قبل فترة كان من المفروض ان يزور لبنان الكاتب الاميركي نعوم تشومسكي للمشاركة في نقاش حول اسرائيل وأكاذيبها لمناسبة خمسينية النكبة، لكن الأطراف التي دعته سرعان ما تراجعت تحت ضغط الدولة اللبنانية. هنا، نقدم عرضا لأفكار تشومسكي ولنظرته الى الامبريالية الاميركية وأزلامها الاسرائيليين من خلال واحد من أبرز كتبه »الايديولوجيا والسلطة«. شهرة نعوم تشومسكي مزدوجة في العالم، فهو من ناحية عالم لغويات (لسانيات) ومن الناحية الثانية مثقف ملتزم. انه، في عرف الكثيرين، واحد من مؤسسي اللسانيات الحديثة، اضافة الى كونه واحدا من أشهر منتقدي السياسية الاميركية. وهو، من نهاية سنوات الستين لم يتوقف عن اعتناق القضايا اليسارية التقدمية بحيث أصبح واحدا من رموزها، من النضال ضد السلاح النووي وصولا الى النضال في سبيل إقامة دولة فلسطينية. في آذار 1986، القى تشومسكي في نيكاراغوا الساندينيه سلسلتين من المحاضرات اولاهما حول اللسانيات والثانية حول القضايا السياسية المعاصرة. المحاضرات الخمس التي تتألف منها السلسلة الثانية جمعت في كتاب عنوانه »الايديولوجيا والسلطة« صدر للمرة الاولى في العام 1991 وترجم الى لغات عديدة بعد ذلك. في تلك المحاضرات يلقي تشومسكي الضوء على الاسباب والنتائج الاساسية لمنطق السياسة الاميركية، مستندا في ذلك الى أمثلة واضحة ووثائق رسمية. وهو ينطلق في تفكيره من مبادئ عدة مثل الدفاع عن الحرية، وأسبقية الديموقراطية، وخضوع وسائل الاعلام، للوصول الى تفحص استمرارية هذه السياسة واستخلاص نتائج من الصعب، عادة، إماطة اللثام عنها، في مجتمع شديد التأدلج مثل المجتمع الاميركي. الإنتخابات وتخريب الديموقراطية ان الاستخدام الراهن لمصطلح »ديموقراطية« يحيلنا الى منظومة حكم تتولى فيها عناصر من النخبة، مستندة الى عالم الأعمال، السيطرة على الدولة بفضل موقعها المهيمن. اما الجمهور (او الشعب) فانه يراقب ما يحدث بكل سلبية، حيث ان المشاركة الشعبية تعتبر، بالتالي، تهديدا جديا لمسيرة الأمور. انطلاقا من هذه المسلمة، بحث المؤلف في الكيفية التي تتعامل بها الولايات المتحدة، في مجال السياسة الخارجية، مع أي محاولة تقوم بها دولة للانعتاق من السيطرة الاميركية على ثرواتها ولإمساك مقدراتها السياسية نفسها. وهكذا، انطلاقا من هم الدفاع عن الذات، تعتبر واشنطن ان إرادة النضال ضد الفساد والدفاع عن الحريات الديموقراطية، ووضع حد للقمع البوليسي، وتعزيز تعليم العمال والفلاحين، تعتبر هذا كله أمورا تشكل موقفا مضادا ل»الديموقراطية« لا يمكن التسامح معه او تستير »ازمة ديموقراطية« تعطي المشروعية لقمع عنيف ضد قلة التهذيب هذه. وأفضل مثال على هذا، بالنسبة الى تشومسكي، هو الانقلاب الذي حدث في جمهورية الدومينك، ولكن في وسعنا كذلك ان نذكر مثال نيكاراغوا.. وانه من الاهمية بمكان هنا »ان نركز على الاشمئزاز الذي تحس به النخب الاميركية ازاء الديموقراطية، وكذلك اللؤم الذي به تزعم الاهتمام ب»انتخابات« هي في نهاية الأمر انفتاح على إرهاب تمارسه الدولة. وهنا يورد تشومسكي مثال السلفادور. لقد حدثت في هذا البلد انتخابات