As Safir Logo
المصدر:

تداول السلطة في المغرب والمتاهة الديموقاطية حداثة في اطار التقليد لا يفهمها العقل الديكارتي(صور)

المؤلف: سرور كاتيا التاريخ: 1998-07-23 رقم العدد:8052

الرباط كاتيا سرور: الصحراء 283 بولفار محمد الخامس الرباط، هو عنوان المعرض الدائم لصور العائلة الملكية في المغرب لصاحبه علي لينه، وهو مصور خاص للملك المغربي الحسن الثاني. وبوسع أي كان، في هذا المعرض الدائم، »التفرج« على الكثير من جوانب الحياة العامة في القصر الملكي واستنساخ الكثير من صورها، ولكن ليس كلها، ذلك ان بين تلك الصور الملكية واحدة »يتفرج« الملك فيها (ويبدو وحيدا تماما بحيث تقفز الى الذاكرة رواية »أقصى درجات العزلة«) على واحدة من المسرحيات، لكنك عندما تطلب استنساخها، ستسارع الموظفة اللطيفة إلى التأكيد بفرنسية تلقائية: اCelle - La, Non, Desolژe Madame, La reproduction nصest pas permiseب بالمقابل، سيبدو مفاجئا، ولعله أيضا كثير الذكاء، ان يكون مسموحا استنساخ صورة وزير حقوق الانسان (وهذه الوزارة واحدة من الانجازات المغربية في مجال الاصلاحات الدستورية) وهو يقبل يد الملك في مناسبة استقباله لحكومة عبد الرحمن اليوسفي. علما، ان تقبيل يد الملك ليس بروتوكولا إلزاميا، وإنما هو متروك للتقدير الشخصي، وبالتالي، فوزير حقوق الإنسان، في هذه الصورة التذكارية، يقبل يد الملك بمحض إرادته وبملء اختياره، علما أيضا، ان وزير حقوق الانسان محمد اوجار، يشارك سائر وزراء المعارضة، الذين لم يقبلوا يد الملك، الماضي نفسه، فهو أيضا مناضل وسجين سياسي سابق. سيبدو، لوهلة أولى، ان اختيار محمد أوجار لحقيبة حقوق الانسان ضربة معلم ملكية، فالرجل أولا اصبح في »التجمع الوطني للأحرار« وهو الحزب الموالي الذي منح الملك من خلاله بعضا من أكثريته النيابية ليوفر الأغلبية البرلمانية للثقة التي تحتاجها حكومة التناوب، معطيا بهذا السلوك البرهان على أن الديموقراطية التي يطرحها كمشروع مستقبلي للمغرب، ليست ديموقراطية الأكثرية العددية (برلمانيا)، لكن ذلك قد يعني أيضا ان وزارة حقوق الانسان قد تكون مرشحة للالتحاق بوزارات »السيادة« الأخرى (الداخلية العدل الأوقاف والخارجية)، بحيث يطرح السؤال نفسه حول ما إذا كان مرشد الحركة الاسلامية المعارضة (العدل والإحسان) الشيخ عبد السلام ياسين مرشحا، في أبعد تقدير، للبقاء رهين »الإقامة المحروسة«، أو في أدنى التقديرات، بقاء كل »الملفات العالقة« في مساحة حقوق الانسان، من دون أجوبة شافية، خصوصا ان ملف ابراهيم الرفاتي المعروض حاليا على القضاء لا يوحي بكبير رجاء في هذا المجال. أسئلة الوهلة الأولى، سيصححها الكاتب الثاني في الاتحاد الاشتراكي ووزير التعمير محمد اليازغي، الذي ما يزال يحمل آثار »اللاديموقراطية« في أصابع يده الثلاث: الخنصر والبنصر والوسطى، بعد ذلك الطرد الملغوم الذي أرسل إليه ذات يوم لينفجر بين يديه، سيقول لك اليازغي »الديموقراطية هي بالتأكيد حماية حقوق الإنسان، والملفات العالقة في هذا المجال ستأخذ طريقها الى الحل بتوازن وموضوعية. وان هذا التزام الحكومة الصريح الذي لا مساومة فيه، لكن، ومن جهة أخرى، فالديموقراطية هي أيضا ان يكون قبول سجناء الرأي السابقين قيادة السفينة المهددة بالأنواء، هو قبول التكليف وليس التشريف، أو بعبارة أكثر وضوحا ان الديموقراطية تعني أيضا المسؤولية الكاملة عن ترتيب الأولويات بحيث تفهم تماما معنى ان ندع للوقت وقتا كافيا«. سيقول رئيس الوزراء عبد الرحمن اليوسيفي ان الديموقراطية هي أيضا »ان تعرف كيف تقطع يد مافيا الفساد من أعلى الكتف، منتبها بدقة بالغة الى ان جيش الموظفين في الادارات الحكومية ليسوا كلهم من المرتشين، فالأقلية فاسدة والأكثرية »طيبوبة«، وعلينا أن نمنح »الطيبوبيين« فرصة نشر أخلاقياتهم بحيث لا تعود نظافة الكف والنزاهة مجرد »أفلاطونيات« للسخرية والتندر«. أسئلة الوهلة الأولى ستستقيم في اتجاه السؤال العميق الذي يطرحه محمد عابد الجابري: »هل سيشق المغرب لنفسه طريقا نحو حداثة سياسية تصبح فيها المؤسسات »المنتخبة« منتخبة فعلا وذات صلاحيات تجعل منها ميدانا لمجال سياسي حديث تمارس فيه عملية صنع القرار، وبذلك يتحقق التجديد ويتواصل في إطار الاستمرارية؟ سؤال محمد عابد الجابري، يعيد صياغته إيريك لوران في المقابلة الطويلة التي أصدرها هذا الإعلامي الفرنسي في كتاب حمل عنوان »ذاكرة ملك« حيث يسأل: »كيف يمكن مصالحة مبادئ ملكية مطلقة مع متطلبات الديموقراطية«. ويجيب الحسن الثاني: »ان فضاء الحرية في الحياة اليومية المغربية والتي بوسع أي كان اكتشافها في المغرب، هو في رأيي الجواب الأكثر واقعية عن سؤالك. وإذا كان صحيحا ان لدينا نموذجنا الخاص، وقيمنا الخاصة، لكن أبناء المغرب، كما تعلم، قد تبنوا دستورا يحدد بدقة دور ومكانة كل شخص. فرئيس الوزراء، من الآن فصاعدا، أنا الذي اسميه بالارتباط مع الأغلبية البرلمانية التي تصدر عن صناديق الاقتراع ويخضع برنامج حكومته للثقة في البرلمان. نحن بهذا الشكل، بصدد إنجاز وترسيخ ما تسمونه نظام الملكية الدستورية والبرلمانية...«. ولكن لماذا يريد ملك المغرب ترسيخ الملكية الدستورية البرلمانية بينما النظام القائم على ثنائية الملك/ أمير المؤمنين يمنحه سلطة مطلقة؟ خلال افتتاحه الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة (تشرين الأول 1995) أعلن الحسن الثاني خوفا من »حرب تجارية اقتصادية ستزلزل الأنظمة«، الأمر الذي سيدفعه الى »الطلب رسميا وكتابة من مدير البنك الدولي ان يقوم بتحليل وراديوغرافية نزيهة ودقيقة...« لمشكلتي التعليم وإصلاح الادارة مع »رسم استراتيجية اقتصادية ومالية وتجارية للسنوات المقبلة...«. يقول الملك في خطابه أمام البرلمان: »لقد قرأت هذه التقارير فوجدت فيها وضاحة موجعة وأرقاما في الحقيقة مؤلمة ومقارنات تجعل كل ذي ضمير لا ينام«. وعليه، يتابع الملك: »وبعد الأخذ والرد مع نفسي شخصيا توصلت الى اقتناع وهو ان مثل هذه المسؤولية لا يمكن ان تنحصر في رجل واحد، بل ولا يمكن أن تلقى على عاتق حكومة كيفما كانت...«. ديموقراطية الوقائع الانتخابية لم يأت الملك بحكومة »كيفما كانت«، فحكومة عبد الرحمن اليوسفي تحظى بمصداقية شعبية لا جدال حولها، ومع ذلك فالانتخابات التي استلزمت ضمانات نزاهتها »ميثاق« شرف بين أحزاب »الكتلة« ووزارة الداخلية، وبرغم الصناديق »الشفافة« التي استخدمت، لم تكن نزيهة بما يكفي لتحظى احزاب »الكتلة« بالاكثرية البرلمانية، الامر الذي سيرده وزير الصيد البحري التهامي الخياري (جبهة القوى الديموقراطية) الى ما اسماه »النقص في التنظيم عند هذه الاحزاب نفسها«، وسيوافقه على هذا الرأي وزير التربية اسماعيل العلوي (التقدم والاشتراكية الشيوعي سابقا). لكن هذه الآراء »المتسامحة« لا تنفي حصول »تجاوزات« لا توحي بكثير احترام لميثاق الشرف بين الطرفين. وهي التجاوزات التي تبدو فاقعة في تقرير »المنظمة المغربية لحقوق الانسان« حول الانتخابات الجماعية (13 حزيران 1997) كنموذج للمسلكية الرسمية حيث »اقتصرت المتابعات والمحاكمات بشكل شبه كلي، على قضايا تتعلق بخروقات ساخرة اثارت احتجاج المواطنين حيث تم اعتقال 19 شخصا في سيدي بطاش (اقليم بن سليمان) وصدرت في حق بعضهم احكام بسنتي سجن نافذتين لاحتجاجهم ضد الاستيلاء على صناديق الاقتراع واختطافها بأمر من القائد (القائممقام)، اما المسؤولون عن هذه الوقائع الاخيرة والذين يستحقون بمقتضى المادة 97 من القانون الانتخابي عقوبة سنة الى خمس سنوات سجنا، فإنهم لم يتعرضوا لاية متابعة...«. الديموقراطية والرافضون للمشروع الملكي في الحقيقة، تقرير »المنظمة المغربية لحقوق الانسان« يشير الى مخالفات سبقت العملية الانتخابية المباشرة، حيث ابدت المنظمة احتجاجها على »المتابعات التي تمت اثناء الحملة الانتخابية ضد العشرات من اعضاء ومسؤولي حزب معارض هو حزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي، اذ لوحق هؤلاء في نفس الوقت وفي مختلف المناطق استنادا الى المادة 90 من القانون الانتخابي، لكونهم وزعوا مناشير تدعو لمقاطعة الانتخابات طبقا للقرار المتخذ في حزبهم«. وبرغم ان هؤلاء لم يلجأوا كما يقول التقرير الى »ترويج اخبار زائفة او غير ذلك بهدف حمل الناخبين على عدم الادلاء بأصواتهم«، وبرغم انه قد »ثبت«، حسب تقرير المنظمة دائما، ان هؤلاء »عبروا بهدوء عن رأيهم من دون اثارة اي خلل بالنظام العام«. في الحقيقة، ليس »حزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي« وحده الذي يرفض مشروع الاصلاحات الملكية. ففي مناسبة استفتاء 13 ايلول على الدستور (1996) ستجد قوى المعارضة غير البرلمانية فرصتها لتجتمع في الدعوة الى مقاطعة الاستفتاء وبينها الى جانب حزب الطليعة حزب »النهج الديموقراطي« و»الديموقراطيون المستقلون«، بينما سيدعو »الاتحاد الوطني للقوات الشعبية« الى »الإمساك عن التصويت«. واذا كان البيان المشترك للطليعة والنهج الديموقراطي قد اعلن عن: 1 رفض النهج المخزني (السلطة الملكية) في وضع الدستور، ومصادرة السيادة الشعبية. 