مع انتقال الشيخ علي الغروي (68 عاما)، من مقر اقامته في النجف الاشرف للرفيق الاعلى مساء الخميس 23 صفر 1419ه/ 18 حزيران (يونيو) 1998م، يبرز اسم النجف كمدينة، ويبرز مصطلح (الحوزة العلمية)، وكذلك (المرجعية الدينية). فماذا عن النجف كمدينة؟ وما هي عوامل قوتها وقداستها؟ ثم ما هي الحوزة العلمية؟ واخيرا: ما هي المرجعية الدينية لدى المسلمين الشيعة؟ النجف المدينة: في الجنوب الغربي للعاصمة العراقية (بغداد)، تقع مدينة النجف الاشرف، على بُعد (160) كيلومترا تقريبا عنها، على هضبة من الارض غرب الكوفة مقر الخلافة الاسلامية ايام خلافة الامام علي بن أبي طالب، على مسافة سبعة كيلومترات. والى جنوب النجف تقع على مسافة حوالى خمسة عشر كيلومترا مدينة الحيرة (قاعدة الملوك اللخميين)، اما من جهتي الشمال والشرق فتطل النجف على فضاء فسيح من القباب والقبور للعلماء ومشاهير الرجال والاعيان في مقبرة يصفها الشاعر محمد مهدي الجواهري بأنها: اكبر غابة للاموات في العالم...! وقد صدق الشاعر العراقي المرحوم احمد الصافي النجفي حين وصف النجف بقوله: فصادرات بلدتي عمائم ووارداتُ بلدتي جنائزُ وما أن »دفن جثمان الإمام علي بن أبي طالب سنة (40ه/ 660م) في النجف حتى اصبحت هذه المدينة واحدة من المدن الاسلامية المقدسة بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف... لا سيما بعدما امر الخليفة العباسي هارون الرشيد سنة (170ه/ 768م) بانشاء بناء على قبر علي بن أبي طالب، مما جعل كثيرا من المسلمين يقصدون تلك المدينة، يتقربون فيها الى الله من خلال زيارة احد عباده من الاولياء الصالحين، فيما فضل بعض آخر الاقامة هناك لتتحول النجف الى مدينة عامرة بالسكان، ولتأخذ في ما بعد طابعا علميا مميزا، وموقعا قياديا لما يقل عن ربع مليون مسلم. النجف إدارياً: ضمن تخطيط الدولة العراقية الحديثة عام (1339ه/ 1920م)، فإن النجف الاشرف اصبحت قضاء تابعا لمحافظة كربلاء، واستمر الحال على هذا المنوال حتى عام (1396ه/ 1976م) حيث اصبحت النجف محافظة بعد صدور المرسوم الجمهوري رقم (42) المؤرخ 29 شباط (فبراير) 1976م/ 1396ه، في عهد حكومة الرئيس العراقي احمد حسن البكر (ت 1979م) وألحقت بالنجف اقضية: الحيرة... الكوفة... الكِفل، وبعض المدن الاخرى لتكون اقضية تابعة للمحافظة الجديدة. اما عدد سكان مدينة النجف الاشرف فتقدره آخر الاحصاءات الرسمية العراقية ب(750) سبعمئة وخمسين ألف نسمة. ويتوسط مدينة النجف الاشرف مرقد الإمام علي (ع)، ويقع هذا المرقد وسط صحن كبير تتجلى فيه بداعة الفن المعماري العربي، كما تتجلى فيه نفاسة النقش، وجمال البناء، حتى ليمكن ان يعد هذا المرقد وما فيه من تحف ونفائس ومخطوطات كصرح واثر من الآثار العربية والاسلامية حيث تبقى رعايته والاهتمام به مسؤولية الدولة كما هي مسؤولية المنظمات الدولية المختصة. الحوزة العلمية والدراسة في النجف: لعل من المفيد قبل الحديث عن الحوزة العلمية، التذكير بأن لفظ (الحوزة)، هو لفظ عربي، يعني في اللغة المكان المحدد بتحديد ما، وينضم فيه الناس الى بعضهم بعضا، ولذا يقال ان حوزة المملكة ما بين تخومها، وحوزة الدار ما انضم إليها من المنافع والمرافق، فالحوزة هي المكان، او الناحية التي اذا ما خصصت للدرس والتحصيل جاز ان تسمى »حوزة علمية«، وتبعا للاصل اللغوي فإن الحوزة يمكن ان تخصص لمختلف اوجه