والتي كان لها عظيم الأثر في مسيرة لبنان، متوقفا عند تجربته التي عاصره في الحكم خلالها. وقال الرئيس الحص: إننا نفتقد الرئيس عادل عسيران، الرجل القدوة والرجل الشريف النزيه، في هذا الوقت الذي يستشري فيه الفساد في الادارة وفي المجتمع وتغيب فيه الشفافية ويخبو مبدأ المساءلة والمحاسبة على شتى الصعد الإدارية والسياسية، ويهتز فيه نظام القيم في المجتمع أمام هجمة المادة معياراً وغاية، فيما تتعاظم روح التمايز المصطنع بين فئات الشعب الواحد، ويشتد الصراع على المغانم الفئوية. وأضاف الحص »كما نفتقده في هذا الوقت الذي تبهت فيه وتشحب صورة دولة القانون والمؤسسات وتتلاشى خطوط الفصل بين السلطات ولا يرعوي السياسيون عن التدخل في الادارة والقضاء وسائر مؤسسات الدولة، وفي الوقت الذي يتسابق فيه السياسيون للهيمنة على مؤسسات المجتمع المدني مسخرين لذلك كل ما أوتوا من وسائل«. وعاد الرئيس الحص في الختام الى الرئيس عسيران »ابن الجنوب الصامد والمناضل المقاوم، الذي كان يعيش همّ الجنوب بكل جوارحه، وكان حلمه ان يرى الجنوب محرراً ، كما كان يثمن غاليا دور المقاومة الباسلة التي لولاها لما سلّم العدو الاسرائيلي بمبدأ الانسحاب«. شمس الدين وفي كلمته، اعتبر رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين ان تأبين اي فقيد عادة يستقطب إما الاشادة بفضائل الفقيد الشخصية وإما استخلاص العبر من حياته وممارساته، و»لكن في ذكرى الرئيس الراحل عادل عسيران يلتقي الأمران، حيث ان فضائله الشخصية هي فضائله الوطنية«. وتوقف شمس الدين عند دور الرئيس عسيران ورجالات الاستقلال في بناء لبنان، وترسيخ المعادلات الصعبة في عملية البناء هذه وفي المواءمة بين الخصوصية الصعبة للبنان وذاتيته«، مفصلا في خصوصية لبنان وبالقيم التي طبعت وحدة شعبه برغم الانتماء الديني المتنوع الذي شكل مشكلة في بلدان اخرى ومجتمعات اخرى. وشدد شمس الدين على الثوابت الوطنية وروح الديموقراطية وممارساتها التي ليست علماً ولكنها طبع يذكى بالعلم، خاتما بالتأكيد على القيم المترسخة في المقاومة وروح المقاومة التي نمتلكها، وعلى ضرورة تلاقي لبنان وسوريا ليس فقط على نظام المصالح وإنما على نظام القيم الذي سيكون الدعامة الاساسية لهما في مواجهتهما الاخطار المحدقة بهما. قدورة بعد ذلك نقل رئيس مجلس الشعب السوري عبد القادر قدورة للحضور تعازي الرئيس السوري حافظ الأسد، واصفاً الفقيد »بالطود الشامخ من هذه الأرض الطيبة، حيث تشرف جسده الطاهر بالتدثر بعلم هذا البلد العظيم وقد حق له ذلك لأنه كان احد الموقعين على اعتماده عندما كان سجين النضال والاستقلال في بشامون مع القادة الذين حققوا الاستقلال للبنان« معتبرا »ان عادل عسيران هو فقيد سوريا ولبنان والوطن العربي«. وتوقف عند موقع لبنان من الوطن العربي فإذا هو »لب العرب وبيتهم ونورهم وإباؤهم ونجمهم«، مشيرا الى ان الفقيد احب لبنان »لأنه عربي الوجه واليد واللسان وأحب الجنوب لأنه عدو الظلم والبغي والعدوان«. وبعدما نقل قدورة تعازي اعضاء مجلس الشعب والحكومة في سوريا لآل الفقيد ولمجلس النواب والحكومة اللبنانيين، حيا »حماة الأمة والمدافعين بسلاحهم ودمهم عن حياضها«، لمناسبة