2 الدعوة الى مقاطعة استفتاء 13 ايلول 96 والمطالبة »بانتخاب« مجلس تأسيسي لوضع الدستور. برغم ذلك فإن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، دعا الى الامتناع عن التصويت في بيان اوضح فيه مضامين اعتراضه على الدستور المقترح وذلك بسبب »ان الدستور المعدل والمعروض على الاستفتاء، غير محكوم بقانون التغيير الا جزئيا، لان فيه اشياء اخرى تحمل آثارا من وقائع الستينيات وعقلية السبعينيات، ولا حظ لها مطلقا في القرن الحادي والعشرين«. ويعطي الاتحاد الوطني ثلاثة امثلة منها: أ انكار حق المواطنين في الاهتمام بالقضايا العامة وقصر هذا الحق على الاحزاب الممثلة في البرلمان فقط، والحال ان البرلمان مطعون دائما في نزاهة انتخاباته. ب تحديد مهمة الاحزاب السياسية بالمساهمة في تنظيم المواطنين وتمثيلهم، بينما المطلوب اعتماد الاحزاب والغرف المهنية والنقابات كمساهم اساسي في تشكيل ارادة الشعب السياسية. بين العقل »الديكارتي« والخصوصيات... ملاحظات »الاتحاد الوطني للقوات الشعبية« تعيد السؤال الى بداياته مع الجابري او مع الاعلامي الفرنسي: كيف تستقيم الملكية مع مستلزمات الديموقراطية؟ واذا كان لدى الحسن الثاني جواب حاضر حول »عدم قدرة العقل الديكارتي على الفهم« فهم روح »المبايعة« خصوصا ان »القانون الروماني قد الغى مبايعة الملك واعلان الولاء له واستبدلها بدفع الضرائب«، وبالتالي فالحسن الثاني لا ينسى درس والده الملك محمد الخامس وفيه ان »المغرب اسد تنبني سياسته بمرونة، ولا ينبغي ان يشعر ابدا بالقيد«. بغض النظر عن الاحتمالات المتعددة لتأويل الكلام الملكي، يبقى ان قانون »كل ما من شأنه« قد ألغى بفعل ديناميكية التغيير ودمقرطة الحياة السياسية. ويشرح محمد اليازغي معنى الغاء البند 35 من الدستور والذي كان يتيح للسلطة ان تعلن حالة الطواريء، وبالتالي حل البرلمان بذريعة »كل ما من شأنه ان يعكر الأمن والنظام«، مؤكدا مرة بعد مرة »ان الاشياء لا تتغير دفعة واحدة بين ليلة وضحاها، وليس المطلوب سياسة الارتجال وسلق الامور وانما علينا جميعا ان نفهم ان الذي يجري في المغرب هو فرصة حقيقية ينبغي التقاطها ولكن بعناية فائقة«. رجاء الضرورة اذاً، هل سيشق المغرب لنفسه طريقا نحو حداثة سياسية؟ يقول الجابري: »لقد رحب الجميع باليوسفي في الداخل والخارج، ليس فقط لما عرف به الرجل من خصال، لا داعي لتعدادها او وصفها، بل ايضا لانه هو الآن الشخص الذي يرى فيه الجميع انه المؤهل اكثر من غيره لتشخيص عملية الانتقال التي يطرحها السؤال الآنف الذكر. بعبارة اخرى: ان جميع من يفكرون في مستقبل المغرب بذاكرة وطنية، يجدون انفسهم مدفوعين الى التطلع الى مغرب القرن 21، وهو في حال تسمح للمحللين والمؤرخين بالقول بعد عقد او عقدين من السنين: انه المغرب الذي ارست دعائمه ارادة العقلاء المنزهة تصرفاتهم عن العبث«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة