صدرت مؤخرا عن دار »حوران للنشر« في دمشق ثلاث ترجمات عربية للروائي الالماني هرمان هسه قام بنقلها الى العربية أسامة منزلجي، والروايات هي: »ذئب السهوب« و»روسهالده« و»نرسيس وغولدموند«. حول هسه ورواياته هذه، الكلمة التالية: »أنّى فتحنا كتبك، نجد الشمس وهي تبتسم لنا بين السطور«. هذا المديح الذي كاله ناقد ألماني اشتهر بقسوته الى »عبقري سواب«، يشير الى ما كانت عليه أعمال الكاتب الألماني الكبير هرمان هسه.. الى تلك الهالة المذهبة التي تشع منها والى تلك العذوبة الناعمة التي تحدثها. أمران يصدران من مكان أبعد مما كانت عليه تلك الشخصية المضعضعة، المرتبكة، التي »تجرعت الظلال«، اي مما كانت عليه شخصية هرمان هسه نفسه: كما لو ان صعوبة كينونته و»جرس الإنذار العنيف لآلام رأسه«، اللذين كانا يكبلانه، كانا الباب الذي أفضى الى »خلفية بلد فاخر« والى »منطقة مرتفعة«، تذكر فتوحاتها، كل هذه المصاعب التي مرّ بها. ففي عصر أتلف بالمشاريع الخارجية، ووسط مثقفين تحركوا من أجل العمل الجماعي، جسّد هرمان هسه، تيّارا مضادا مدهشا، هو ذلك التيار المنادي بالمملكة الداخلية، وبالمصير الشخصي للكائن، وبقانون التطور المستوحد. فبحسب هرمان هسه نفسه، لا يبدو الأمر الا بالمقدار ذاته الذي تقبل فيه تفتتنا، اي أننا نقبل أثقل »النوتات« التي نجد فيها دربنا الخاص: من هنا يدخل الكائن في تماس مع طاقة غامضة تتيح له ان يتصالح مع ذاته. هناك، في عمق الانسان، فتوة للحب، ذلك الحب السهل البلوغ للانسان الذي يرى، وحده، الذئب الذي يحمله في داخله. فالأعلى والأرزق ليسا الغسق، وانما الليل والمتاهة. لذلك يبدو الأمر، كما لو انه توجب عليه ان يتوه في القلق، لكي يجد نفسه مجددا، كما، لو ان الكآبات المتلاحقة، ليست سوى عتبة الطمأنينة. من هنا، يبدو كل أدب هرمان هسه، بمثابة جواب عن صعوبة كينونته ووجوده، اللذين دفعاه، في مراهقته، الى أزمات من اليأس والكآبة والإحباط، نجح في تخطيها، في نهاية المر. صيح انه حاول الانتحار وهو في الخامسة عشرة من عمره بسبب قضية حب فاشل، مثل جميع المراهقين، الا ان هناك سببا آخر، يتلخص في تلك الاستحالة بأن يجد نفسه متناغما مع العالم. التناغم مع العالم يوضح هسه نفسه، في العام 1925، وعبر نص صغير ينتمي الى فن السيرة الذاتية، انه قرر، لمّا كان في الثالثة عشرة من عمره، ان يكون شاعرا او لا شيء أبدا. لذلك اصبح مسلكه صعبا، لم يحتمله أحد من المحيطين به. فهرب من دير مولبرون، حيث كان يدرس اللاهوت، اذ وضعه أهله هناك على أمل ان يصبح كاهنا، ليكمل بذلك تقليدا عائليا قديما متوارثا. بعد ذلك، تم طرده ثانية، من الثانوية حيث كان يتابع دروسه. اذ لم يجد في هذين المكانين ومثلما قال فيما بعد سبيلا للتناغم مع صوت قلبه، مع صوت العالم كما هو عليه«. من فشل الى فشل، وبعد ان عمل في أحد المعامل الميكانيكية في مسقط رأسه، توصل الى إيجاد مهنته ثابتة: عامل في مكتبة. أعطاه حبه للكتب، منذ ذلك الوقت، الارادة في الحفاظ على ما أحس انه طريقه: تحبير صفحات لسنوات وسنوات كانت نتيجتها، وهو في الثانية والعشرين من العمر، كتابه الأول: »بدا الأمر وكأنه كان مستحيلا. لقد نجحت في ان أصبح شاعرا. ظاهريا، انتصرت في صراعي العنيد والطويل مع العالم«. على هذا، كانت الكتابة، بالنسبة الى هسه، الوسيلة التي أتاحت له، وبأشكالها المختلفة، ان يفرد مشكلاته وان يلعب معها. ثمة مغامرة روحية، فتحت له إمكانية السيطرة عليها. فمنذ روايته الأولى »بيتر كامينزيد«، مرورا ب»سيدهارتا« و»ذئب السهوب« او »لعبة الكريات الزجاجية«، تبدو كتبه، كأنها التعبير المجازي والرمزي عن عالمه الداخلي. كان يخترع شخصيات وشخصيات، لم تكن في النهاية، سوى انعكاسات شخصية عنه، وهي شخصيات، جاءت لتكون مخرجا ما، للقبول بكل المتناقضات المنغلقة داخل أعماق كينونته. فهسه، كان منقادا دوما الى الاستنتاج وكلما خاض في صعوباته العائلية، وواجه مشقة التأقلم الاجتماعي انها تعيش معه وتكمله، كما تعيش وتكمّل كل فرد، في كل مكان من الكون، انها العدم والنظام، الثورة والحكمة. كان الخطر يتمثل في الوقوع ضحية قواه العدوانية، في الانخراط في المجتمع من المنظور الاكثر امتثالية والتضحية بتطلعاته الخاصة لصالح القواعد المزعوم انها سنّت لصالح سعادة الحياة ضمن الجماعة. من هنا، كانت اشكاليته، كيف يتجنبها اذاً؟ لم يقم بذلك من خلال اختياره الهامشية المطلقة، وانما في الحفاظ على حياته الداخلية، مغذيا إياها بطريقة إيجاد وسائل شباب جديد، تكمن في وجود قريب جدا من الطبيعة، من التوحد ربما كما في رواية بيتر كامينزيد، كي تكون شروط الإنقاذ مستقيمة. الألم الداخلي صدرت »بيتر كامينزيد« في العام 1903، وسرعان ما شكلت الثروة الأدبية الكبيرة، لكاتب حاز نوبل للآداب فيما بعد (1946)، وهي تروي، القصة الشديدة »الرعوية«، لراع سويسري شاب، كدرّه ألمه الداخلي، وحمله الى تخوم الفجور والى تخوم الانتحار، من خلال قوى فيزيائية طائشة، وقد وجد فيما بعد، في الطبيعة المخضرة، الشفاء الذي أتاح له ان يسيطر على نفسه مجددا، وان يعيش في سلام. هذه الطبيعة، تظهر أحيانا، بشكلها النسائي وبخاصة على صورة امرأة »ذات نهدين ثقيلين« (وهذا التفصيل في الأمور المهمة جدا عند هسه المفتون بحمالات الصدر) كانت تظهر في اللحظات الأولى من اللقاء، قبل ان تحولها الحياة اليومية الى تنين: لذلك حملت العديد من الأسماء في أعماله، وقد ظهرت بأشكال مختلفة. وجد هسه في روايته هذه وبعد ان تخطى لتوه »نار جنونه« نبرة البراءة وجد هذا الصدق المتعذر وصفه ذلك الارتباط بجوهر الأشياء وبأشياء الطبيعية، التي أصبحت فيما بعد، طابعه المميز، وعظمته، ونبرته الخاصة. بيد انه لم ينس مع ذلك، »حصة الظلمة« التي هي بمثابة »ثمالة الروح البشرية« لأنها ايضا »خزان حيويتها« و»الزنبرك« حيث يجب »ان توضع قدم الروح كي تنبثق صوب السماء«. كان »أعداؤه« يرون فيه كاتبا يلعب دور معلم من معلمي الفكر، بيد ان هسه، لم يؤكد يوما، سوى طموحات أكثر تواضعا بكثير، حتى وان كان يعطي