اقتراب عيد الجيش، كما وحيا المقاومة الوطنية«. الهراوي وألقى الرئيس الياس الهراوي كلمة، قال فيها: في لبنان لا يبكي الرجال الرجال بل بهم يقتدى. عشية عيد الجيش تلتقون وفاءً لذكرى عادل عسيران ابن الاستقلال وأحد صانعيه. كان رفيق بشارة الخوري ورياض الصلح وعبد الحميد كرامي وكميل شمعون وسليم تقلا في راشيا، وكلهم آمنوا بأن السيادة تبدأ باستقلال الوطن والدولة. وكان ركناً من اركان دولة الاستقلال: نائبا ورئيسا لمجلس النواب ووزيرا في معظم العهود، وشريكا في مؤتمري جنيف ولوزان، وفي وضع وثيقة الوفاق الوطني. عادل عسيران الهادي دائما والهادئ دوما كان طوال حياته ضد اثنين: الاحتلال والطائفية... قاوم الانتداب الفرنسي، واعترض على استدعاء الاسطول السادس الاميركي في الخمسينيات ورفض الاحتلال الاسرائيلي لأجزاء من أرض لبنان. عرف السياسة مسؤولية وطنية. عادل عسيران المنفتح، والصادق في اخلاصه للبنان، كان من اجل اثنتين: الكفاءة والديموقراطية... نذكر له انه بعدما كبرت مكانته في الجنوب، وتقديرا منه لأهمية العلم في الشأن السياسي عاد ودخل الجامعة الاميركية لينال شهادة "MAس لأنه آمن بأن الاستقلال لا يعيش خارج نهضة البلاد... ويوم ترشح للانتخابات النيابية منذ 1937 تميز بعرضه برنامجا انتخابيا ضمنه أفكارا متقدمة في الادارة والشؤون المالية ومختلف أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما نذكر له انشاءه للمؤسسة الزراعية التعاونية في شوكين وهي عبارة عن مدرسة تدريب حديثة فكانت هذه المبادرة تجسد تعلقه بالأرض والبيئة ورهانه على العلم من أجل التنمية. قلنا ان عادل عسيران كان من اجل الديموقراطية، يسجل له انه كان ضد تسلط الرأي الواحد في الجنوب وكان ضد التعصب والهيمنة في السلطة. الكلام على عادل عسيران هو كلام على الوطن، والوفاء له يدعوني الى ايثار المصارحة ومكاشفة الحقائق، منذ 1943 حتى المحنة المغرضة والمفروضة نستنتج ان الشعب تقدم ولكن بقيت الدولة، على رغم كل جهود المخلصين، بقيت غارقة في دوامة الشعارات. التوازن الوطني، الخوف والغبن، التقوقعية والتقدمية، الهيمنة والديموقراطية، الطائفية والمواطنية. تقدم الشعب بمبادراته وكفاءاته وبلغنا عند العام 1974 نقلة نوعية في ارتقاء التنمية، والنهوض الاقتصادي، وبروز الكفاءات العلمية وبلورة الشخصية الفنية والثقافية، بينما الدولة كانت مشغولة بتطبيق 6 و6 مكرر، ورقصة المحسوبيات، ولعبة الحساسيات بين المدن الكبرى والأرياف، او بين القلب والأطراف. آن الأوان لثورة الضمير الوطني، الدولة لا تعيش بثلاثة رؤوس واذا كان أمر الوطن يستقيم بالاحتكام الى الشعب في اختيار رئيسه فأنا مع استقامة امر الوطن وارساء النظام الرئاسي انطلاقا من مبدأ الدين لله والوطن للجميع. الدولة لا تعيش بخرق المؤسسات للقوانين، نحن ارسينا السلام الوطني والتزمنا تطبيق وثيقة الوفاق الوطني من اجل ترسيخ تقليد احترام نظام المؤسسات بالله عليكم ماذا يبقى من الدولة إذا اعتبر المسؤول نفسه فوق النظام العام وروح الدستور. الدولة لا تعيش بتجاوز المؤسسات بعضها بعضا: مجلس النواب هو مركز التشريع ومركز الرقابة على الحكومة، ومجلس الوزراء هو مركز