النشاط الانساني، إلا ان الحوزة ارتبطت بلغة علماء الدين المسلمين بتلقي العلم، حتى بات مفهوما تلقائيا: ان الحوزة لا بد من ان تكون علمية. انها كيان علمي وبشري يؤهل للاجتهاد في علوم الشريعة الاسلامية، ويتحمل مسؤولية تبليغ الاحكام الشرعية للامة. من هنا فالحوزة كمصطلح ليست دخيلة على العربية كما يشيع بعض من كتب عنها، والحوزة في النجف تشترك في روحها وهدفها مع مدارس العالم الاسلامي، ومعاهده العلمية المنتشرة في غير بقعة من بقاع المعمورة. فلا الحوزة كمصطلح دخيلة على اللغة العربية، ولا هي ككيان علمي بعيدة عما يألفه المسلمون في بلادهم من مدارس ومعاهد للتعليم الاسلامي. ولطالما وجدنا علماء النجف في أروقة الازهر او الزيتونة او فاس ينشرون المعرفة ويدعون للوحدة والمحبة والتآلف، كالإمام محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد تقي الحكيم. وإذ يقترن اسم الحوزة العلمية بالنجف، فلأن النجف انما اخذت طابعها العلمي منذ ان هاجر إليها من بغداد الفقيه الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385 460ه/ 965 1067م) ليتخذ من النجف مقرا له ولتصير النجف على يديه مدينة العلوم الاسلامية، ومحط المرجعية الدينية في العالم الاسلامي، يشد الرحال إليها علماء الدين، يغترفون المعرفة من مناهلها، وتفيض معارفهم فيها. حتى قيل ان عدد طلاب الحوزة العلمية في النجف الاشرف قبيل الاحتلال البريطاني البغيض عام (1334ه/ 1914م) يقدر بنحو عشرة آلاف طالب، يمثلون جنسيات متعددة وقوميات مختلفة، حتى غدت النجف كلها: بيوتها... اماكنها العامة... مساجدها، امكنة للدراسة والبحث والمناظرة، بل لا تمر بدار من دورها، ولا محفل من محافلها إلا وتسمع اصوات المذاكرة بالمسائل العلمية على انواعها. واستمرت اعداد الطلاب بين مد وجزر حسب الظروف الاجتماعية والاحوال المادية المحيطة. ولعل في عدم وجود شروط في الانتساب للحوزة العلمية ما يجعل عدد الطلاب في ازدياد يوما بعد آخر، اذ بامكان اي انسان ان يقصد مدينة النجف، ويتفق مع اي شيخ من اساتذة الحوزة، فيتلقى على يديه العلم، وبامكانه كذلك ان يذهب الى اي مدرسة من المدارس الكثيرة المنتشرة في النجف ليحصل على الرعاية السكنية المجانية التي تمنحها تلك المدارس عادة لطلاب العلم في الحوزة. وبتعبير آخر، فإن الدراسة الدينية في النجف مفتحة الابواب، متعددة الحلقات، وهذه الحرية في الانتساب للحوزة العلمية، كما هي في اختيار الطالب لاستاذه والكتاب الذي يدرس فيه، هذه الحرية، هي السمة البارزة في النظام التعليمي العام للحوزات العلمية عبر تاريخ ضارب في القدم. وبهذه السمة استطاعت النجف ان تعد من طلابها علماء دين كبارا وفقهاء ومصلحين كان لهم الدور البارز في المشاركة، او قيادة حركات التحرر في هذا البلد او ذاك. لا تعتمد الحوزة النجفية في طريقة التدريس نظام السنوات الدراسية، او نظام الفصول الدراسية، كما هو شأن المدارس الحديثة والجامعات المعاصرة، انما لا تزال تمارس الدراسة هناك كما بدئت على عهد الشيخ الطوسي (ت 460ه/ 1067م) معتمدة نظام الحلقات، ومعتمدة اللغة العربية الفصحى كلغة تعليمية اساسية. وكما ناضلت جامعة الازهر في القاهرة ضد العامية والانكليزية، وحمت جامعة الزيتونة في تونس اللغة العربية من البربرية والفرنسية والايطالية، فجامعة النجف وحوزتها حرست اللغة العربية من غزو بضع عشرة لغة غير عربية استطاعت ان تجتاح العاصمة بغداد ثم الموصل والبصرة. المرجعية الدينية: تعتمد الحوزة العلمية في النجف في عناصرها البشرية على طلاب، واساتذة، وعلماء، ومرجع تقليد. والمرجع بفتح الميم وسكون الراء وكسر الجيم مفرد يجمع على مراجع. والمراجع في عرف الحوزة، هم العلماء المجتهدون الكبار الذين يتولون مهمة الاشراف والتوجيه للحوزة العلمية، وتكون العلاقة بين افراد الامة وبين المرجع هي علاقة تقليد واتباع في الفتوى والاحكام الشرعية، والى هؤلاء المراجع تدفع الحقوق الشرعية، وهي عبارة عن (الخُمس) الذي يشكل ما نسبته 20$ من صافي الارباح السنوية. وبدوره يقوم المرجع بتوزيع قسم من هذه المبالغ على المحتاجين من المؤمنين، ويصرف قسما آخر في رعاية المشاريع الدينية الخيرية ورعاية المؤسسات التعليمية الدينية، ودور الايتام والعجزة والمسنين. ويشترط في المرجع ان يكون مجتهدا في علوم الشريعة الاسلامية، وان يكون عادلا بمعنى ان يكون مستقيما في سلوكه وفق شرع الله وطريقته. كما تُشترط فيه الاعلمية، بمعنى ان يكون اقوى ملكة من غيره في مجالات استخراج الحكم الشرعي من مصادره الاساسية: القرآن الكريم والسُّنة النبوية. واخيراً تُشترط في المرجع (الحياة)، اذ منع غالبية فقهاء المسلمين الشيعة تقليد الاموات ابتداء. وإذا كانت الآثار العلمية لمراجع التقليد تحكي الشيء الكثير عن عطائهم الفكري، وعن اداء دورهم العلمي، فإن تاريخ المرجعية الدينية حافل ايضا بمواقف ناصعة وقفتها المرجعية عبر موقعها القيادي التوجيهي للامة. وفتوى التنباك التي اصدرها احد مراجع الدين من سامراء عام 1909م والتي حرّم فيها شرب السجائر الاجنبية بحيث ادى ذلك الى افلاس الشركات الاجنبية المحتكرة، وتصدر صفوف المجاهدين الذين وقفوا في البصرة جنوبي العراق بوجه القوات البريطانية الغازية للعراق عام 1333ه/ 1914م) والدعم المستمر للقضية الفلسطينية ومساندة القضايا الاسلامية والعربية المصيرية. مراجع النجف: ويبرز اليوم (1419ه/ 1998م) في النجف الاشرف اسم السيد علي السيستاني (ولد سنة 1344ه/ 1925م) كواحد من مراجع التقليد البارزين في النجف، بالاضافة للسيد محمد الصدر، (ولد سنة 1350ه/ 1931م) والشيخ محمد امين زين الدين، ولد (1339ه/ 1920م)، والسيد محمد سعيد الحكيم المولود سنة (1354ه/ 1934م). وتتفاوت اعداد المقلِّدين لهؤلاء المراجع، ولكن يبقى السيد علي السيستاني هو الاشهر من بين هؤلاء، اذ ينتشر مقلدوه في ايران والعراق ولبنان والخليج العربي واوروبا وفي الهند وباكستان. ويسود بين هؤلاء المراجع كل ود واحترام وتفاهم وانسجام، كما يكن هؤلاء المراجع لغيرهم من مراجع التقليد في لبنان وايران وللازهر الشريف في مصر كل التقدير، ويتواصلون ويتشاورون مع اولئك جميعا في بعض ما تسمح به ظروفهم من شؤون العالم العربي والاسلامي وشجونه. صرخة النجف: تلك هي النجف، المدينة العربية والاسلامية في بعض جوانب عطائها الحضاري والانساني على الصعد الفكرية والادبية والفنية. وتلك هي النجف التي تعاني كباقي مدن العراق حصارا مريرا منذ سنين خلت، انعكس في بعض آثاره السلبية على مدارسها ومساجدها ومكتباتها وشوارعها، بل وانعكس على أغلى ما فيها: انعكس على الانسان في النجف. وتلك هي النجف التي تتطلع الى الجبل وهو يتمخض، ماذا سينجب؟!. (*) رئيس المنتدى الثقافي العراقي في لبنان.