As Safir Logo
المصدر:

موسوعة مصطلحات علم الكلام الاسلامي من الدين الى الفلسفة وتاريخها

المؤلف: العريبي محمد علي التاريخ: 1998-07-27 رقم العدد:8055

يتولد لدى القارئ لموسوعة مصطلحات علم الكلام الاسلامي للدكتور سميح دغيم ان الفكر العربي المعاصر قد دخل في طور جديد من أطوار التفاعل مع أصوله الفكرية الدينية. والموسوعة هذه تأتي ضمن سلسلة موسوعات تقوم مكتبة لبنان بنشرها للتعريف بمصطلحات المنطق والفلسفة والتصوف والعلوم الوضعية العربية. وقبل الدخول في تفاصيل العمل لا بد من الاشارة الى مسلمة ضرورية لأي شكل من أشكال التعاطي مع الفكر الديني الاسلامي وهي ان هذا الفكر هو انتاج بشري وأتى في سياق تطورات اقتصادية وسياسية واجتماعية تحددت عبر العصور التي أنتجتها. ومع ان هذا الفكر انطلق، منذ نشأته بعد الدعوة الاسلامية، من المعطى الإلهي الموحى المقدس، اي القرآن الكريم، الا ان قدسية موضوعه »الوحي الإلهي« لا تكسبه أية قدسية لكونه قد صدر عن قوى عقلية بشرية محددة بأطر جغرافية وتاريخية. وقد تحددت غاية هذا الفكر بتوضيح الوحي وتقريبه الى فهم العامة من البشر عملا بالآية الكريمة (أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، وبضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم كي لا يكذب الله ورسوله. ومنذ عصر النهضة والدعوة التي أطلقها رجالها، كالأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضى وغيرهم للعودة الى التراث لتحصين الثقافة الاسلامية وعدم التبعية العمياء للثقافة الغربية، وحتى الآن صرف الكثير من الوقت والجهد من قبل الباحثين والدارسين لاستخراج الآراء وإبرازها حول شتى المسائل والقضايا التي حوتها بطون الكتب التراثية. ليس هناك اي شك، بالطبع، حول قيمة هذا النوع من الأعمال، ويكفيها انها نفضت الغبار عن تراث هائل وغني وذخيرة لا بد منها في بناء فكر عربي وإسلامي ينسجم مع مرحلته التاريخية. الا ان الغرق في الكشف عن الآراء والآراء المناقضة والآراء محكومة بطبيعتها لعنديات منتجيها ومواقفهم المرتبطة بالمواقع التي وجدوا فيها شغل جل الباحثين عن المنطلقات والأصول التي أنتجت هذا التراث وأعطته قيمته التاريخية في المرحلة التي تفاعلوا معها. وأوحت الحماسة التي عرضت فيها آراء السابقين من المتكلمين والفقهاء وعلماء الأصول ان هذه الآراء لها قدسية المقدس الالهي وهذا خطأ جسيم بدأنا نحصد نتائجه المحزنة في أكثر من بلد عربي وإسلامي. الذي قدمه الدكتور سميح دغيم في »موسوعة مصطلحات علم الكلام الاسلامي« وهي في جزءين، الجزء الاول من أ حتى ف، والجزء الثاني من ق حتى ي هو »المصطلح المعبر عن أصالة الفكر العربي الاسلامي القديم وحداثته في آن معا« والهدف الأقصى لهذا العمل كما يذكر المؤلف هو الاسهام في إشادة نتاج فلسفي مستمد من أصالة الفكر العربي ومحقق في بنى نازلة في صيغ يدرك فيها القارئ طبيعة لغته وخصائصها. بحيث لا يتم فقط الانتفاع منها في مجال الخلق والإبداع، بل ايضا في مجال نقل الأفكار الدخيلة، والمقصود بالدخيلة هنا الأفكار التي تنتجها الشعوب الاخرى غير العربية في عصرنا الحاضر. 