التنفيذ، لنضع حدا للتقاسم والتشرذم، هذه الدولة متخمة بمن هم من أجل انفسهم، وانقاذها يكون بمن يكونون لكل الوطن. هل يظل شغلنا الشاغل تعداد مقاعد المسلمين ومقاعد المسيحيين بينما تزداد اعباء البلاد ويتفاقم الفساد في الإدارة، أي فرق بين يساري ويميني إذا كان الاثنان يلعبان الورقة المذهبية ولعبة المحاصصة في التوظيف، كثيرون منا مقتنعون بالاصلاح ولكن بعضنا يخاف تحقيقه وبعضنا الآخر يريده على قياسه. ان ثورة الاصلاح الكبرى هي لاحياء الروح الوطنية في الحياة السياسية، واعلموا انه لا جدوى من أي اصلاح سياسي لا يحمل دينامية بناء اجتماعي وثقافي. انا اردت ان انقلكم من حرب المتاريس والخنادق الى التنافس على البناء، ومن اجل البناء الأفضل. أين يصبح الوطن إذا راج الاعتقاد بأن التمثيل الوطني هو ضعف وبأن تمثيل الأهواء الطائفية والمذهبية هو قوة. سأبقى أينما كنت من أجل إيثار الصالح الوطني على أية مصلحة هي أصغر من الوطن كله. ولن اكون في أية جهة على حساب الحق او ضد الحق. البلد يحتاج الى الأفكار الكبرى، الى برامج عمل تجسد وزننا في هذا العصر باعتبارنا ابناء تراث حضاري غني وباعتبارنا ابناء مستقبل في الشرق العربي وفي العالم. لا تبحثوا عن وطنكم خارج حدوده، بل ابنوا لبنان ليكبر في الداخل ومن أجل خير الأشقاء والانسانية. لقد انشغلنا نحن بإزالة آثار المحنة وكنا مكرهين في أكثر الأحيان على ان نراعي الخواطر لأن المهم كان، هو العبور الى الدولة. اوصيكم باستكمال بناء الدولة، لأنه إذا لا نستكمل بناء الدولة لا يصمد كل ما انجزنا. اوصيكم بصون القضاء، لن يستقيم حق بلا قضاء يكون فوق الشبهات، ولو اننا نربأ بتناول القضاء اعلاميا، اعلموا ان حصانة القضاء لا تقوم بعدم تناوله من خارج بل بسلامة نزاهته من داخل. علّموا كعادل عسيران ان الديموقراطية والمذهبية ضدان، ان الحرية والعنف ضدان، ان الكفاءة والمحسوبية ضدان. علّموا ان لبنان يعيش بالحرية والديموقراطية والكفاءة، وان لبنان يموت بالعنف والمذهبية والمحسوبية. علّموا انه لا يريد الحرية من لا يريد قيام دولة القانون. غير صحيح ان الحرية في خطر من قبل السلطة. غير صحيح انه عندنا أزمة حرية وأزمة ديموقراطية، بل عندنا، لنقلها، أزمة من يلحق المال قبل الحرية. وهنا اوصيكم بمراقبة المداخيل الصحافية ومداخيل الاعلام المرئي والمسموع اوصيكم بالسهر على نقاوة الاعلام. لا أحد في لبنان يستطيع ان يطعن الحرية من خارجها ومنذ سنوات قلت من باطح الحرية بطحته، حين يكون عندنا ما نقدمه للوطن تتألق الحرية، وتتألق الحرية حين نكون جميعا ومعا للوطن قبل الغرضيات. ايها الأوفياء لعادل عسيران، يا شابات لبنان وشبابه، وطنكم غني بالكبار، وعادل عسيران واحد منهم، ويبقى الوطن الكبير على موعد معكم، ونبقى جميعا يا عادل على موعد قريب مع تحرير الجنوب والبقاع الغربي طالما أن هناك مقاومة من كل لبنان وانتصار كرامة لبنان. عسيران وكانت الكلمة الأخيرة للنائب علي عادل عسيران، توجه فيها للحضور بالشكر والتقدير »لصدق العاطفة وروعة الاحتضان، وسمو التكريم الذي اغدقتموه علينا«. وتناول السيرة الوطنية للرئيس الراحل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة