As Safir Logo
المصدر:

مهرجان جرش يحسبون ان رواد الشعر غير رواد الغناء(صور)

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 1998-07-30 رقم العدد:8058

جرش عناية جابر مهرجان جرش لهذا العام يحاول الإجابة عن سؤال كبير. هل يبقى المهرجان وسيطا بين الثقافة والمثقفين، ام يلعب دور الحاضن والمستثمر. ويبدو انه يجهد في قراءة هذه القضية المزدوجة، والأحادية في آن، بمسؤولية وسعي الى إقامة برمجة فعالة، وفهم اهمية القدرة على لعب دور ثقافي من خلال هذه البرمجة. الحق ان هذا الدمج الحاصل، في فروع النشاطات المستضافة، وفي انتقاء الضيوف، تسهّل وتصعّب في آن الدور المقترح. فهو مطروح من زوايا عديدة، وليس من زاوية واحدة. زوايا المبدعين انفسهم، وزوايا النقّاد، والزوايا الفنية التي تشكّل الثقل الأساسي في اجتذاب جماهير غفيرة من أسماء فنية ما زالت حتى الساعة تحتاج الى مزيد تبصّر وإقرار. برمجة المهرجان، التي تريد الذهاب بعيدا في الانفتاح على الفني العربي والاجنبي، أدرجت في قائمة استضافاتها المطربة اللبنانية الشابة ديانا حداد التي حصدت جمهورا غفيرا ملأ مدرجات المسرح الجنوبي في جرش، هذا الجمهور الذي دأب على مواكبة الأسماء الفنية بحضور لافت أمسى تقليدا لا يفرّق كثيرا بين نجم ونجم. ولعلها كاريزما الغناء في هذه الأماكن المفتوحة، والمتسعة لأعداد هائلة من الحضور هي التي تصنع الصيت الاكثر دويا للمهرجان، والتي تطغى على كل ما عداها من أنشطة إبداعية. الفنان مرسيل خليفة (لم يتسنّ لنا حضور أمسيته ايضا، لتضارب مواعيد الندوات الأدبية والشعرية مع الحفلات الفنية، اذ لم تلحظ إدارة المهرجان هذا الأمر) كان ضيف المهرجان، كذلك الفنان العراقي نصير شمة عازف العود الذي واكب عزفا الشاعر حيدر محمود (الأردن) والشاعر اللبناني طلال حيدر. أسماء عربية كثيرة حفل بها الليل الأردني بالإضافة الى وفرة استضافات فنية أجنبية على صعيد المسرح والرقص والغناء لفت فيها أوركسترا (براغ فيلهارمونيك) التشيكية و»سيتي باليه أوف لندن« البريطانية، و»فرقة شكسبير اوريجينال كومباني بريطانيا« التي تعود الى جرش لمرة ثانية عبر مسرحية جديدة (الليلة الثانية عشرة) مسرحية كوميدية يعتبرها النقّاد من أفضل كوميديات شكسبير. ثم على صعيد الاستضافات العربية، احب ان أنوّه ب»فرقة العازفات« التونسية التي تسنّى لي حضورها في »كوبنهاغن« من ضمن دعوة جمعتنا، فثمة في مناخ الفرقة، ذلك الفضاء الموسيقي الذي تشكله الأنوثة وتزركشه أنامل العازفات وأصواتهن في إعادتهن مأثورات التراث التقليدي من المألوف التونسي والموشح الشرقي. في تزامن الأمسيات الشعرية والندوات الفكرية والبحوث الأدبية، في الوقت عينه الذي تُعرض فيه الحفلات الفنية في جرش، إفتراض اكيد تضمنته البرمجة، في ان رواد الحفلات الفنية، يفترقون عن أولئك الساعين الى المتابعات الابداعية. وفي هذا الأمر، عدم تبصّر بين المرئي والمسموع، او بين الفني اذا صح التعبير، والثقافي. اذ لا بد من إغناء الباحث او الناقد او الشاعر، بمتابعات ترفيهية في حدها الأدنى، وثقافية حميمية في الواقع، من جودة طروحاتها