27 عاما والحقيقة التي ينطلق منها الدكتور دغيم هي »ان البناء الفكري قلما ينفصل عن مرتكزاته العيانية ان لم يكن انعكاسا أساسيا لها، بحيث تأتي ذهنياته متخرجة من خلال عينياته لغويا ولسانيا. ذلك لأن الذهنيات واللسانيات من المسائل الاساسية التي تحكم اي انطلاقة في عملية بناء فكري متكامل ومعبر في آن معا عن وجدانيات أصحابه«. ويوضح المؤلف الصلة بين الذهني وعينياته اللغوية واللسانية وقيمة الانطلاق من المصطلح الكلامي لتأسيس فكر فلسفي، فيرى ضرورة صياغة الفكر الفلسفي العربي في قوالب لغوية مألوفة لذوقنا العربي ومعبرة عن منطلقاته العينية، مع العلم ان مسألة المصطلح المعبر عن الوجدانيات والذهنيات كانت من صلب اهتمام علماء الكلام (الأشاعرة والمعتزلة والشيعة وغيرهم). ويرى المؤلف ان علماء الكلام على اختلاف مشاربهم خاضوا في مجال القدريات اكثر مما خاضوا في مجال الأيسيات توثيقا منهم للذهنيات او للغيبيات، وربما كان لهم ذلك لكون المصطلح العربي في أبعاده الفقهية والكلامية أشد التصاقا على صعيد القدريات، الأمر الذي أدى بالمعاني عندهم علماء الكلام ان تنزل في صيغ ومبان لها ما يناسبها ويوثقها في مجال الغيبيات (ص×). وأراد الدكتور دغيم لموسوعته ان تكون سبرا عاما شاملا لأهم المصطلحات التي انبنى عليها علم الكلام في مختلف مراحل تطوره، منذ بداية ظهوره في نهاية صدر الاسلام، مرورا باستوائه علما قائما له أصوله المنهجية ومضمونه المعرفي، ابتداء من حسن البصري (ت110ه)، وانتهاء بالقاسم بن محمد بن علي (ت1029ه). فيرجع الى 27 عالم كلام ينتمون الى أبرز المذاهب الكلامية (المعتزلة، الاشعرية، الماتوريدية، الشيعة المتأخرون). ويستخدم حوالى 57 مصدرا مشهورا . ان غنى الموسوعة المتمثل بالرجوع الى العديد من المصادر والأعلام يوفر الوقت والجهد على الباحث الراغب في إقامة المقارنات بين المصطلحات عند أكثر من علم وأكثر من مذهب ليتبين الخلافات بالعودة الى أصولها او التطور الذي أصاب المذاهب بالكشف عن المنطلقات الفكرية وعدم الدخول في متاهات الآراء التي قد تقود الى الفرقة والتباين بين أصحاب الملل والنحل. وفي معرض الكشف عن أصالة علم الكلام وحداثته يشير الدكتور دغيم الى التقاطع الذي حصل بين علم الكلام والفلسفة مع فخر الدين الرازي (ت606ه) والطوسي والحلي (الثاني والثالث عشر الميلاديان) وتأسيس هؤلاء لميتافيزيقيا اسلامية تعتمد المقايسة العقلية في الاستدلال على الغائب (الله) من خلال الشاهد (الوجود الطبيعي). فغدا علم الكلام فلسفة اسلامية تعتمد التنظير العقلي في توثيق العلاقة بين الخالق والمخلوق، بين الفعل الالهي والفعل الانساني، وبين إرادة الله وإرادة الانسان. المصطلح ليس من العلم اكتفى الدكتور دغيم بهذه الإشارات السريعة عن الصلة العضوية القائمة بين الذهني وعينياته اللغوية واللسانية وضرورة مراعاة المألوف لذوقنا العربي عند الشروع في إقامة أي صرح فلسفي. الا ان هذه الإشارات على بساطتها تفتح الباب على مصراعيه لأطروحات جدية تطال الفكر العربي بمجمله، قديمه وحديثه، فالفلاسفة العرب كالكندي والفارابي وابن سينا أخذوا بوجهة النظر اليونانية القائلة بأن العلوم الفلسفية تخص أهل البرهان والنظر الذين تفوقوا بقوتهم العقلية النظرية وتجاوزوا العامة الذين اتجهت اهتماماتهم الى الماديات المحسوسة ومتعلقاتها. والاعتقاد الذي ساد عند أهل شبه الجزيرة اليونانية بأن القوة النظرية أشرف من القوة العملية، وبالتالي العمل الفكري أشرف من العمل اليدوي، أدى الى التبشير بأرستقراطية مثقفة لها لغتها الخاصة واهتماماتها البعيدة عن اهتمامات العامة. وروج فلاسفة العرب لطبقية فكرية ضمن فئة المثقفين أنفسهم، فقسموهم الى أهل النظر