لرواياته، بعض مزايا البحث الفلسفي. فخارج السلطة المنقذة التي تمثل الأدب بالنسبة اليه كان يرغب في حث قرائه على التفكير بالطرق الممكنة التي تضمن وفي مجتمع غربي أصبح خانقا أكثر فأكثر انقاذا روحيا للكائن، وحتى إنقاذا روحيا للبشرية. من وجهة النظر هذه، كان امتحان الحرب العالمية الأولى، كانت بالنسبة اليه مرحلة قاطعة. غرق من جديد في التيه الجسدي والآلام. فعمل في »بيرن« في خدمة ومساعدة المساجين. لكن وبعد ان احتقره جميع القوميين الألمان نظرا لمعارضته »لجميع مشاريع البغض« بدأ ينطوي على نفسه شيئا فشيئا. فيكتب في السابع من حزيران العام 1917، رسالة الى الكاتب النمساوي فيليكس براون يقول فيها: »ان الانفصال بين العالم الخارجي والعالم الداخلي، ما زال يظهر لي أكثر انقطاعا عما كان عليه في الماضي، لكن ما يهمني، هو العالم الداخلي«. اختار في العام 1919 ان يعيش مبتعدا عن الجميع كناسك، في إحدى قرى مقاطعة »تيسان«. كان واعيا انه لن يكون »رجلا مستوحدا«، او »حالما«. فان يتبع القطيع كما فعل العديد من الألمان خلال الحرب بدا له مظهرا للافلاس الشامل الذي انحدرت اليه اوروبا العشرينات، فالكائن كما يعتقد لا يستطيع في النتيجة، الحفاظ على شخصيته وتأكيدها الا حين ينقطع عن المعايير الموضوعة، ويقوي فيه العناصر التي تجبره على ان يتميز عنها. لذلك أخذت قضية تشكيل الشخصية الفردية، هاجسه الكبير، وتساؤله الحقيقي والموضوع الذي تدور حوله جميع كتاباته. هذا الاهتمام، ظهر بشكل خاص، في العام 1919 في رواية »دميان«، وهي سيرة ذاتية متخيلة لشخصية أسماها اميل سنكلير: »ينبغي ان تقول الى هذا الأخير: كنت باحثا، وما زلت كذلك، الا انني لم أعد أبحث بين النجوم والكتب. بدأت بالاستماع الى ما يضج في دمائي«. لقد أضفى الكاتب على اميل سنكلير، كل اعتباراته الفلسفية: »ان حياة كل إنسان درب نحو ذاته، محاولة ايجاد درب، تخطيط طريق، ما من أحد نجح ابدا في ان يكون ذاته بشكل كامل. في حين ان كل واحد، يحاول ان يكونه: واحد في العتمة، والثاني في وضوح الضوء، كل واحد كما يستطيع«. روسهالدة لكن قبل ان ينشر رواية »دميان«، أصدر هسه رواية »روسهالدة« في العام 1913، والتي تتحدث عن زوجين يتمزقان حول »السرير الصغير« الذي ينام فيه طفلهما المصاب بمرض السحايا، قبل ان يموت. يترك هسه في كتابه هذا، العنان »لظلاله السامة كي تتفجر«. ظلال لن تتأخر في ان تكون سحرا مرعبا. اذ بعد تلك الرواية بعام، يصاب ابنه، بالعوارض ذاتها تلك العوارض الدقيقة التي وصفها في كتابه. مرض الابن، أحدث بين الكاتب وزوجته، تلك الانعكاسات ذاتها التي كان تخيلها قبل عام، الا انه كان أسعد حظا من بطله الروائي المتخيل، فبخلاف الطفل بيير في الكتاب، يشفى طفله مارتن ويعود الى الحياة. بعد »دميان« و»صيف كلينكسر الأخير«، تجيء رواية »سيدهارتا« التي كتبها في صيف »تيسان« الأبدي العام 1922. وهي رائعة، صافية، يبحث فيها ومن خلال تجوال شاب براهماني هندي، عن الحقيقة في زمن البوذا غوتافا. بأسلوبه الباذخ، يعطينا هسه، جوهر الحكمة الذي يكمن، ليس في اجتياز النهر، وانما ان نصبح النهر ذاته، نهر الحياة، القوة الكبيرة، التي تجتازنا، اذ أننا لسنا سوى تلك الحلقة الصغيرة داخلها، فأي سوء نجلبه الى أنفسنا حين نرفضها، حين نرفض قدرنا، لأن هذا ما تسعى الطبيعة الكبيرة الى الوصول اليه من خلالنا. بيد ان »التعلم« الاساسي لهذا الكتاب، يقف ايضا، في رفض جميع التعاليم وجميع المعلمين. فحين يقف البوذا أمامهم، نجد »سيدهارتا«، يبتعد، تاركا صديقه جوفيندا متابعا وحده تعاليم ذلك الشخص الرحيم. فعلى طريقة طاغور، يفنّد هسه التعاليم الجماعية: »هنا حيث الطريق مرسوم، أفقد دربي الخاص«. وهي فكرة يستعيدها مجددا في رواية »نرسيس وغولدموند« التي تبدو من أكثر أعماله كمالا و»تذبذبا«. البحث عن حواء فعبر مصيري »نرسيس وغولدموند« المختلفين مع العلم انهما قد تلقيا تعليمهما في أحد أديرة القرون الوسطى، نجد تلك الفكرة »اللازمة«: لكل واحد دربه الخاص. فنرسيس يصبح كاهنا، بينما غولدموند الذي يطلّق حياة الترهب يصبح فنانا، نحاتا مسكونا بهاجس النجاح في انجاز تمثال للسيدة العذراء. يصبح متشردا »قروسطيا« عبر أوروبا، تلك، التي أتلفها الطاعون. فيذهب من امرأة الى أخرى، بحثا عن »السيدة حواء« تلك الصورة عن الأم الكبيرة، عن روح العالم، عن الأنوثة الكونية التي يريد تخليدها في تماثيله الخشبية. ان الأيام الاخيرة لغولدموند، في دير ماريا برون، هي من دون شك، من اجمل صفحات الأدب العالمي، وبخاصة تلك الجملة التي يلقيها ذلك المنازع لصديقه نرسيس: »ولكن كيف يمكن ان تموت أنت يا نرسيس؟ انت لا تعرف لك أما. كيف يمكننا ان نحب دون أم؟ إننا بدون أم لا نستطيع أن نموت«. كان قد سبق رواية »نرسيس وغولدموند« التي كتبها في العام 1930، كتاب »غريب« بعض الشيء. كتاب مبلل بالظلال، يظهر جميع ابهامات عمل هسه الأدبي، »ذلك العمل الليلي والشمسي في آن«. انه كتاب: »ذئب السهوب«، الذي يقدم الينا شخصية »هاري هالر« بصفته ذاك الذي يمثل »التائه بيننا في مدينة القطعان وحياتها«. فهذه الشخصية لا تعرف كيف توافق على القيم البورجوازية. بالرغم من ان القيم هذه، تسمرها وتشدها. انه ذلك التائه الأبدي، الذي يعرف تلك الثنائية التي تسكنه دائما. انه في الوقت عينه، إنسان وذئب، وعي وظلمات، بطل وسافر. سمع ذات مساء هبط فيه الى الجحيم وهو الآتي من جنة الكريستال ضحكات الخالدين وسخرية الملائكة السامية. فهذه المنطقة العليا من الروح، وهذا العقل الطليق من آلام الروح السفلية، المتطهرة من العواطف التي تتلف الرؤية الروحية، قام هسه بإعادتها الى الأرض عبر كتاب »لعبة الكريات الزجاجية« الذي كتبه خلال الحرب العالمية الثانية. كتاب بقي »سيء الفهم« من قبل العدد الكبير من البشر، لأنه مثل جميع الأعمال الأساسية، يتطلب ان تفك رموزه، لأنه يؤلف رسالة نهائية نستطيع ان نلخصها بجملة واحدة: »أيها البشر انتصروا بقواكم السوداء، كي تلعبوا في النهاية، بالكرة الأرضية. إسكندر حبش