تجد المتعة ذاتها على امتداد صفحات رواية »السوق الداخلي«* للكاتب المغربي محمد شكري، حيث ان خيط التمييز بين البداية والوسط والنهاية لا يغير شيئا من معادلة البدء في قراءة الرواية، فأنّى بدأت تجد في السياق المتين ما يأخذك الى القول المفيد والممتع والشيق، وأنى تبدأ تجد ان المتين متراص وسلس وهذا ما برز في قراءتنا لكتاب المغربي السابق والجميل »الخبز الحافي« وهذا ما يبرز ويتأكد في السوق الداخلي. فالاخير دفق من اللعب المرن الذي يصب في الذائقة من المشهد الاول مصورا حشدا من الناس ينتظرون مرور موكب رسمي، وبينما الناس محتشدون على جانبي الطريق يرتفع من خضم الحشد شاب وشابة يمارسان الجنس، الى جانبهما امرأة عجوز مرتمية في الشارع، وترفض الصعود الى سيارة الاسعاف. انها الحياة في أوج تناقضها. يدخلها الراوي بتصعيد مشهدي متوتر ويحميها بمشهد جانبي لشاب يرمي كلبا بفردة حذاء لأنه عض المرأة العجوز. فتصرخ امرأة اجنبية كانت في الحشد »كفى! لماذا تضربه هكذا؟ ماذا فعل لك هذا الحيوان المسكين؟«(9) وكان جواب الشاب هزءا وسخرية بمثابة تأكيد للتناقض وتأجيجه. والجواب ليس جوابا على كل حال. لان الراوي لا يقحم جوابا لسؤال التناقض المتشعب كما لا يسعى اليه، فالراوي في السياق ما هو سوى مصور ومن عادة المصور وواجبه ان لا يقدم أجوبة انما التقاط الصور التي تعكس الزمن في حركيته وما تعنيه في اللحظة الملتقطة وفي الصور أبعاد وخلفيات ورؤى أبقاها شكري في توترها مستفيدا من حدة التناقض في جانب أساسي، ومن هشاشته في جانب ثانوي. وهو نوع من التصوير الوجودي المهموم بالفرد والجماعة في آن واحد كما هو مهموم بالزمن والمكان معا، فالراوي المصور، في السوق الداخلي. طنجة العنوان هنا ذو دلالات بعيدة وعميقة لجهة تصويره في مدينة مما تعنيه من أبعاد في الرواية مدينة (طنجة) الغنية بالصور والمشاهد التي منها صورة الشاب والشابة يمارسان الجنس غير مباليين بالحشد كما ان المدينة غير مبالية بهما. وهذه هي حال اللامبالاة مع العجوز وتجاهها، مثلما هي حال الشاب مع المرأة الاجنبية المعترضة على رمي الكلب بفردة الحذاء، متضامنة مع حقوق الحيوان. فبينما لا يبالي احد بممارسة الجنس تصرخ الاجنبية معترضة على امتهان حقوق كلب. وبينما هي تعترض، يسخر الشاب ويهزأ باعتراضاتها، ومن حوله لا يبالي احد، انما على العكس هناك شاب آخر أخذ وسط الحشد يعري فتاة اخرى واقفة الى جانب أمها وكانت الفتاة راضية ومتواطئة مع فعلة معريها الى ان اكتشفت أمها اللعبة، فهددته بالشرطة، ولم يأخذ تهديدها مأخذ الجد. ما يحيلنا الى نص لا جد فيه، نص لا مبال، نص وجودي، رغبات الفرد هي الاساس وكل هذا يحصل بسرعة، بسرعة الزمن وثبات المكان، فالزمن والمكان مسخران الى حرية وجودية شبه كاملة تبدو السرعة مسخرة من خلال البحث، بحث جميع شخصيات الرواية عن الحرية الشخصية ممثلة بنزواتهم ورغباتهم وشهواتهم وتحديدا الجنسية التي يجردها شكري تجريدا بارعا لقول حقيقة الفرد والجماعة وتعريتها تعرية أخلاقية واجتماعية وثقافية ونفسية ضاربا في العمق والجوهر لإبراز صورة الحرية المطلقة وإعلانها وإشهارها، فالحرية المطلقة هي المثل الاعلى للفرد والجماعة وهي أيضا المثل النهائي لهما. والراوي (علي) نموذج مثالي لهذه الحرية المطلقة. و(علي) النموذج بدأ بالتخلص من ضغط اليومي المعيش كأستاذ في مدرسة بالحصول على إجازة عمل أطلق خلالها العنان لتصوراته عن الحرية قولا وفعلا، وبعد ان يعيش بعضا من تصوراته يقرر وهو لا يزال في عطلته ان يبعث برسالة استقالة من الوظيفة الى الادارة. فهذا النموذج (علي) يمضي في إجازته مقررا استغلالها لممارسة حريته الكاملة التسكع والجنس (عالم الحرية الكامل غير المقيد بعمل او بمسؤولية ما) وهذا المضي يعني المضي في الزمن، مع اي امرأة توافقه، دون اعتبار للمكان او للنوع او للمعرفة المسبقة او للاعجاب او للحب. وهذا بدوره يعني التفلت من المفاهيم المسبقة والقيم الاخلاقية او غيرها. وها هو يمارس أهواءه في التلذذ بمفاتن الفتيات ووصف ما يروق له فيهن من مفاتن (ها فخذاي جميلتان. مؤخرتي ممتلئة. سروالي القصير الشفاف، ابيض او وردي، يكشف عن أسفلي الحليق او غير الحليق، نهداي دون رافعتين هيني او ميكرو من جميع جهات الجسم)(ص12). وها هو ايضا يراقص مخنثا وكاد ان يضاجعه. وها هو نزيل مطبخ احد الفنادق المكتظة يمارس الجنس مع فتاة بحضور صديقتها ولا مانع لديه ان يمارس الجنس معهما. وترتفع وتيرة الحرية بلقاء علي مع مجموعة من السياح الهيبيين حيث تنفتح ابواب الحرية على مصاريعها وحيث يعيش كل فرد حريته كما يشاء وحيث تعيش الجماعة حريتها دون ضوابط او روادع وها هو علي يدخل في علاقات جنسية مع عائلة بكاملها وها هو يوافق على المتاجرة بالمخدرات لإنجاز صفقة العمر بالحصول على المال، لأنه به يؤمن حياة كريمة. وأثناء كل هذا نقرأ في حيثيات السياق ما يُبيّن لا جدوى حياة علي قبل دخوله في تجربة الحرية الكاملة مستفيدا من تجارب الآخرين في الحياة الماضية »الحب لعبة خاسرة. لم تعد تسليني. كل أصدقائي الذين أحبوا وتزوجوا عاشوا في النحس لقد رأيتهم يبكون مثل أطفالهم في الحانات بعد ان طلقوا. انهم يتقيأون المرار في الصباح« (ص89). وهنا ندخل مستنفرين الى عمق تجريد الحقيقة، اي تجريد الواقع من قيمه، لأننا نواجه هدما لقيم مارسناها وألفناها وهنا ايضا فاعلية السوق الداخلي وجرأتها التي تلتقط صورا استثنائية وتقدمها إلينا بنت زمانها »ان حكاية قتل رجل من اجل امرأة لم تنته بعد من هذا العالم الذي خلفته مأساة العروج التي لا تنتهي«(ص117). المحرم وتبقى فاعلية الرواية في تعاملها مع المحرم على خلفية الحرية الفردية المعاشة بالتجربة، التي من المهم اكتشافها بشرها وبخيرها. فالحرية وحدها هي الكاشفة عن قناع الوجود، وليس مهما ان نسأل كيف وأين ولماذا ولمن نعيش هذه التجربة، وعلي الراوي في السوق الداخلي انتهى في حلم، بعد ان أصيب إصابة خطيرة اثناء عملية تهريب المخدرات فدخل الى المستشفى ليعود بنا في حالة هذيان، ليعود الى الصفاء والنقاء والطفولة والحقيقة (وجوده مع أمه في حمام النساء) وهو بمثابة وجود لتأكيد عري العالم وحريته. وانه، اي العالم، مهما حصل وحدث سيحصل وسيحدث نحو الافضل. ومع فسحة الأمل في النهاية يبقى محمد شكري مشغوفا بالزمن وقلقا به »مفكرة الزمن غامضة في ذهني إحساسي به أقوى من فهمي له« (ص35). وهو بقلقه محق لأن الزمن ينخر بنا كما ينخر السوس بالخشب وبين الزمن والحرية سوسة الانسان التي تنخر في الزمن مثلما تنخر سوسة الزمن فيه، انه نخر متبادل يتفلت احدهما من الآخر. انها سوسة الحرية التي صورها محمد شكري في السوق الداخلي بلغة نشيطة وفائرة ولعوب. علي سرور