في العام 1972. وحيث صار واضحا ان المنتصرين سيكونان خوسيه دوارتي وغيرمو أوغو، تحرك العسكريون واستولوا على السلطة بفضل انتخابات كانت بادية التزوير، كما بفضل تدخل غواتيمالا وسوموزا. على الفور اعتقل دوارتي وعذّب. ان الاحتقار الذي تجابه به سلطة الشعب فانه يترجم عبر امكانية حصول الانتخابات في كل مرة يبدو فيها من الواضح ان البلد خاضع لسيطرة قوى الامن والشركات الاميركية الشمالية، حيث لا يعود ثمة امكانية لقيام اي نظام ديموقراطي حقيقي. فقط في ظل مثل هذه الشروط تسمح الولايات المتحدة الاميركية بقيام »انتخابات حرة«. وذلك لأن »الأخ الأكبر«. يستبد به الغضب حين تبدي انظمة وطنية (تطلق عليها صفة »شيوعية«) رغبتها في خدمة »مصلحة قومية سيئة« بدلا من ان تخدم ثروات »الأخ الاكبر« بكل ود ومحبة. بيد ان كراهية النخب الاميركية للديموقراطية ليست الظاهرة الفريدة في هذا المجال. فمثلا، حين يضع »مجلس شؤون نصف الكرة« تقريره حول حقوق الانسان ويشير بأصابع الاتهام الى السلفادور وغواتيمالا »بوصفهما« البلدان الوحيدان في نصف الكرة اللذان يخطفان ويعذبان ويقتلان المعارضين السياسيين بطريقة ممنهجة ومعممة«، ترى واشنطن ان من الملائم لها ان تتجاهل هذا التقرير كل التجاهل. ان التجاهل هو الأسلوب الذي يتمتع بالأفضلية هنا، ولذلك لا يمكن لنا ان نعثر في التاريخ الرسمي الاميركي على أي أثر يتحدث عن العدوان على فييتنام الجنوبية، ان قلة من أبناء النخب الاميركية، على أي حال، تقر بحدوث هذا العدوان في العام 1965، علما بأن منظمة الامم المتحدة لم تعترف به أبدا بوصفه عدوانا. وهنا يضيف تشومسكي بأن الاميركيين لا يعتبرون شعوب أميركا اللاتينية وحدها »أمرا طارئا لا غاية في ذاتها« بل يعتبرون شعوب العالم كله كذلك، بما فيها الشعب الاميركي نفسه. وأسباب هذا لها علاقة بالبنية المؤسساتية للولايات المتحدة. ومن هنا يتساءل تشومسكي عن الحدود التي ضمنها تشكل الولايات المتحدة مجتمعا ديموقراطيا. للوهلة الاولى يمكن القول، بأن جمهورا مستنفرا سياسيا، بإمكانه ان يؤثر في السياسة بأساليب شتى. بيد ان الولايات المتحدة تبدو أقرب الى المنظومة الرأسمالية من الديموقراطيات الصناعية الاخرى. وأصحاب الامتيازات هنا يكون من مصلحتهم الدفاع عن مبادئ الحرية الفردية، وان يخففوا من سلطة الدولة القاهرة. وفيما يتعلق بسمة ثانية للأمور، في مجال الاستثمارات، من الواضح ان القرارات الاساسية تتخذ خارج إطار كل رقابة شعبية، لأن المطلوب هنا هو تحقيق الديموقراطية الرأسمالية لا الديموقراطية الحقيقية. وهو ما يتجلى عبر الاستجابة لمصالح اصحاب الامتيازات وعبر التفاوت في توزيع الثروات. اما سياسة الدولة فانها، والى حد كبير، تتحدد على يد مجموعات تمتلك تلك الثروات. وهكذا، فيما يتعلق بالمنظومة السياسية من المؤكد ان السلطة الشعبية التي تجري عبر اختيارات الاكثرية العريضة من السكان، لا يتوجب البحث عنها داخل الولايات المتحدة بل في أماكن اخرى: الولايات المتحدة تشكل حكومة ذات حزب واحد منقسم الى شريحتين تتنازعان فيما بينهما السيطرة على الحكم. اما النشاط الشعبي الذي