كم من الجرائم ارتُكبت لمجرد أنّ مرتكبيها لم يتحمّلوا كونهم على خطأ (ألبير كامو) نُقل عن العميد في قوى الامن الداخلي، الياس داود، قوله (في محاضرة عن الجريمة المنظّمة عبر الحدود) إن أصل كلمة »مافيا« يعود إلى »اللغة المحكية الصقلية وتعني »ابنتي«، وسبب إطلاقها على المافيات ان فتاة جميلة كانت في العام 1282 متجهة مع والدتها الى الكنيسة، فتعرّضت لهجوم من احدى العصابات، فشرعت الوالدة تصرخ "Mafia, Mafiaس، والتصقت الكلمة بأعمال العصابات الصقلية المنظمة« (»الحياة«، 4/4/98؛ والجملة المستَشْهد بها هي صياغة الصحيفة للأصل). جمعيات هرمية تُعرّف موسوعة البريتانكا، ومراجع عديدة اخرى، المافيا الأصلية بأنها جمعية هرمية لمجرمين هم في الأكثر من مواليد إيطاليا أو صقليّة او متحدّرون من أصل إيطالي أو صقلّي. برزت في القرن الثالث عشر للميلاد وعاشت قوية مئات السنين، يغذيها نفور أهل جزيرة صقلية من القوى الامنية التي تعاقبت على الحكم، وكانت في احيان كثيرة استبدادية تعسفية. وكان الفقراء، الذين يشكلون الغالبية العظمى في الجزيرة، يرون الحكومات المتتالية الفاسدة عدوا لهم؛ في حين دأب زعماء المافيا على إشراك الفقراء في ما كانت المنظمة تسرقه من الأثرياء والغرباء. وطبقت المافيا نظاما متميزا يعتمد »العدالة الخاصة«؛ ويلتزم مبادئ الصمت (Omerta) أي عدم إفشاء الأسرار، ولو أدى ذلك الى التعذيب والموت؛ ومساعدة عائلات الأعضاء. بعد انهيار الملكية (عائلة البوربون) في صقلية، نجحت الحكومة الايطالية بدرجات مختلفة في تخليص الجزيرة من القبضة الحديدية للمافيا؛ لكنها اكتشفت ان تلك العصابة متجذرة في التركيبة الاجتماعية بحيث يستحيل القضاء عليها كليا ونهائيا. وفي مطلع العشرينات، بدا ان الديكتاتور الايطالي موسوليني على وشك اقتلاع المافيا من جذورها و»تطهير« صقلية من أمراضها وآثامها؛ لكنها أثبتت بعد انهزامه في الحرب العالمية الثانية (ومقتله في العام 1943) انها ما زالت موجودة. وعلى الرغم مما تبذله الحكومة الايطالية في العقد الاخير من جهود جبارة للقضاء على الجريمة المنظمة في صقلية، فإن ثمة أدلّة عديدة على فشل هذه الجهود والمحاولات ليس أقلها اغتيال العديد من القضاة المكلفين محاكمة زعماء المافيا، واعتذار قضاة آخرين عن تولي مثل هذه المهام الخطرة. ويشكك العديد من الكُتّاب والمحللين في صحة الادعاء القائل إن الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة تأسست على أيدي أعضاء المافيا الصقلية الذين هاجروا الى اميركا. وتقول موسوعة البريتانكا، التي ابتاعها الاميركيون من البريطانيين في الربع الأول من هذا القرن، إن العديد من اعضاء المافيا هاجروا الى اميركا، وإن العديد من عُتاة المجرمين كانوا صقليين؛ لكن ثمة مجموعات عرقية عديدة اخرى موجودة في مؤسسة الجريمة المنظمة، وأن »نِسَب اليهود والايرلنديين فيها كبيرة جداً« (طبعة عام 1985). بالنسبة الى صقلية نفسها، يُظهر التاريخ ان الفينيقيين استعمروا تلك الجزيرة، التي تبلغ مساحتها نحو 26 ألف كيلومتر مربع، وأسسوا فيها مدنا تجارية. وفي النصف الثاني للقرن السابع، بدأت صقلية تتعرض لهجمات عربية من افريقيا؛ لكنها لم تسقط في أيدي العرب الا في القرن التاسع (احتلوا العاصمة َاليرمو في 831 م، لكن سيراكيوز صدت المهاجمين حتى العام 878 م). وفي اواخر القرن الحادي عشر (1091)، احتل النورمانيون صقلية بعد حرب استمرت ثلاثين عاماً. أي أصل عربي يذكر قاموس »ميريام وبسترز كوليجييت«، في طبعته العاشرة (1994)، ان كلمة Mafia، التي دخلت الانكليزية في 1875 وتُستهَلّ بالحرف الكبير، تعني: أ) جمعية اجرامية سرية، صقلية او ايطالية؛ ب) منظمة اجرامية قائمة على نحو مشابه في الولايات المتحدة وايضا اي منظمة مماثلة في اماكن اخرى، مثل المافيا اليابانية؛ ج) منظمة اجرامية مرتبطة بتجارة محرّمة معينة، مثل مافيا الكوكايين. ويضيف هذا المعجم ان معنى كلمة »مافيا«، عندما يكون حرفها الأول عاديا، هو »جماعة من الناس يُشبّهون بالمافيا؛ وبخاصة جماعة من الناس لهم مصالح/ اهتمامات او خلفيات متشابهة، بارزة في مجال او مشروع معيّن. وأقرب كلمة اليها في هذا المعنى، هي تلك التي يستعملها الكثيرون منا في الأحاديث العادية: Clique، أي عُصبة، أو زمرة، او مجموعة تقتصر على عدد معين من الأفراد المنقطعين عن غيرهم الى حد كبير. وأضيف ان مثل هذه الجماعات او الفئات المتلاحمة على نحو وثيق مُحكَم ليست بالضرورة ذات نيات شريرة او اجرامية. يذكر قاموس »وبسترز« الدولي الجديد الثالث، غير المختصَر، ان كلمة Mafia (ترد احيانا مكررة الحرف الأوسط: Maffia) هي إحدى مفردات اللغة الايطالية المحكية في صقلية، أصلها الكلمة العربية... Mahaya(h)، التي يقول انها تعني: BOASTING، أي تفاخُر، أو تباهٍ، أو تبجّح. وفي »قاموس موريس (Morris) لأصول الكلمات والعبارات«، ينقل الزوجان المعجميان وليم وماري موريس هذه المعلومة؛ ثم يضيفان ان معنى MAHAYAH صار مع وصولها الى صقلية: BOLDNESS جسارة، او جرأة، أو إقدام، أو حتى وقاحة: وLAWLESSNESS الخروج/ التمرد على القانون أو استباحته. واشار المؤلفان الى ان كُثُراً من قرّاء زاويتهما الصحافية في هذا المجال وجدوا ان »مافيا« مكوّنة من الأحرف الأولى لكلمات خمس: MORTE ALLA FRANCIA ITALIA ANELA، وهي في ترجمتي لترجمة المؤلفَين: »الموت للفرنسيين صيحةُ إيطاليا«! ويعلّق وليم ماري موريس، في ختام الجزء المتعلق بكلمة مافيا، على هذه »القصة« بالقول: إنها طريفة وذكية، لكننا ندعم القصة الحقيقية« (أي الأصل العربي). ينقل الكاتبان الكنديان، حبيب سلّوم (أصل سوري) وجايمس َيترز (أصل سوري ولبناني)، في كتابهما الممتع »الاسهامات العربية في مفردات الانكليزية« (مكتبة لبنان، 1996)، ما أورده قاموس وبسترز الكبير عن الأصل العربي لكلمة مافيا، الى جانب ما اطّلعا عليه في مصادر أخرى من تكهنات وأقاويل؛ بينها مثالا لا حصراً أن منظمة سرية نشأت في القرن التاسع للقيام بأعمال حربية ضد الغزاة العرب؛ وان الاسم الذي أُعطي لها في وقت لاحق لأسباب »ما زالت غامضة«، هو في الأصل كلمة عربية معناها: »إحمنا من الموت في الليل« (!). ويقول المنقّبان في المعاجم والكتب إن »ثمة قصة أكثر جاذبية، لكنها أضعف احتمالاً«، وهي ان الاسم مشتق من صيحة حرب أطلقها صقلّيّ وهو يهاجم فرنسياً اغتصب خطيبة الصقلّي وقتلها: MORTE ALLA FRANCIA، الموت لفرنسا! وبعد أن أضاف صقليون آخرون كلمتي ITALIA ANELA (إيطاليا تتوق الى...)، صارت الأحرف الأولى للكلمات الخمس كما ورد سابقا MAFIA. وفي ترجمة أخرى لهذه الكلمات/ الصيحة: »الموت لفرنسا؛ هذا ما تتوق اليه ايطاليا«. ويرى سلوم وَيترز، اللذان يقولان إن في الانكليزية أكثر من ستة آلاف وخمسمئة كلمة اساسية ومشتقاتها ذات أصل عربي (وإن العربية هي السابعة بين اللغات التي ساهمت في إثراء المفردات الانكليزية)، أن أصل كلمة مافيا ربما يكون »معافى« (EXCUSED, EXEMPTED) هذا خطأ، والصحيح هو: مُعفىً، أو معفىً من أو »ماهية« بمعنى المرتّب الشهري. أذكر هنا ولا أدري إن كان هناك أي رابط لغوي أن ثمة جزيرة في المحيط الهندي، مقابل الساحل الشرقي لتنزانيا، وعلى بُعد 130 كيلومتراً الى الجنوب من زنجبار إسمها... جزيرة مافيا! ما هي... MAHAYAH؟ لم أتوصل حتى الآن وهذا تقصير مني الى معرفة »ماهيّة« هذه الكلمة الواردة في العديد من المراجع المكتوبة بالانكليزية (الماهيّة، بالمناسبة، كلمة منسوبة الى »ماه«، ومعناها بالفارسية »شهر«. من هنا، أن الماهية ومعناها الأصلي كنه الشيء وحقيقته صارت تعني »المرتب الشهري«). لكن بعض الكلمات لفت انتباهي كمصدر محتمل، مع تحوير من هنا وهناك، لكلمة MAHAYAH مع الأخذ في الاعتبار ان حرف (H) الأول قد يرمز الى حروف »هاء«، أو »حاء«، أو »خاء«. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ماح في مشيته مَيْحاً (هل قُلبت إلى »مَحْيا«؟) وميوحة: مال وتبختر. وتمحمح الرجل: تبجّح. ومَحَاه، يمحيه محياً: أذهَبَ أثره. ومخّى الرجلَ عن الأمر، مَخْياً، أقصاهُ عنه وأبعده. ثمّ... مَهَى الشفرة مهياً: رقّقها؛ وأمهى النصل على السنان: أحدّه ورقّقه: وأمهَيْتَ يا فلان مَهْياً: بالغْتَ في الثناء واستَقْصَيْت! يقول سقراط: ثمة خير واحد فقط هو المعرفة، وشرّ واحد فقط هو الجهل! غسان غصن