لا مراء في ان المعرفة قد غدت مصدر القوة واداة الفاعلية في هذا العصر، عصر المعلومة والعولمة. ولا مراء ايضا ان الجامعات هي مصانع المعرفة، اذ فيها تنشأ العلوم وتنتظم، وفيها تتطور وتتوسع. انها مؤسسات لاقتصاد المعرفة، بقدر ما تهتم بالثروات المعرفية، اي بكل ما يتصل بقيم المعرفة ومصادرها، ومجالات استثمارها، وآليات انتاجها وتوزيعها او تداولها. وفي الواقع تتنوع الطرق التي يمكن العمل من خلالها على تنمية الثروة المعرفية، سواء من حيث الحقول والميادين، او من حيث الادوات والمناهج، او من حيث عمليات الصرف والتحويل. فهناك التبادل والتداخل، وهناك التطور والتوسع على سبيل الانقسام والتوالد، وهناك التزايد والتعاظم على سبيل الاندماج والتراكب. فالعلوم تتساند وتتبادل الخبرات والادوات، بمعنى ان الواحد منها قد يستخدم الآخر، او يتأسس عليه، او يتغذى منه باستعارة مصطلحاته ومناهجه او نماذجه في الشرح والتفسير. والامثلة على ذلك كثيرة: فلو رجعنا الى الفضاء اليوناني، حيث انتظمت العلوم وفروع المعرفة لاول مرة، والى افلاطون بالتحديد، نجد ان مؤسس الاكاديمية، قد اعتبر ان الرياضيات هي شرط ممهد للفلسفة. اما ارسطو فقد سمى علم المنطق ب»الآلة«، لانه وُضع في خدمة جميع العلوم. ولو عدنا الى الفضاء العربي والاسلامي، خلال مراحل الازدهار الفكري والانتاج المعرفي، نجد اولا ان جميع العلوم كانت تستخدم كآلتين لها علوم اللغة والمنطق، ونجد ثانيا ان العلوم كانت تنْبني بعضها على بعض، كاستناد علم الضوء على علم الهندسة، او علم الفقه الذي يهتم بالعمليات والمعاملات على علم الكلام الذي يهتم بالنظريات والاعتقادات، كما نجد من جهة ثالثة عمليات استعارة بين علم وآخر، كاستفادة علم التاريخ لمصطلح »الجرح والتعديل«، من علم الحديث، على ما نجد ذلك لدى ابن خلدون. والامثلة على التعاضد والتداخل بين العلوم لا تحصى في العصر الحديث: فلو اخذنا الفيزياء وعلم الاحياء، نجد ان كل واحد من هذين العلمين، قدّم مثالا للآخر، كما تجلى ذلك بنوع خاص، في المقارنة بين الآلة والكائن الحي. فقد وصفت الآلة بمفردات التشريح والفيزيولوجيا، وجرى التعامل معها، كما لو انها جهاز يتألف من اعضاء. وفي المقابل وصف الكائن الحي بتعابير الآلة، وجرى تمثل الاعضاء والجزئيات كما لو انها شبكات اتصال تتبادل فيما بينها الرسائل والاشارات. هذا التأثير المتبادل بين العلوم، لا يقتصر فقط على علوم الطبيعة، وانما يجري ايضا بينها وبين علوم الانسان. فعلم الاجتماع استعار نماذج تفسيرية من الفيزياء وعلم الاحياء، بمعنى انه استخدم لشرح الوقائع الاجتماعية المثال الآلي، كما استخدم بشكل خاص النموذج العضوي، على ما فعل فلاسفة الاجتماع، خصوصا الفارابي الذي شبّه المدينة بالبدن، متخذا من الرابطة العضوية النموذج الامثل لتصور الفضاء الاجتماعي. بالطبع لم يعد المجتمع يوصف اليوم بتعابير الآلة المعقدة او الجهاز العضوي، بل يوصف بتعابير اخرى، كالمسرح، واللعبة، والساحة، والرهان، والاستراتيجية، والنص، وهي مصطلحات استقاها علماء الاجتماع اما من العلوم الاخرى، او من لغة الحياة نفسها. وثمة من يقول اليوم بأن المجتمع هو مصرف رمزي، كما نجد، بشكل خاص، لدى بيار بورديو الذي يهتم، عبر ما يسمىه اقتصاد الخيرات الرمزية، بالكشف عما تحجبه الممارسات الاجتماعية، من العمليات والمنافع الاقتصادية، تحت غطاءات رمزية من الاعتقادات والقيم والعادات. وهكذا تتنوع المقاربات في الفرع المعرفي الواحد، باختلاف المداخل والمنظورات، وبصورة تؤدي الى اعادة بناء موضوع الدرس، بتشكيل مساحات جديدة، او باستخدام ادوات اكثر فاعلية في السبر والتحليل. ولعل علم اللغة يقدم مثالا على ما يشهده نمو المعرفة من عمليات التوالد والتبادل. فقد عرف هذا العلم تطورا هائلا في العصر الحديث، تجلى في عدد من الطفرات المعرفية، ولدت معها فروع لغوية جديدة، من اهمها الالسنية والنحو التوليدي. فالالسنية بقدر ما اعتبرت بمثابة افتتاح علمي للدرس اللغوي، قد شكلت فاتحة عهد جديد في الدرس والتحليل، بالنسبة الى فروع معرفية اخرى كالفلسفة والاناسة والتحليل النفسي والنقد الادبي، وهي فروع حذت حذو الالسنية، فاستعارت بعض نماذجها النظرية وافادت من عدتها المفهومية، كما تجلى ذلك في شيوع مصطلحات باتت مألوفة في خطابات أهل المعرفة، مثل بنية، نسق، دال، علامة، تعاقب، تزامن... وفي المقابل إن الالسنية قد افادت الفروع الاخرى بقدر ما استفادت منها: فالنحو التوليدي قد ولد من رحم النحو التقليدي، باستفادة مصطلح التوليد الذي هو في اساسه اجراء حسابي رياضي، استخدم منذ زمن الاغريق كمبدأ للتفسير، الا انه تحوّل مع تشومسكي الى نظرية لغوية سميت باسم النظرية التوليدية او التحويلية. الامر الذي يعني ان المصطلح الذي تجري استعارته، من حقل الى آخر، لا يصبح منتجا، معرفيا، إلا بعد الاشتغال عليه وتحويله، وبما يؤدي الى اعادة انتاجه، في الحقل الجديد، بصورة جديدة ومبتكرة. وهكذا فإن العلوم، في سيرورة تطورها وانماط تبادلها المعلومات، قد تنشأ بتفرعها عن بعضها البعض، او بدمج بعضها ببعض. فالعلم عندما ينمو ويتسع مجاله قد ينقسم على نفسه، بحيث تشتق منه علوم اخرى، كما هو شأن علم الاجتماع الذي تفرعت منه فروع معرفية عدة، باتت تندرج تحت اسم العلوم الاجتماعية، كالاناسة وعلم الشعوب. وقد يرتدّ العلم على نفسه عندما يبلغ ازمته المعرفية، لكي يبحث عن مسوغاته النظرية، او لكي ينظر في اشكالاته، ويجد مخارج لمآزقه، ولعله على هذا النحو نشأت فروع معرفية، مثل علم المناهج او علم اصول العلم (الابستمولوجيا). وقد يكون هذا شأن فرع مثل اجتماعيات المعرفة: فعلم الاجتماع الذي يهتم بانتاج معرفة حول المجتمع، بعد ان فقدت نماذجه التفسيرية التقليدية مصداقيتها النظرية، اصبح هو نفسه موضوعا للنظر والفحص، من قبل أهله، بما يشبه معرفة المعرفة، بل ان هذا العلم قد ارتد على نفسه، بحركة معاكسة، لكي ينظر في الشروط الاجتماعية لانتاج المعرفة بالمجتمع. ويقدم بيار بورديو مثالا على ذلك في الدرس الافتتاحي الذي ألقاه في الكوليج دي فرانس بعنوان: درس حول الدرس. وقد يسعى العلم للخروج من مأزقه المعرفي، بدمج علمين او اكثر، كما تجلى ذلك في الكيمياء الحيوية التي اخضعت علم الحياة للدرس الكيميائي والتحليل الاختباري، او كما تجلى ذلك، بنوع خاص، في علم الحياة الجزيئي الذي نشأ من انصهار جملة علوم كالفيزياء والفيزيولوجيا وعلم الوراثة، فضلا عن الكيمياء الحيوية نفسها. وقد اسفر مثل هذا الدمج عن استخراج امكانات جديدة ومضاعفة في دراسة الكائنات الحية: تعايش علماء، يختلفون في الاعداد ومجالات الاختصاص، في مركز واحد، للاشتغال على نفس المادة او على نفس موضوعة التحليل، الامر الذي يتيح مقاربة الظاهرة، بأدوات مختلفة، او منظورات متعددة. واليوم يزداد التبادل والتداخل بين ميادين العلم، الى حد اصبح من غير الممكن، بل من غير المجدي، معرفيا، التعامل مع هذه الميادين بوصفها منعزلة بعضها عن بعض في دوائر اختصاصها او داخل حدودها الاقليمية. هذا ما يحصل في علوم الانسان، حيث الظواهر لم تعد تدرس دراسة وحيدة الجانب، بل يجري تناولها بمنهجية مركبة ذات اختصاصات متعددة. ولعل هذا ما يفسر تكاثر فروع المعرفة الناشئة من اندماج الاختصاصات، مثل علم النفس الاجتماعي، او علم الاجتماع البيولوجي، او علم الاقتصاد الرمزي. وبالوسع ان نتحدث عن نوع من »الفروع البينية« تتوسط اكثر من فرع معرفي، وبصورة يتغير معها اقتصاد المعرفة، بقدر ما تزداد القدرات المعرفية. ويقدم علم النص او نقد النص، وهو فرع يهتم بدرس الخطابات وتفكيكها، مثالا على فرع معرفي يتقاطع، من حيث ادواته المفهومية مع اللغة والسيمياء والفلسفة والنقد الادبي. على انه ايا كانت طرق نشوء العلم واشكال تطوره او منطق تبادلاته، فالعامل في ميدان من ميادين العلم، او في فرع من فروع المعرفة، انما ينحت مصطلحاته ويبني نماذجه، او يستعيرها ويعيد ابتكارها، اما لكشف المناطق المستبعدة من نطاق التفكير او المستعصية على التحليل، واما لتغطية المجالات والانشطة التي يسفر عنها التطور الحضاري والتحول التاريخي. وتقدم اعمال ميشال فوكو مثالا بارزا على الاشتغال في المناطق المستبعدة، اذ هو دخل الى مناطق كان يرذلها العقل الفلسفي من قبل كالعيادة والجنون والسجن والممارسات الجنسية. فكانت ثمرة تحليلاته تجديدا في ادوات الفهم وفي حقول التفكير ومناهجه، كما تجلى ذلك في مصطلح »النظام المعرفي« الذي ابتكره فوكو في قراءته لتاريخ الافكار، او في مصطلح »الحفريات« الذي استعاره من علم الآثار، فأعاد ابتكاره بالاشتغال عليه وتحويله الى حقل جديد من اخصب حقول المعرفة. بالنسبة الى تغطية المجالات الجديدة، معرفيا، ينتصب امامنا مجال المعلومات الذي يهيمن الآن على سائر مجالات الحياة. هذا المجال قد شكل، وما زال، حقلا واسعا لتوالد فروع المعرفة، بدءا من الالكترونيات، حتى التداوليات، مرورا على الاقل بالمعلوماتيات، وهي ثلاثة فروع معرفية تتداخل وتتضافر، لكي تغطي وقائع الحياة المعاصرة وتسهم في تغيير الواقع عبر تغيير العلاقة بالفكر والمعرفة. ذلك أن مجالات المعرفة ليست مجرد مرايا للحقيقة، وانما هي ادوات يتحول بها العالم، بقدر ما تغدو هي من وقائعه ومعطياته. ولا يمكن ان نتناسى في هذا الصدد، المجال الرياضي الذي يفرض نفسه على الحياة المعاصرة، عبر كرة القدم التي تستحوذ على اهتمام الناس. والرياضة قدمت اصلا لرجالات السياسة وعلماء الاجتماع ادوات مهمة لفهم الممارسات وشرح الظاهرات، مثل اللعبة، والميدان، والرهان. واليوم تتحول الرياضة من كونها مجرد موهبة او هواية، لكي تغدو صناعة للعقول والاجساد مرتبطة بأسواق المال قدر ارتباطها بوسائط الاعلام والإشهار. ولذا فإن انفتاح الكتاب والباحثين على المجال الرياضي، يقدم لهم فرصا معرفية، بقدر ما يفتح امامهم امكانات جديدة لانتاج معرفة بالمجتمع المعاصر. غاية القول ان الثروة المعرفية يمكن ان تنمو وتتسع، بتطوير المجالات القديمة، او بدمج مجالين معرفيين، او بانشطار علم الى علمين، او باستثمار رؤوس اموال معرفية في مجالات جديدة. للانتاج. فالمعرفة هي استثمار وانتاج وثروة. انها صناعة كما كانت تقول العرب عن النحو والفقه والطب والفلسفة. ولعل مثل هذا التوصيف للمعرفة يدخلنا في ما يسميه البعض »اقتصاد المعرفة«، وما اوثر تسميته »اقتصاديات المعرفة«. انه تعامل جديد ومغاير مع المعرفة، من اجل انتاج الثروة والقوة. هذا التعامل يعني انقلابا في المفاهيم المتعلقة بالفكر والمعرفة: بالفكر اولا، بمعنى التوقف عن التعامل مع الافكار كأصنام عقلية او كحقائق جوهرية ذات قدرات تمثيلية، للتعامل معها كقوى ذهنية وطاقات حيوية لها مفاعيلها المفهومية وامكاناتها التداولية، اي بوصفها عملات رمزية قابلة للصرف والتحويل، في ميادين العمل وحقول الممارسة. وبالمعرفة ثانيا، بمعنى التوقف عن التعامل مع المعرفة بوصفها مجرد مبدأ نظري او تمرين علمي او شعار ايديولوجي، للتعامل معها كثروات وموارد، اي من حيث طرق انتاجها واكتسابها، او من حيث مجالات استغلالها واستثمارها، او من حيث وسائل تخزينها وتوزيعها... بذلك يتغير اقتصاد المعرفة بفتح ميادين العلم على عالم الاقتصاد وقطاعات الانتاج، كما تتغير السياسة الفكرية، بفتح عالم الفكر على الممارسات السياسية والاستراتيجية العملانية. وإذا كان الاقتصاد يشهد ثورة لا سابق لها، جعلت المعرفة هي المفتاح الرئيسي لانتاج الثروة، فإن الاقتصاد يشكل بدوره بابا من ابواب المعرفة، بمعنى ان الانفتاح على المجال الاقتصادي يتيح، عبر تبادل المعلومات حول وسائل التنمية وميادين الابتكار، توليد مزيد من المعرفة، او فتح آفاق مسدودة امام العمل المعرفي. وانه لمن المفارقات، في هذا الخصوص، ان اهل المعرفة والثقافة، الذين هم في النهاية كائنات اقتصادية، انما يزدرون النشاط الاقتصادي ويحملون على منطق السوق وعقلية الاستثمار، منغلقين بذلك على عقولهم ضد المستجدات من التقنيات والافكار. في حين ان أهل الاقتصاد وسواهم من القطاعات المجتمعية الفاعلة، يأخذون بالجديد من الافكار، ويفيدون من كل انجاز يتحقق في مجال المعلومة والمعرفة. وهذا وجه من وجوه مأزق المعرفة، كما يتجلى بنوع خاص في الجامعات العربية، وهو مأزق يمكن الخروج منه، بانفتاح الذين يحملون مسؤولية انتاج المعرفة، على ما يستبعدونه بالذات، اي على التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، الحاصلة في قوى الانتاج وطرق العمل او في منطق التبادل ومنظومات التواصل. في اي حال، ان الجامعات التي هي مصانع المعرفة، لم تعد تُدار في عصر الحاسوب والرابوت، بعقلية المجتمع الصناعي والاقتصاد الميكانيكي. ومن باب اولى ان لا تدار الجامعة اليوم بعقلية المجتمع الزراعي والبطريركي، كما يجري عندنا، حيث تدار الجامعة بعقلية الطائفة او الحزب والادلوجة، في عصر الآلات الذكية والشركات العملاقة، وحيث يكاد اهلها يهتمون بكل شيء الا بالمهمة المعرفية. لا بد من ثورة معرفية، اذا أُريد للمعرفة ان تكون مصدرا للثروة والقوة، او وسيلة لتحقيق الازدهار وتأكيد الحضور.