ساد خلال سنوات الستين والسبعين فلم ينظر اليه الا باعتباره خطرا يحيط ب»الديموقراطية«، ويتعين على النخب ذات الامتيازات ان تجابهه باسم الديموقراطية. حرية السرقة والإستغلال كحرية أساسية ان المسار الذي يحدد هذه السياسات، هو ما يتوجه اليه تفكير نعوم تشومسكي، ويقوم على تحديد ما يترتب على هيمنة »الحرية الخامسة« كما يعرّف الكاتب بها. وهذا المصطلح يحيل بالطبع الى الحريات الأربع التي تحدث عنها روزفلت: حرية التعبير والعبادة، والحاجة وأخيرا حرية التحرر من الخوف. لقد نسي روزفلت، في رأي تشومسكي، ان يذكر حرية السرقة والاستغلال، مع انها هي التي تشغل المكانة الحقيقية الاولى هنا. بالنسبة الى جزء كبير من العالم الثالث، من المؤكد ان الهدف الاساسي لسياسة الولايات المتحدة الاميركية هو ضمان هذه الحرية الخامسة. وتبعا لممارسة هذه الحرية يحدد الاميركيون الشماليون البلدان الصديقة والبلدان العدوة. اما العدو الرئيسي فكان ولا يزال، دائما، سكان البلاد الاصليين الذين يميلون عادة الى السقوط »في فخ« الافكار اللامقبولة اميركيا والتي تتعلق باستخدامهم، لغاياتهم الخاصة، لثرواتهم الخاصة بهم. ومن هنا يتعين، وعلى الدوام، تعليمهم الطاعة. اما المبدأ الاول في هذا السياق فينص على ان السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية موضوعة في الاصل لخلق والحفاظ على نظام عالمي يمكن ضمن إطاره للشركات المتمركزة في الولايات المتحدة ان تنمو وتزدهر، عالم »مجتمعات مفتوحة« اي مفتوحة على الشكل الاقتصادي والهيمنة السياسية اللذين تمارسهما الولايات المتحدة. والمبدأ الثاني هو الذي ينص على ان نظاما ايدلويوجيا يتعين ان يصاغ بشكل يبقي السكان سلبيين، جاهلين، بحيث لا تعود حتى الشرائح المثقفة قادرة على فهم أية مسألة. بالنسبة الى واشنطن، الشيوعيون هم الذين يحاولون استخدام ثروات بلادهم لغايات تخصها، مما يجعلهم متعارضين في ذلك مع حق السرقة والاستغلال. بعيد الحرب العالمية الثانية، تمكنت الولايات المتحدة من التصدي للخطر الذي كانت تمثله التيارات السياسية الديموقراطية، عبر وضع برنامج غايته تحطيم المقاومة المناهضة للفاشية لصالح المتعاونين مع الفاشية. والامثلة على هذا عديدة. ومنها مثلا وضع الاميرال ج. دارلان أحد اوائل المتعاونين مع النازيين، في مركز سلطوي متقدم في أراضي أفريقيا الشمالية المحررة. كما ان القوات الاميركية في الوقت الذي كانت تتقدم فيه داخل الأراضي الايطالية، اعتمدت على بنى النظام الفاشي، في نفس الوقت الذي كانت فيه تشتت قوى المقاومة. وفي اليونان، حيث شن الاميركيون حربا قاتلة ضد الثوار، ممارسين في حق هؤلاء شتى انواع التعذيب والنفي السياسي في معسكرات اعادة التأهيل ناهيك عن تدمير النقابات. ومن بين المستفيدين من هذا الوضع الاميركي كان ثمة العديد من المتعاونين مع النازية، اما ضحاياه فكان من بينهم عمال وفلاحون شاركوا في المقاومة ضد النازية، تحت قيادة الشيوعيين. من اجل وضع حد لميل السكان المحليين للعمل حسبما تمليه عليهم مصالحهم الوطنية، كان من الضروري للأميركيين الشماليين ان يستخدموا القوات العسكرية المحلية، مثل الحرس الوطني (كما في نيكاراغوا وجمهورية الدومنيك) او ان يلجأوا الى الجيش الاميركي بصورة مباشرة. ومن أجل الدفاع عن مصالحهم الخاصة، استخدم الاميركيون نظرية التفاحة الفاسدة، وهي حكاية ذات شقين: داخلي وعام. وتتأتى هذه الازدواجية من ضرورة الحفاظ على جهل السكان وامتثاليتهم. فالفساد الذي يخشاه المقررون، يكمن في خطر قيام تطور اقتصادي واجتماعي ناجح خارج سيطرة الولايات المتحدة، تطور قد يكون من شأنه ان يبدو ذا مغزى بالنسبة لفقراء البلدان الاخرى ومضطهديها. من هنا كان من الضروري تحطيم التفاحة، لان وجودها يعتبر اعتداء على الحرية الخامسة. ولعل المثال الاكثر نجاحا في هذا الصدد هو ذاك الذي يوفره لنا نجاح الساندينيين. فإذا كان في وسع فلاحي هندوراس الذين يموتون من الجوع، ان يشهدوا مستشفيات واصلاحا زراعيا وبرامج محو أمية وتحسين زراعة المواد الأولية، تقوم خارج حدودهم في بلد لا يعتبر اكثر غنى من بلدهم، من المؤكد ان فساد التفاحة سوف يعم التفاحات الاخرى.. وقد يمكنه ان يصل حتى الى الولايات المتحدة الاميركية نفسها. وهذا ما يطلق عليه اسم »خطر المثل الصالح« وهذه العبارة هي العنوان الذي وضع لكتيب كرسته لشؤون نيكاراغوا مؤسسة »اوكسفام« التي لاحظت استثنائية الوضع هناك بالنظر الى التزام الحكومة الساندينية بتحسين شروط معيشة السكان وتشجيعهم على المشاركة الفعالة في سيرورة التنمية. ان هذه السمات من بين سمات الثورة الساندينية، كانت هي التي ترعب القادة الاميركيين، الذين لم تكن ترعبهم في الحقيقة جرائم الساندينيين التي تخيلوا وجودها. بالنسبة الىهم كانت الدرب التي سلكها الساندينيون دربا سيئة. وهنا يؤكد المؤلف ان »الجرائم الساندينية« سرعان ما انكشفت حقيقتها: كانت عبارة عن تحسن سريع في وضعية الصحة العامة، ومحو الأمية وتوافر الغذاء والعناية الاجتماعية. لقد وصف »البنك الدولي« عزم الحكومة النيكاراغوية على تحسين حياة البائسين بأنه »لافت« للنظر وذلك منذ العام 1983، مشيرا الى غياب كل انواع الفساد. بيد ان هذا سرعان ما أساء الى الدعاية الاميركية التي كانت تصف نيكاراغوا بأنها بلد توتاليتاري، أفسد النظام الايديولوجي أموره. صحيح ان كلفة مثل هذه السياسة الامبريالية باهظة، ولكن وكما يحلل المؤلف المسألة بشكل ثاقب الامبراطورية هي واحدة من الوسائل العديدة التي بفضلها يمكن للفقراء ان يسدوا حاجة الأغنياء في داخل مجتمعاتهم الخاصة. باختصار، كل شيء يجب ان يشغّل من اجل المتصدي للخطر الذي يمثله الأعداء من سكان البلاد الذين يجازفون بأن ينشروا فيروس الاستقلال والحرية والاهتمام برفاه البشر، مهددين بذلك استقرار »المنطقة الكبرى«، وذلك على حساب الأميرة الحسناء. مجتمع مؤطر أيديولوجيا يصف الباحث الاسترالي اليكس كاري بعبارة »ديموقراطية الدعاية« نظاما يكون فيه »المشروع الحر« متماهيا في الوعي الشعبي مع كافة القيم المرغوبة بينما تكون الحكومات التدخلية مهتمة بالرفاه، والنقابات القومية متماهية مع »الطغيان والقمع بل والتخريب ايضا«. في الولايات المتحدة استخدم »العداء للشيوعية« كأداة شديدة