والبرهان، وأهل الجدل (المتكلمون) والعامة (الخطابيون). وذهب بعض أهل التصوف والاسماعيلية (الباطنية) الى اعتماد الرموز، كالحروف والأرقام، التي لا يفهم معانيها الا جماعاتهم. وقد تنبه الامام فخر الدين الرازي للمخاطر التي قد تلحق بعلم الكلام والأصول بسبب دخول مصطلحات لا عهد للناس بها وبمعانيها، وخاصة تلك التي استخدمها المتأخرون من المتكلمين وأخذوها من الفلاسفة، فأطلق مقولة شهيرة مفادها ان »المصطلح ليس من العلم« لأن المصطلح قد يتغير من جيل الى جيل ومن عالم الى آخر. وقد أشار الدكتور دغيم في المقدمة الى ان طلائع علم كلام جديد بدأ في الظهور في إيران وهذا صحيح. الا ان الدكتور دغيم لم يوضح الموضوع المحوري للكلام الجديد. والواقع ان ابن خلدون كان قد صرح في »المقدمة« بأن علم الكلام لم يعد له فائدة في عصره اذ ان غايته كانت الذود عن حياض الاسلام والرد على المبتدعة بالأدلة العقلية حول وجود الله وصفاته وخلقه للعالم واليوم الآخر (المعاد) والنبوة وشروطها ومنافعها الدنيوية والإمامة وضرورتها او عدم حاجة الناس اليها ومن يكون هذا الإمام. الا ان المسألة العالقة من كل هذه المسائل هي مسألة الإمامة وحولها يدور الكلام الايراني الجديد اضافة الى مسألة تتعلق مباشرة بمفهوم الامامة عند الشيعة الاثني عشرية وهي العرفان، اما المسائل الباقية فلم تعد مطروحة البتة. وأكثر اهتمام الحوزات العلمية الشيعية والمؤسسات الدينية السنية متوجهة الى المسائل الفقهية وتشكيل أسس قيمية أخلاقية واجتماعية سياسية مستوحاة من التعاليم الاسلامية لتواجه النظم القيمية الغربية المتعاظم تأثيرها في المشرق والمغرب الاسلاميين، بفعل قوة الاعلام عالميا. وحالة الانحطاط النسبية في الإبداع تدفع برجال الدين الى أعمال السلفيين دون الأخذ بعين الاعتبار تغير الظروف وتبدل الاحوال بين ما كان وما صارت اليه حياتنا المعاصرة. ولان كانت العقيدة لكل مكان وجيل الا ان الفكر الذي أنتجته الاجيال السابقة قد لا يصلح بعضه للأجيال اللاحقة. من هنا كانت دعوة الدكتور دغيم الى الاستفادة من مصطلح علم الكلام الاسلامي لصياغة فلسفة (وليس علم كلام) عربية اسلامية معاصرة في قوالب لغوية مألوفة لذوقنا العربي ومعبرة في آن عن منطلقاته العينية. والموسوعة التي يقدمها الدكتور دغيم تكشف عن غنى التراث العربي بالمصطلحات والمفاهيم الصالحة لتأسيس فكر فلسفي عربي معاصر يواكب بحضوره الفكر العالمي من داخل ركائزه الانسانية ويساهم في تحليل مشكلاته وبلورتها لتخطي واقع الحال وتمهيد السبل للترقي وتحقيق حياة أكثر عقلانية وأكثر إحاطة بالحقيقة البشرية. الا ان هذه الموسوعة، على غناها، لا تغلق الباب أمام الاضافات الممكنة ضمن الاطار الصحيح الذي رسمه الدكتور دغيم، وخصوصا ان العديد من كتب التفسير الغنية بالمصطلحات، الكلامية والفقهية والفلسفية، لم يتطرق اليها الباحث وحبذا لو يستكمل العمل حتى يطال فكر النهضة العربية. هذا من جهة، وكان يفضل ذكر المصادر التي وردت فيها المعاني المرادفة لتلك التي أثبتها في موسوعته. وعمل الدكتور دغيم يكتمل بالموسوعات الاخرى التي أبرزت مصطلحات الفلسفة والفقه والعلوم الوضعية لأنها جميعها تشكل ضرورة لازمة لأي محاولة تسعى لتأسيس فكر فلسفي عربي مميز بطبيعته وفاعل، مع محافظته على خصوصيته، ومتفاعل مع الفكر العالمي. محمد علي العريبي

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة