كان فيلم يوسف شاهين الذي استخدم فيه ابن رشد ضد الأصوليين آخر مظاهر عصرنة الفيلسوف المعروف من جهة، وذروة انعدام الحيلة أمام ظواهر المأزق العربي من جهة ثانية. ولقد كان من حسن حظ ابن خلدون، أن أحدا ما استطاع حتى الآن تحويل حياته الى دراما مصورة، رغم تعدد وجوه استخدامه في الفكر العربي الحديث والمعاصر. بيد أن العام الحاضر يشهد ذكرى لابن رشد تسوِّغ الى حد ما استعادته بطرائق شتى: إنها الذكرى الثمانمائة لوفاته التي يحتفل بها اليونيسكو عالميا، والتي دفعت لإقامة عشرات الندوات والمؤتمرات عن شخصيته وفكره؛ بيد أن الوجه الغالب عليه في ذلك كله ظل أنه المنوِّر العربي والإسلامي في وجه الظلامية والأصولية. لكن يبدو أن الأمر لا يقتصر على المناسبة وحسب في فروق الاستخدام للرجلين. ففي حين أن ابن خلدون يقدم في »المقدمة« رؤية تحليلية متشائمة بعض الشيء للعمران البشري والحَضَري؛ فإن ابن رشد في أفهام أوروبيي العصور الوسطى له على الأقل يطرح إدراكا آخر في هذه المسألة بالذات في حقبة العرب المعاصرة، بدا ابن رشد أقرب لدى الكاتبين الى ما يعرفونه من فكر عصر الأنوار الأوروبي في حين أصرت قلة على الاستمرار في تأويل ابن خلدون وإعادة تأويله (غالبيتها من اليساريين)؛ وبخاصة أن ميراثه الباقي من الكتابات قليل وسهل التناول إذا قورن بالميراث الضخم والمعقد لإبن رشد. I عاد العرب والمسلمون لاكتشاف ابن رشد وابن خلدون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان الأوروبيون قد سبقوهم لمعرفة ابن رشد من خلال ترجماته إلى اللاتينية منذ القرن الخامس عشر. أما ابن خلدون فلم تنقطع معرفته في المغرب العربي على الخصوص، لكن تأثيراته تلاشت حتى عاد بعض المؤرخين العثمانيين لتذكره في القرن الثامن عشر عند بحث عوامل الانحطاط العثماني. على أي حال؛ فإن المستشرقين الأوروبيين بدأوا بنشر النصوص العربية لهذين المفكرَيْن الكبيرين أواسط القرن التاسع عشر، وسرعان ما أقبل المصريون على إعادة نشر تلك النصوص عن نشرات المستشرقين، ثم حاولوا تحسين تلك النشرات بالعودة الى المخطوطات المتوافرة لها في مصر وبعض البلدان الأوروبية. لكن مضى على النشر وإعادة النشر قرابة القرن الآن، ولم تحظ مقدمة ابن خلدون على سبيل المثال بنشرة علمية تصبح مرجعا معتمدا للباحثين رغم وجود ما يزيد على الخمسين مخطوطة لنصها في مكتبات العالم الإسلامي والعالم الأوسع. الاستمدادات العربية الأولى من ابن خلدون استندت الى نشرة المستشرق الفرنسي كاترمير من خمسينيات القرن التاسع عشر. أما المعرفة الأولى بابن رشد فقد استندت الى كتاب إرنست رينان المشهور عن الرشدية اللاتينية. وفي الوسع القول إن الإدراكات الأولية لهذين المفكرَيْن في الاستشراق الغربي تحولت الى محددات للفهم العربي لهما حتى السبعينيات من هذا القرن. أما ابن رشد فقد اعتُبر بين طلائع العلمانيين لقوله حسب الفهم اللاتيني له بالحقيقتين المستقلتين الدينية والأخرى الفلسفية. وأما ابن خلدون فقد اعتبر صاحب نظرية في التكوينات الاجتماعية والسياسية لدى العرب والمسلمين. وفي حين اتسعت الأفهام لابن خلدون خلال القرن العشرين لتجعل منه رائدا في علوم التاريخ والاجتماع والاقتصاد؛ فإن ابن رشد رغم تعقيد تراثه واتساعه ظل إدراكه جزئيا ومنحصرا في القراءات المختلفة لكتيِّبه الصغير: »فصل المقال«، ومسألة الحقيقتين السالفتي الذكر. فإذا اتسعت القراءة العربية كثيرا تناولت الكتيب الآخر »مناهج الأدلة« الذي ينتقد فيه علم الكلام، أو »تهافت التهافت« الذي يجادل فيه الغزالي في ردوده على الفلاسفة، كما هو معروف. ابن رشد الفيلسوف العلماني إذن، وابن خلدون المؤرخ الموضوعي، والمحلل للعمران البشري وأطواره. وضمن هاتين الأطروحتين تعددت النغمات والقسمات في القرن العشرين، أطول قرون التاريخ على أمتنا بعد القرن الثاني عشر، قرن الحروب الصليبية الدامي. جاء أول دخول لابن رشد في النقاش الداخلي العربي في الجدال بين فرح أنطون ومحمد عبده حول كيفية تحقيق النهوض. فرح أنطون أخذاً من فهم رينان لابن رشد ذهب إلى أن السبيل للنهضة يتمثل في مقولة ابن رشد عن فصل الدين عن الدولة! فرد عليه محمد عبده بأن ابن رشد لم يقل بذلك، ولم تشهد التجربة الحضارية الإسلامية صراعا بين الدين والدولة، بل ان ذلك حدث في أوروبا، وما كان في الحقيقة صراعا بينهما، بل بين الدولة والكنيسة التي احتكرت الدين. وهكذا فإن ابن رشد استُخدم هنا لنصرة فهم معين للنهوض في مواجهة فهم آخر يرى للدين دورا ايجابيا دافعا في عمليات النهوض والتحرير بل ان هذا الفهم الاصلاحي سرعان ما لجأ للاستنصار بابن خلدون الذي رأى أن »العصبية« التي تتأسس عليها المجتمعات، تحتاج الى »الدعوة الدينية«، أي المشروع المستند للدين لكي تتحول إلى دولة. وامتدت المرحلة الثانية من مراحل استخدامات ابن رشد الحديثة والمعاصرة زهاء الخمسين عاما. خلال تلك الفترة الطويلة (بين العشرينيات والستينيات) اقتصر الاشتغال عليه من جانب الأكاديميين العاملين في مجالي تاريخ الفلسفة، وعلوم اللاهوت والكلام. والطابع العام لتلك الدراسات إبراز أصالة الفلسفة الرشدية لأرسطية ابن رشد الشديدة (فقد قضى الجزء الأكبر من حياته عاملا في شرح مؤلفات أرسطو)، وعقلانية الرجل المتمثلة في نقضه للفكر الديني (علم الكلام والتصوف)، وقوله بالحقيقة العلمية (البرهانية) والفلسفية، حتى في التدليل على العقائد الدينية الأساسية: وجود الله واليوم الآخر. وكان بحسبان أولئك الدارسين أنه من الخير للتجربة الفلسفية الإسلامية الوسيطة ان ترتبط بالعقلانية الأرسطية التي يمثلها ابن رشد والفارابي، بدلا من الأفلاطونية القديمة والمحدثة التي يمثلها فلاسفة آخرون، وتطل على الغنوصية واللاعقلانية. على أن تفاقم المأزق العربي في السبعينيات والثمانينيات أخرج ابن رشد من أكاديميته المتعالية بعض الشيء، وزج به في خضم الشخصيات المتناقضة للمشكلات العربية والإسلامية المعاصرة. فحسب محمد عابد الجابري ومُشايعيه هناك تقليدان فكريان وثقافيان عربيان وإسلاميان قديمان. الأول التقليد العقلاني النهضوي الذي بزغ في المشرق الوسيط، لكن ابن رشد وآخرين وطّنوه في المغرب، وأورثوه لأوروبا وهو الميراث الحري بالتبني والاستلهام اليوم لاخراج العرب من المأزق وإدخالهم في الحداثة. والثاني التقليد الروحاني والغنوصي غير العقلاني الذي توزع بنسب متفاوتة في سائر التيارات المشرقية، وكان وراء انحطاط الحضارة الاسلامية وتراجعها. وكان المستشرقون الأوروبيون قد اكتشفوا ترجمة عبرية وأخرى لاتينية (من العبرية) لشرح أو تلخيص ابن رشد لجمهورية أفلاطون، ضاع أصلها العربي؛ فعمدوا بعد نشرهما لترجمتهما الى الانكليزية (مرتين). وهنا اهتدى الجابري متأخرا الى انه يمكن استخدام بعض تعليقات ابن رشد تلك لإثبات أمرين انه لم يكن عقلانيا تحديثيا وحسب، بل وديموقراطيا معارضا لنظام الحكم السائد في عصره أيضا. وقد حاول بعض الاسلاميين الجدد استعادة ابن رشد الى حظيرة الاسلام الإحيائي لعرضه كنموذج لعقلانية إسلامية تعالج المأزق العربي من وجهة نظرهم هم، لكن محاولاتهم ما حظيت بالتأثير الذي حظيت به محاولات العقلانيين التحديثيين السالفة الذكر. أما ابن خلدون فإن حظوظه في الشعبية والتحول الى شخصية مؤثرة في الحداثة العربية، لم تتأخر كما تأخر ابن رشد. فقد صار منذ مطالع القرن العشرين، بعد أن نُشرت مقدمته مرارا في طبعات شعبية الى مرجع لكل العاملين في مجال التاريخ الإسلامي يستشهدون به كثيرا وإن لم يلموا بأطراف منهجه. وكان طه حسين بين أوائل من درسوه في أطروحته الباريسية من الوجهة الاجتماعية، أي في تقريراته عن التكوينات الاجتماعية البدوية والحضرية. لكنه في الوقت الذي تعامل معه فيه باعتباره قارئا مدققا للمورفولوجيا الاجتماعية، كان همه ليس اختبار صحة تحليله لعناصر التكوّن الاجتماعي العربي أو الإنساني، بل اعتباره رائدا للوضعانية في علم الاجتماع، تلك التي تتعقل الوجود الاجتماعي بطرائق عقلانية وتحليلية غير ميتافيزيقية على نهج دوركايم وليفي بريل. أما علمية منهجه التاريخي فقد حاول إثباتها من بين العرب للمرة الأولى محمد عبد الله عنان، لتصبح بعد ذلك محل اهتمام سائر الدارسين. وحدثت النُقلة في الدراسات الخلدونية عندما اعتبره إيف لاكوست الباحث الفرنسي، مصدرا لفهم مجتمعات العالم الثالث، أو المجتمعات المشرقية، وآليات حركتها. وقد سُرَّ اليساريون العرب لطرائق معالجته لوسائل الكسب والعيش والمعاش، وراحوا يعتبرونه رائدا لمسألة »البُنى التحتية«، في حين اهتم آخرون بتحليلاته حول العصبية وقيام الدول وانهيارها. لكن كما حُمِّل ابن رشد مسألة الفصل بين الدين والدولة في حين لم تكن الإشكالية مطروحة في عصره على الإطلاق حُمِّل ابن خلدون مسألتين اثنتين: القول بالتكوين الانقسامي للمجتمعات العربية والإسلامية، والقول بهامشية الدين في قيام الدول في عالم الاسلام الوسيط. وكما حاول الإسلاميون الجدد استعادة ابن رشد، فإنهم حاولوا أيضا استعادة ابن خلدون باعتبار تفسيره للمجريات الاجتماعية والسياسية تفسيرا إسلاميا بحق نابعا من القرآن والسُنة. II يعرف القارئون للنصوص التأسيسية قديما وحديثا ان للنص إمكانات وإمكانيات تنفتح على عدة قراءات. ولا شك أن القراءات الثواني والثوالث إذا صح التعبير تتأثر بثقافة القارئ ووعيه وظروفه وعصره. فالقراءة أو القراءات العصرية لابن رشد وابن خلدون وغيرهما مشروعة بل ربما كانت ضرورية وبخاصة ان النص ينفتح على تكون واكتمال متجدد بقراءة قرائه له. بيد أن القراءات العصرية العربية للنص الرشدي والخلدوني لا تقرأهما في حقلهما التاريخي ولا البنيوي، بل في ضوء المأزق العربي الراهن والمتمثل في العجز عن بناء المجتمع العصري، والدولة الحديثة. والحق ان ابن رشد وابن خلدون، كليهما، أياً كانت قيمتهما الفكرية، لا يملكان أن يقدما لنا فهما معينا لأبعاد مشكلاتنا المعاصرة، كما لا يملكان تقويم اقتراحات حلول لها. فابن رشد قضى الجزء الأكبر من حياته متبتلا في محراب أرسطو والشرح لمؤلفاته. أما كتبه القليلة الأخرى (باستثناء بداية المجتهد) فقد كانت بمثابة حواش استنتاجية على النص الأرسطي. وابن خلدون كتب مقدمته في محاولة لاكتناه أسباب »الخمول« الذي أصاب المجتمع والدولة في المغرب الاسلامي. فإذا عالجنا نصيهما بمنظور معاصر؛ فإنما يفيد ذلك في فهم أدق أو آخر لتجربتيهما الفكريتين في عصرهما. أما تعدية النصين إلى الوقت الحاضر؛ فإن كان بغرض النقد، فيصبح أدلجة لا تعين على الفهم. وإن كان بغرض التقريظ، فيصبح إحياء للتراث. والتراث لا يعاد إحياؤه بل يستوعب ويُتجاوز وقد حدث ذلك. تشهد الدراسات الخلدونية في الوطن العربي طفرة لم يخمد أوارها منذ الستينيات. أما الدراسات الرشدية فتُقبل على ازدهار محمود في السنوات الأخيرة فقط. وقد أوضح الباحث العربي المعروف عزيز العظمة في دراسة له قبل عقدين ان الدارسين الغربيين استخدموا ابن خلدون من ضمن ما استخدموه لإثبات الحاجة للتغيير الجذري والثوري في المجتمعات العربية ذات الطبيعة الانقسامية العاجزة بسبب انقساميتها عن التوحد والنهوض. بينما أوضحت الباحثة الألمانية أنكه فون كيغلفن أن العرب استخدموا ابن رشد لايجاد حلول للواقع الراهن المتأزم. وكما لم ينفع ترياق الأيديولوجيات الشمولية، لن ينفع ترياق التراثيات المتجددة. فيبقى أن ابن رشد وابن خلدون يمكن أن تُعاد قراءتهما مئات المرات، أما المأزق الحاضر فغربتهما عنه لا تقل عن غربة الذين يعتبرهم الأستاذ الجابري غنوصيين وغير عقلانيين.