الفعالية من اجل الهيمنة على الحركات العمالية. في هذا البلد الذي يوصف بأنه بلد الحرية، تسكت اجهزة الاعلام عن كل ما لا يعجب الحكومة. ويقول تشومسكي ان الأكاذيب وضروب التزوير هنا تلفت النظر بضخامتها. ويعطينا مثالا ذا دلالة توفره وثيقة تحمل عنوان »ثورة فيما وراء حدودنا«. ومنذ البداية نجد ان العنوان مؤسس على ترجمة خاطئة لخطاب القاه ت. يورج ويشرح فيه ان نيكاراغوا لا يمكنها ان تصدر ثورتها، بل مثالها الثوري فقط. والحال ان الجهود التي بذلتها وزارة الخارجية الاميركية من اجل مسخ أقوال يورج، قد شجبها مجلس شؤون نصف الكرة، وهو أمر علمت به اجهزة الاعلام، لكنها لم تشر اليه. وما هذا سوى مثال بسيط على جملة الاكاذيب المشابهة. فأجهزة الاعلام لا تندد بضروب الكذب والتزييف، بل تواصل لعب دورها كخادمة للنظام في اللحظات الحاسمة. وهو ما يشكل، تبعا لتشومسكي، شهادة اضافية على حرية الصحافة... الحرة. ويرى تشومسكي في هذا الصدد ان نظام الرقابة على الفكر الغربي، ولا سيما الفكر الاميركي، نظام شديد الفعالية، خاصة وان ضروب اللؤم والمخادعة في هذا المجتمع المؤطر ايديولوجيا تمر دون ان يلتفت اليها أحد. وهكذا يقوم النظام الايديولوجي بوظيفته التي تقوم في تأمين مستوى من الاعلام الكاذب الذي يشتغل بحذق على ذهنيات شعب يعتبر نفسه »حرا«. والحال ان أدوات ايصال الشعب الى التساوق التام تبدو هنا اكثر حذقا وفاعلية من الاجراءات الدعائية المطبقة في المجتمعات التوتاليتارية. وإحدى هذه الأدوات تقوم في تشجيع النقاش، ولكن ضمن الحدود التي يسمح بها نظام تعبيرات كامنة تتضمن المبادئ الاساسية للنظام الايديولوجي نفسه. وهذه المبادئ هي التي تصبح الإطار المرجعي للفكر المسموح به، عبر استعادة المواضيع ذات الاعتبارات العقلانية. وهنا يضيف المؤلف انه بمقدار ما يصخب النقاش داخل الحدود المسموح بها، تصبح الأفكار الجاهزة والمسبقة، التي لا توضع موضع الشك، ممنهجة ومؤسسة بوصفها حقائق مقدسة. وهكذا داخل الحلقات النخبوية، يتم التركيز على اهمية صياغة نوع من التوافق العام الذي يضمن موافقة الشعب على القرارات التي يتخذها »قادته الواعون، الذين يجب ان يظلوا في مأمن من أي تأثير تمارسه عليهم الجماهير المحيطة«. في العام 1858 قال المنشق الاميركي ه. د. تورو: »ليس ثمة من حاجة لأي قانون من اجل السيطرة على حرية الصحافة. انها هي التي تقوم بهذه السيطرة بنفسها، وبأكثر مما يجب« اما امتثالية الرأي العام الاميركي فلقد لوحظت منذ زمن بعيد من قبل مراقبين شاءوا ان يفتحوا عيونهم حقا. ومع هذا يبقى ان الحق في حرية التعبير يلقى دفاعا عنيفا عنه داخل الولايات المتحدة. بيد ان النظام الايديولوجي يشتغل داخل إطار شديد الضيق، يستبعد عنه اولئك الذين لا يقبلون به. بمعنى ان السجال مسموح به، بل ويُشجع طالما انه يحترم المبادئ الاساسية للمنظومة الايديولوجية. باختصار، كل من يفكر بشكل آخر، يوضع بسرعة في الهامش. والمؤسسات الايديولوجية هي التي تتولى حراسة هذا كله. ناهيك عن ان الاجهزة الاعلامية في ممارستها المؤيدة لعبوديتها وإذعانها، تؤمن عملية الخضوع الذاتي المتواكب مع »موقف معارض« وهمي تصوغه الايديولوجيا الرسمية. وانه لمن المنطقي لأجهزة الاعلام ان تسلك هذا السبيل. فهي في الواقع تمثل نفس المصالح التي هي مصالح من يسيطرون على الدولة والاقتصاد الخاص. وهؤلاء هم، في المقام الأول، الشركات الكبرى التي يكوّن عالم الأعمال سوقها الاساسي، وهذا ما يجعلها خاضعة لاحتياجات طائفة المستثمرين. ضمن هذا الإطار واضح ان تشكيل الوعي عملية بالغة الضخامة والقوة. ولتتذكر ها هنا كيف ان اولئك الذين يحققون حول قضايا حقوق الانسان قد وضعوا قائمة طويلة عريضة حول اعمال الرعب والإرهاب التي مارسها في نيكاراغوا مقاتلو »الكونترا« المعادين للساندينيين والذين شكلوا جيشا مساعدا للجيش الاميركي في تلك المنطقة . وهذه القائمة قد يحدث ان يشار اليها في الولايات المتحدة حين يقيض للتقارير ان تنشر بيد انها سرعان ما تُنسى. واحيانا يحدث لتلك التقارير ان تتهم من قبل السياسيين او حتى من قبل سياسيين لامعين في الغرب بأنها من قبيل »الدعاية«، في المجالس الخاصة يصار الى الإقرار بوجود سياسة الجهل الطوعي. اما اجهزة الاعلام، والقادة السياسيون والاعلاميون فهم بشكل عام متفقون فيما بينهم، (مثلا حين يتعلق الامر بفكرة تقول بأن الكوبيين قادرون على ان يحكموا أنفسهم) على ان هذه الفكرة خاطئة ولا أساس لها من الصحة. ولنتذكر ها هنا كيف ان صحيفة »نيويورك تريبيون« كتبت مرة تقول ان »الكثير من الكوبيين زنوج جاهلون او مهجنون او بناديق«. وعلينا ان نضيف هنا ان كوبا كانت الضحية الرئيسية للارهاب الدولي، اذا ما استبعدنا من خانة »الارهاب« تلك الاعمال العدوانية الموصوفة مثل القصف الذي مارسه الاسرائيليون في لبنان. وثمة مثل أخير يمكن ان تقدمه هنا حول النوايا السيئة وتعمد نشر الاكاذيب الهستيرية وضروب التزييف: فاللجنة التي يرأسها كيسنجر سعت للبرهنة على ان »الادارة السيئة« التي مارسها الساندينيون، كانت هي المسؤولة عن الانهيار الاقتصادي في نيكاراغوا، متخذة العام 1977 كنقطة مرجعية لها. وفي الواقع ان اقتصاد نيكاراغوا انهار بين 1977 و1979، اي خلال المرحلة التي ساند فيها الاميركيون وأزلامهم الاسرائيليون آخر أعمال العنف التي قام بها أنصار سوموزا، لكن ذلك الاقتصاد سرعان ما نهض تحت حكم الساندينيين، حتى اللحظة التي تمكنت فيها الحرب التي شنها »الكونترا« من إجهاض التنمية الخطيرة التي عرفتها نيكاراغوا في ذلك الحين. ومن هنا فان اعتبار العام 1977 عاما مرجعيا لم يكن اكثر من خدعة عملية غايتها إخفاء ضروب التقدم الحقيقية التي حققها الساندينيون وكانت سيئة في نظر واشنطن. وهنا يرى تشومسكي انه سيكون من المفيد ان نضع لائحة تقديرية بالفظائع التي ارتكبها الاميركيون في العالم الثالث، تأتي على غرار اللائحة التي كرست لجرائم نظام بول بوت. هذه المحاضرات ألقيت قبل 12 سنة. منذ ذلك الحين تبدلت الامور كثيرا. ولكن مع تعزز الفكر الآحادي السائد منذ العام 1990، يبدو من الواضح لنا ان صحة تفكير تشومسكي وصواب آرائه يجدان المزيد من المصداقية. مما يجعله اكثر راهنية من اي وقت مضى. * جامعية لبنانية مقيمة في فرنسا.