محزن الموت، ومحزن اكثر منه القتل، والمحزن أكثر وأكثر قتل الفنان. لأن الفنان لا يمثل ذاته وحسب، بل انه ايضا يمثل خير الأمة التي يعبر عنها والشعب الذي يحبه وربما يتماهى معه. ولعل من أقسى ما يحدث في »الحرب الاهلية« غير المعلنة في الجزائر، ان القتل فيها يطال بوحشية وبغموض اهدافه، عشرات الأبرياء والعزل، كما يطال الفنانين والمثقفين بشكل يجعل الامور تبدد وكأن ثمة حربا مقدسة ضد كل ما ينتمي الى الفن والفكر والابداع، وكأن ثمة من يريد للجزائر ان تفرغ من مبدعيها ومن ضميرها. نقول هذا الكلام الذي يكاد يصبح الآن من قبيل »الكليشهات« المكرورة والتي بالكاد تجد من يقرأها، حتى ولو وجدت كثيرين يكتبونها. فالمؤلم ايضا في هذه الحرب/ المجزرة الجزائرية المتواصلة انها تكاد تبلغ من »العادية« و»اليومية« ما يجازف بأن يجعل من اللامبالاة جزءا من مأساويتها. والحروب التي تطول على هذا النحو، وتكون على هذا الغموض وهذه العبثية، تجازف بأن تجر اللامبالاة تجاهها مع مضي الوقت، وانشغال الرأي العام (الآراء العامة) بما قد يبدو له (لها) اكثر إلحاحا من مجازر وصراعات تكاد تعيش الآن خارج خارطة الزمن والعالم. من هنا يأتي حدث استثنائي ليوقظ الاهتمام بالأمر مجددا، وليسبب في جدار اللامبالاة شرخا.. مؤقتا على أي حال. وما مقتل المغني معطوب الوناس، سوى واحد من هذه الاحداث الاستثنائية التي تعيشها »معركة الجزائر« المتواصلة. وحتى ضمن هذه الاستثنائية، نكاد نقول ان مقتل الوناس يتخذ استثنائية على استثنائية. أولها بسبب شخصية المغني الراحل نفسها، وثانية بسبب الظروف المحيطة بهذه الجريمة الجزائرية الجديدة. ومن المعقول انك ان سألت، اليوم، جزائريا يعتبر نفسه محايدا عمن، برأيه، يمكن ان يكون قد قتل معطوب الوناس، سيجيبك من دون أدنى تردد: لقد قتل نفسه، بصرف النظر عن أداة القتل، وبصرف النظر عن ممارسيه. فالحال ان الوناس، رحمه الله، كان من أولئك الذين يقعون في سهولة، في الفخ الذي ينصب لهم. بحيث يبدو اليوم، للعارفين بالأمور، ان الرجل وصل الى نهاية مسار كان هو اختطه نفسه وسعى اليه، ولو بشكل غير واع. الفخ الذي نعنيه هنا هو فخ الاعلام، والاستعراضية. فمعطوب الوناس، ومن دون ان نزعم ان هذا يقلل من قيمته كفنان ومناضل، كان من ذلك النوع الاستعراضي الذي يريد لنفسه ان يكون موضوع حديث الآخرين والاعلام. ولهذا لم يكف ومنذ سنوات عن ممارسة شتى انواع الاستفزاز، ضد التنظيمات الاسلامية، ضد السلطة الحاكمة في الجزائر، واحيانا ضد »عروبة الجزائر«، هذه العروبة التي باتت تقلق العديد من المدافعين عن حقوق الاقليات اذ تتحول في أيدي بعض الاطراف الى »سيف ديموقليس« مسلّط فوق رؤوسها، وتتماهى بالنسبة الى البعض مع الرغبة في تحويل الجزائر الى دولة تيوقراطية تحكم تبعا لشريعة اسلامية تقف خارج العصر. ضمن هذا الإطار لم يكن الوناس المناضل الوحيد في سبيل العلمانية وفي سبيل حقوق الاقلية (الامازيغية) الثقافية واللغوية، لكنه كان »المناضل« الاكثر صخبا واستعراضية وتفوها بأقسى التعابير من على شاشات التلفزة وصفحات الصحف العالمية. ولا سيما منذ حادثة »اختطافه« قبل سنوات، تلك الحادثة التي اقامت بعض الناس وأقعدتهم، واتُهمت بها بعض الأطراف الاسلامية، ثم قيل وتحديدا في اوساط جماعة الوناس انفسهم انها كانت عملية خطف مدبّرة لأسباب لا علاقة لها بالنضال السياسي، وان المتطرفين الاسلاميين ليسوا هم من قام بها. ومهما كان شأن القائمين بالعملية، يومها، فانهم لم يقتلوا الوناس، بل سرعان ما أطلقوا سراحه، فخرج ليمعن في الادلاء بالتصريحات الاستفزازية، وليضع كتابا أثار الكثير من السجال ونددت به اوساط جزائرية على اختلاف مشاربها، وقال البعض انه مليء بالأكاذيب. بالنسبة الى الرأي العام والاعلام الاوروبيين كان الوناس صيدا ثمينا، فهو لاستعراضيته المفرطة كان يقول ما يحبون ان يسمعوه، ولا يكف عن إلقاء الاتهامات دون تمحيص. للحظة من اللحظات خيّل اليه انه قد اصبح زعيما شعبيا من طراز استثنائي، وراح يبالغ في الاستفزاز. وبهذا جعل من نفسه، دون ان يدري ربما، صيدا ثمينا ولكن لأطراف اخرى: اطراف تجد في قتل مثل هذا المطرب المناضل، فرصة ذهبية تحقق من خلالها عدة غايات، ومنها حسب ما قد يقول البعض، خلق المزيد من الشقاق بين الأقلية الامازيغية وبقية ابناء الجزائر، وتوجيه التهمة للمسلمين الجزائريين باقتراف جريمة قتله، وأخيرا بالتخلص من شخص زادت استعراضيته عن حدها، وصارت مزعجة حتى لأصدقائه. طبعا لا يملك احد من الأدلة ما يثبت رجحان كفة مثل هذا التحليل. ولكن في وضعية معقدة مثل وضعية الجزائر، بات من السهل نصب فخ لأي كان، وجعله يقول ما يفتح شهية الباحثين عن صيد وعن كبش محرقة. والاعلام الغربي، بشكل عام، لا يتوانى عن لعب اللعبة. ونذكّر في هذا السياق بما حدث للشاب حسني، ففي الراي الذي قتل بدوره قبل سنوات، وذلك بعد ان ادلى لواحدة من محطات التلفزة الفرنسية بتصريح استفزازي عنيف قال فيه ما يعني ان الاسلام، وليس المتطرفين الاسلاميين وحدهم، المسؤول عن التردي الذي تعيشه الجزائر. كان الكلام استفزازيا بالطبع، لكن الأخطر من ذلك انه جعل من قاتله فريسة سهلة حتى لمن يريد ان يلصق بالمسلمين اي تهمة من التهم. اذ حسب رصاصة تطلق على قائل الكلام، لتنصرف الأذهان فورا الى ان صاحب الرصاصة لا بد ان يكون الطرف الاسلامي المتشدد. ومن هنا ما يمكن قوله الآن، على ضوء الرحيل المؤسف لمغنٍ كان، ايضا، صاحب قضية، وقضية عادلة بمعنى ما، ان الوضع الجزائري المعقد لا يسمح بمثل تلك المغامرات اللفظية المجانية، المغامرات التي تجعل من صاحبها كبش محرقة، وتجعلنا في كل مرة مسارعين الى ذرف الدموع وكلمات الحزن على مثقفين أقل ما يمكننا ان نقول عنهم، ونحن متألمون لرحيلهم المفجع، ألا ليتهم لم يسلكوا الطرق التي يجعل البعض يقول: لقد قتلوا أنفسهم بأنفسهم.. أليس كذلك؟