وإنتقاءاتها وعلاقتها المباشرة بالموروثات الشعبية والفنية الراقية التي تشمل صنوفا إبداعية كثيرة. حلقات نقدية الحلقة الأولى، او الأمسية النقدية الأولى التي صادفت ليل وصولنا عمان، كانت تحت عنوان »شعر المرأة العربية« فاطمة المحسن، العراقية المقيمة في بريطانيا والناقد والأستاذ الجامعي السعودي عبدالله الغذامي. الندوة جرت في منتدى عبد الحميد شومان، وتحدثت فيه د. فاطمة عن شعرية المرأة وعن الموروث الشعري للمرأة، اذ وجدت تعبيرات متطرفة في الأفكار والمواقف من أدب المرأة. فبين رعاية مبالغ بها لنماذج من هذا الأدب، وتنكر وإهمال لنماذج اخرى، يخضع أدب المرأة الى اشكالية مفهومية يمليها غموض المصطلح نفسه. ووجدت المحسن ان حقل النسوية في الكتابة العربية لم يزل جنينا كما حصل مع الكثير من المفاهيم والأفكار الجديدة. غير ان المرأة تكتب اليوم الشعر، كما تجد مكانتها اللائقة في عالم القصة والرواية، ولعل الشاعرات في بعض البلدان العربية ينافسن من حيث العدد الشعراء. كما عرضت الى تراث الأغاني او الفلكلور الشعبي. وتكلمت عن شاعرية الخنساء، تلك الظاهرة الممتدة الى ظاهرات شعرية في يومنا هذا، وخلصت د. فاطمة الى اننا سنكون من المبالغين ان تخيلنا ان فعل الإبداع يتشكل بقرار زمني يتخذه الرجال، غير ان مقتضيات الصراع لكل مرحلة، لا بد ان تكون فيها الغلبة لطرف واحد، وتتحقق بإرادة السلطة الحاكمة، وترتبط بنوع المُثل التي تحملها، ويجري تنفيذها بقوة التقاليد والعادات التي تبدأ بحكايات وأساطير تجمع الواقع بالخيال باستبصار المستقبل الذي يصنعه الأقوياء بالغلبة. د. عبد الله الغذامي، الذي قدم له »الشعر اذا لم يكن خطابا في التأنيث«، استهلها بالتساؤل، وطرح مجموعة أمور يجدر التثبت منها، وعرض الى ان التأنيث نسق ثقافي يصدر عن الرجال كما يصدر عن النساء، والى ان النسق الذكوري هو القصيدة العمودية الذي خرقته نازك الملائكة ولم تتفوق فيه شاعريا على السياب. الملائكة كسرت هذا العمود الأمر الذي لم يحدث بحسب الغذامي على مدى 15 قرنا في الماضي. كسرته بفعل حسي، حين جاهرت بالحب وكتبت فيه. وفي ما قاله الباحث غذامي ثمة حدة حراك اجتماعي في بلد السعودية يبدو الى الناظر على درجة من السكون والانغلاق في ما يخص موضوعة المرأة على وجه التحديد. كما انه اي الباحث خاض في أمثلة وأدلة الى شعرية المرأة وخاصيتها في هذا المجال. أعقبت الندوة مداخلات مقتضبة لعدد من المشاركين منهم زليخة أبو ريشة ولطفي اليوسفي ود. رشيدة عبد السلام وسواهم. الخوف العميق من النتاج الحاصل دائما في مثل هذه المهرجانات، هو من غلبة السلفية العمياء في الانتقاءات الكلاسيكية، او الحداثة القلقة. بينهما يتأرجح المهرجان في محتوى وسط في ما نسميه الثقافة بمعناها الشامل وهذا ما يريده المهرجان بقوة، وما يبقى دون الأمنيات والتمنيات. بين هذين المستويين يتأرجح المهرجان باحثا عن هويته. وهي هوية ثقافية عربية من دون شك، نريد لها ان تكون أعمق واكثر دقة، وهاتان موضوعتان مرتبطتان أساسا بطريقة الاستضافة وبنوعية المستضافين.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة