منذ أن غابت آخر الوجوه الكبيرة من جيل »البيت« الأدبي في العام الماضي (رحل ألن غينسبرغ في شهر آذار في العام 1997، ووليم بوروز في شهر آب من السنة عينها) أصبح لورنس فيرلنغيتي، الشاعر والناشر وبائع الكتب، آخر شهود هذه الحركة السياسية والثقافية التي انتشرت في الولايات المتحدة، خلال الخمسينيات، والتي تعرف اليوم اهتماما جديدا ومتزايدا. فمن بين جميع شعراء هذه الحركة وكتابها، يبقى فيرلنغيتي الأقل شهرة بينهم على الرغم من أنه أكثر الشعراء الذين قرأت أعمالهم، إذ مع هذا التناقض الظاهر، نجد أن كتابه اA Coney Island of My Mindب قد باع أكثر مما باعته قصيدة ألن غينسبرغ الشهيرة »عواء«، وهي القصيدة التي أصدرتها دار نشر »سيتي لايتس« التي أسسها فيرلنغيتي نفسه، والتي دافع عنها في المحكمة بنجاح، بعد أن وجدت انها قصيدة فاحشة.. فمكتبة »سيتي لايتس« وواجهتها الثابتة المطلة على »جادة كولومبس« في حي »نورث بيتش«، تبقى أحد المراجع الرئيسية السياحية في »سان فرانسيسكو«، كما انها محراب وأسطورة أدبيان. انها أيضا مركز دار النشر التي أسسها فيرلنغيتي في العام 1955، إذ نجد في فهرسها اليوم، ما يقارب مئتي عنوان (غير نافد) ومن بينها قصيدة »عواء« التي بيع منها ما يزيد عن 800 ألف نسخة، هذا بالاضافة الى سلسلة شعراء الجيب، وهي كانت من أولى الدور التي خصصت هذا الحجم من الكتب للشعراء، في زمن، لم يكن يعتبر فيه هذا الشكل كتابا حقيقيا. أما اليوم، وبعد أربعين سنة، فإن أعمال المكتبة على صعيد النشر (وهي تنشر كل عام 20 عنوانا لا تزال مزدهرة جدا، بالرغم من انها لا تلقى أي مساعدة حكومية. الأدب المنشق يقول لورنس فيرلينغيتي الذي يبلغ اليوم 78 عاما انه ينشر الأدب المنشق وأدب العالم الثالث. ويضيف: »صحيح ان شهرتنا جاءت من جراء نشر أعمال كتاب جيل البيت، بيد ان هؤلاء لم يشكلوا سوى مرحلة لتقليد أدبي عرف باسم الخارجين عن المؤسسة. تقليد ما زال مستمرا لأيامنا هذه، إلا أنه منذ ذلك الوقت، نشرنا أول أعمال سام شيبرد وشارل بوكوفسكي وغيلرمو غوميز بينا، والعديد من الترجمات عن الأدب العالمي. أما أهم ما يصل حاليا من مخطوطات الى الدار، فهو من العالم الثالث ومن كاتبات الحركة النسوية.. فالإنسان الأبيض لم يعد لديه أي ثورة..«. يعمل اليوم ما يقارب 15 شخصا في هذه المكتبة كما في دار النشر، فسيتي لايتس لا تزال من المكتبات النادرة، المستقلة، التي ما زال باستطاعتها العمل، لأن سلاسل المكتبات الكبيرة تدفع بالمكتبات الصغيرة الى الافلاس، مثلما حصل مؤخرا مع 5 مكتبات في نيويورك. أما في بعض المدن الأخرى، فقد اختفت مكتبات كاملة، وضمن هذا السياق التجاري الصعب، فإن مجموع أدب »البيت«، لا يزال يجد أصداءه وقراءه. ففي السنتين الماضيتين، صدرت العديد من الكتب، كما أقيمت العديد من المعارض الاستعادية في أكبر متاحف الولايات المتحدة، احتفاءً بذكرى ذلك الجيل، ما دفع وسائل الاعلام، لأن تستعيد الشعار المعروف: »ان البيت يتقدمون«. وفي خضم هذه الحمى، فإن إعادة طبع أعمال كتاب هذا الجبل، الكبار، تشكل أسطورة ما. فقد باعت دار »فايكينغ« في العام الماضي، ما يزيد عن 110 آلاف نسخة من كتاب جاك كرواك »على الطريق«. ضد الثقافة الأحادية يجد فيرلينغيتي، في هذه النهضة الجديدة، ان »رسالة هؤلاء الشعراء لم تكن في يوم، ضرورية أكثر مما هي عليه اليوم، لأن الناس بحاجة لأن يدافعوا عن أنفسهم ضد ثقافة الحشود، ضد هذه الثقافة الأحادية التجارية على الطريقة الأميركية التي تكنس العالم. لقد كان أعضاء هذا الجيل أول من نطق بشعارات الثقافة المضادة، وشعارات البيئة والسلام. كانوا أول من أطلق أول ثورة ضد المكننة والصناعة، وأعلنوا عن نتائجها السيئة على البشر. أما آخر مرحلة من مراحل الثورة الصناعية، فهي الحاسوب والأنترنت والتلفزيون. أما الحرب الباردة القادمة، فستكون حرباً ضد لاإنسانية الآلة«. ويمضي فيرلينغيتي في حديثه، ليجد أن »شعراء البيت استشرفوا ذلك كله. كان هناك مفهوم بوذي شعبي جدا في الستينيات يقول »كونوا هنا الآن« (وهو عنوان كتاب رام داس)، أما اليوم، فإن الحاسوب والأنترنت والهاتف الخليوي، الخ، تنادي بعكس ذلك، تقول لنا لا تكونوا حيث أنتم«. بيد أن ثمة سؤالا لا بد من أن يطرح نفسه، هل كان نشوء جيل البيت الأميركي، بمثابة ثورة ما. عند فيرلينغيتي، جواب واضح. يقول: »بالطبع! لقد شكلوا الرعشات الأولى، لما أصبح في ما بعد في الستينيات ثورة الشبيبة. فجميع الموضوعات التي تحدثوا عنها، والتي أصبحت شعارات الثقافة المضادة في الستينيات، تم اختيارها في البداية من قبل كتاب البيت، مثل ألن غينسبرغ، وغاري شنايدر ووليم بوروز وغريغوري كورسو... كان ذلك في الحقبة المعتمة التي ترأسها السيناتور مكارثي ولجنة التحقيقات حول النشاطات المعادية للولايات المتحدة.. كانوا أول من وقف ضد غسيل المخ الذي عممه مكارثي، وضد المناخ القبيح الذي ساد في ذلك العصر والذي أرعب السكان في سنوات ايزنهاور. كان أفراد ذلك الجيل من أوائل الذين كتبوا ربما منذ أيام ادغار ألن بو انطلاقا من حالات »الوعي« المتغيرة من جراء المخدّرات، وليس الكحول. فالمؤسسة الأدبية الأميركية تكتب تحت تأثير الكحول. ما من كاتب مهم، منذ أيام ادغار ألن بو، كتب تحت تأثير المخدرات. لقد كان ذلك موضوعا أساسيا في الستينيات. ان أولى حالات الوعي بالمشكلات البيئية، جاءت من غاري شنايدر، أما الاهتمام بالفلسفة الشرقية أي البوذية فجاء عبر واتس وغينسبرغ. أما احتقار الحرب، وفكرة تطوير الوعي الخاص فنجدهما عند جميع كتاب هذا الجيل«. الاختلاف الكبير ثمة محركان لجيل البيت، ساهما في انتشارها: المحرك الأول، مكتبة سيتي لايتس، التي لا تزال تناضل منذ 42 عاما لنشر الثقادة المضادة للمؤسسة الرسمية، أما المحرك الثاني، فهو الشاعر ألن غينسبرغ. محركان، قاما بصوغ هذا الاختلاف الكبير، فمن دون غينسبرغ، لما كان هناك أي حركة حقيقية، بل كتّاب معزولون. كان غينسبرغ الناطق الرسمي باسمها، ولم يستطع أحد أن يحل مكانه. ما من شاعر في »هذه الأزمنة الحديثة«، كان باستطاعته التأثير على الشعر وعلى القراء وعلى تبديل وعي أجيال شابة برمتها، وعلى أجيال عدة من الشعراء، مثلما فعل غينسبرغ. »كان عبقريا، على الرغم من انه لم يُعترَف به رسميا، أي لم يفُزْ بأي جائزة أدبية، لا جائزة »بوليتزر« ولا جائزة نوبل. كان دائما شاعرا خارج النظام الرسمي، وهذا أمر يصدم فعلا« بحسب ما يجد فيرلينغيتي. لقد نشر فيرلينغيتي أعمال غينسبرغ ما بين 1956 و1986، »لغاية ان جاء ناشر نيويوركي كبير هاربر أند روم« ليسرقه مني. كنت ناشره، وبقيت صديقه.. ان تضامننا على المستوى السياسي كان كاملا، بالرغم من أن شعرنا مختلف جدا«. القراءة التاريخية كان فيرلينغيتي حاضرا عند أول قراءة علنية هذه القراءة التاريخية لرائعة غينسبرغ »عواء«. كانت قراءة تاريخية، لأنها كانت نقطة الانطلاق لكل ما حدث في ما بعد. لقد تيقن فيرلينغيتي في تلك الأمسية، أهمية هذه القصيدة، على المستويين الأدبي والإنساني. فما كان منه، بعد عودته الى منزله، إلا أن أرسل برقية لغينسبرغ، استعاد فيها الجملة التي كان أرسلها رالف ايمرسون، في القرن الماضي، الى والت ويتمان، بعد أن سمع قصائد »أوراق العشب«، التي قال فيها »أحييك على فجر حقبة كبيرة. متى أحصل على المخطوط؟«. وحين نشرت دار »سيتي لايتس« قصيدة عواء في العام 1956، تعرض الناشر والشاعر الى محاكمة استمرت طويلاً أمام إحدى محاكم سان فرانسيسكو بتهمة الفحش، ومن ثم صدر الحكم.. بالبراءة، بعد محاكمة إعلامية. يقول فيرلينغيتي: »لقد استطعنا الحصول على سابقة قضائية، سمحت في ما بعد لكل من هنري ميلر ود. لورنس، وجان جينيه، بنشر أعمالهم في هذا البلد«. لم يستطع أحد الاعتراض على قرار المحكمة. لم تتراجع عنه قطّ. لقد شكل الأمر مكسبا تاريخيا لحرية التعبير الأدبي، إذ يجد فيرلينغيتي: »حين غطت مجلة لايف الحدث، عنونت صفحتها الأولى بالقول: انه الثائر الوحيد الموجود. أعتقد انه لغاية اليوم، لا يزال الثائر الوحيد«. أما لماذا لم ينشر فيرلينغيتي رواية بوروز »الوليمة العارية« فيجيب: »لا أحب هذا النوع من الطعام.. على كل، وبفضل غينسبرغ مرة أخرى، استلمت عدة صفحات من الكتاب. لقد جمع بوروز عدة صفحات متناثرة.. وجدت الأمر، يومذاك، أدبا أرستقراطيا. لم أر فيه أي إشارة إلى ما سيصبح عليه في ما بعد. لم ألحظ رؤيته تلك للعالم التي طورها في ما بعد. كان هاجسه الموت. رؤيته كانت أرستقراطية. ان عالمه بلا حب وبلا شغف... اليوم، وبعد مرور الزمن، أستطيع ان أرى حقا ما قام به بوروز. لقد كتب رواية عظيمة، أدبا كبيرا. كانت لديه رؤية كبيرة للعالم. لم أستطع الإمساك بها، عبر تلك الصفحات المتناثرة التي وصلتني. يومها، لم أجد سوى تلك الرؤية الأرستقراطية التي لم تكن تعنيني...«. المكانة المختلفة اليوم، وبعد مرور السنين، يعي فيرلينغيتي بمكانته المختلفة داخل حركة البيت. يقول إنه لم تكن لديه الشخصية الضرورية المواكبة لصورة »البيت«. فهو أكثر انزواءً »في حين كان غينسبرغ أكثر انفتاحا، فأنا رجل منطوٍ«. صحيح انه جرب مرات الكتابة تحت تأثير المخدر، مثلما كان يفعل كتاب ذلك الجيل إلا »أنني كنت أكتشف ان ما أكتبه ليس سوى مسوّدة لا تستحق النشر«، بيد أن الأمر الأساسي، يبدو مختلفا، إذ يجد فيرلينغيتي أنه شخص أميركي، ولم يرغب في أن يعيش يوما متشردا داخل وطنه »لو لم أفتح هذه المكتبة، لربما عدت الى أوروبا للعيش هناك. لقد سارت أمور المكتبة على خير ما يرام، وها نحن تخطينا عتبة الأربعين سنة منذ سنوات«. يقضي فيرلينغيتي أيامه في الرسم صباحا (عرض مؤخرا بعض أعماله في روما، وفي مركز عزرا باوند في انداهو) وكتابة الشعر ليلا. »انني لا أنام كثيرا. فربة الشعر موجودة حولي دائما لتوقظني«. ومنذ صدور كتابه الأخير في الربيع الماضي بعنوان اA for Rock way of the heartب ويتضمن مئة قصيدة وقصيدة »كتبتها في حالة من الأزمة، وهي تشكل تكملة لكتاب اConey Island of the Mindب، نجده يعمل على كتابه رواية بعنوان »ضمير المفرد الرابع«. وموضوعها: »قد يكون جيل البيت«. بيد أن السؤال الذي يحير النقاد، لماذا انتظر فيرلينغيتي رحيل جميع ذلك الجيل، ليكتب عن »احتفالاتهم« وعن »صراعاتهم«؟ لا أحد يعرف. ربما علينا الانتظار.. حتى صدور الكتاب. هامش كلام فيرلينغيتي، مستل من مصدرين: الأول، الحوار الذي أجرته معه مجلة »غلوب ابدو« الفرنسية، العام 1995، والثاني من حوار صحيفة »لوموند«، في شباط 1998.