عندما نشرت مقالتي الأولى في الفكر السياسي الاسلامي عام 1977، تساءل كثيرون في لبنان عن حقيقة وجود فكر سياسي اسلامي وسيط أو حديث. أما اليوم فان هناك مئات الكتب، وآلاف المقالات، بمختلف اللغات عن الفكر السياسي الاسلامي الوسيط والحديث، وعن التراث العربي في السياسة والفكر السياسي. ولا شك ان هذا الاهتمام بالفكر السياسي العربي او الاسلامي، والتراث السياسي العربي او الاسلامي يعود في جزء كبير منه الى قيام الثورة الايرانية ونجاحها في إنشاء نظام إسلامي، كما يعود لانتشار حركات الاسلام السياسي في الوطن العربي والعالم الاسلامي، وكلها تملك مشاريع للسلطة تستلهم النصوص الاسلامية الاولى، او التجربة السياسية للراشدين، او الكتابات التراثية في الفكر السياسي. لكن هنا أمرين لا يحسن ان ننساهما، أولهما ان الاهتمام بالفكر السياسي، والتراث السياسي، سابق على ظهور حركات الاسلام السياسي، وثانيهما ان علاقة الحركات السياسية العربية والاسلامية اكثر تعقيدا من ان تستوعبها مسألة الاستلهام او الاقتداء. I اكتشفت أثناء عملي في تحقيق نص سياسي جدالي يعود للعصر المملوكي عنوانه: »تحفة الترك فيما يجب أن يُعمل في الملك« لنجم الدين الطرسوسي، ان الطهطاوي استوعب اكثر ذلك النص في كتابين من كتبه، كما استوعب عدة نصوص سياسية إسلامية كلاسيكية بينها شيء من ميراث الماوردي، وابن خلدون. وكانت طريقة الطهطاوي وغيره من النهضويين (مثل التونسي والمرصفي واليازجي والمويلحي) الاستشهاد للمفاهيم الاوروبية بمقتبسات من كتب التراث السياسي والاخلاقي العربي القديم. وكان ذلك يحقق نوعا من الاستمرارية من جهة، ويوهم مشروعية للمفاهيم والمفردات الحديثة لاستنادها الى شواهد قديمة او تراثية معترف بها. وما تنبه الدارسون المحدثون الى كثافة الاستناد الى القويم. لكنهم عندما تنبّهوا في الستينات والسبعينات من هذا القرن، عزّوا أنفسهم بأنه كانت هناك »قطيعة معرفية«، سواء أكان النهضويون يستشهدون بالتراثيات تصديقا أو تبريرا. وبغض النظر عن »القطيعة« ومعناها وحدودها، فان سؤال »التصديق«، تصديق النفس، وتصديق التراث، يبقى مهما بل أساسيا. فهل كان الطهطاوي يعتقد حقا ان مفهوم الحرية الغربي، يُناظره مفهوما العدل والاحسان في التراث السياسي العربي؟ وهل كان المرصفي صاحب »الكلم الثمان« يعتقد حقا ان مفهوم الأمة والشعب الفرنسي، يناظر مفرد الامة في التراث السياسي العربي الوسيط؟ وهل كان محمد عبده يعتقد حقا ان ابن رشد يقول بالتلاؤم بين الدين والدولة شأن ما كان يراه ايضا الماوردي وابن خلدون؟ هذه اسئلة ليست قليلة الاهمية، اذ على كشف اشكالياتها تتوقف قدرتنا على فهم مشروعهم للدين والدولة والعلاقة بينهما من جهة، ومدى إيمانهم بالقدرة على التجديد والتحديث في نطاق الاستمرارية من جهة ثانية. وتأتي المرحلة الثانية من مراحل الاستعانة بالتراث السياسي الاسلامي لفهم ظواهر سياسية معاصرة، وهي مرحلة تناقش فيها العرب مع المستشرقين في فهم نظرية الخلافة التاريخية وتطبيقاتها. كان اعتقاد كثير من المستشرقين ان مشروع الخلافة استنفد حيويته وأغراضه، بينما كان كثير من العرب والمسلمين ما يزال يعتقد أنه بالإمكان تجديد مشروع الخلافة عن طريق تضمينه مفاهيم حديثة، وعن طريق استيعاب مؤسسات حديثة بعناوين إسلامية مثل الشورى والعدل. وفي الوقت الذي كان الصراع فيه يدور حول المفاهيم والمؤسسات، والدولة الوطنية العربية او دولة الخلافة الاسلامية الجديدة، كانت شخصيات ومفاهيم قد استقرت باعتبارها الشواهد الأبرز للفكر السياسي الاسلامي الوسيط: ابن خلدون، والماوردي، ثم ابن تيمية، ابن خلدون في مقدمته، والماوردي في الأحكام السلطانية، ثم ابن تيمية في السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية. وأدى سقوط الخلافة، وتواري مشروعها تدريجيا، كما توقع المستشرقون، الى تحويل نظريات الدولة الاسلامية (من خلال تلك الكتب) الى تراث تولاه الفقهاء. اما المستشرقون فقد انتقلوا للمرحلة الثالثة، مرحلة تأمل التراث السياسي الفلسفي الذي صار الفارابي نجمه الأوحد. صحيح ان مؤلفات الفارابي والفلاسفة الآخرين، كانت قد طُبعت على يد المستشرقين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لكنها اعتبرت وقتها تراثا يونانيا مقرّبا. اما في اربعينيات هذا القرن، فان مدينة الفارابي الفاضلة صارت عَلَما على المثال السياسي الكلاسيكي، المستعار من الإغريق للافتقار الى فكر سياسي اسلامي، وفشل التجربة السياسية العربية الاسلامية الوسيطة. في مطلع الستينات، بلغ المشروع السياسي العربي للتوحد والتحرر والتنمية ذروة ازدهاره، وما عاد بالإمكان اعتبار الفارابي المفكر السياسي العربي الأوحد. لكن العودة للماوردي تأخرت، وانصرف الباحثون عربا ومستشرقين لقراءة ابن خلدون واعادة قراءته. لكن هذه المرة، ليس للاستعانة به على فهم الماوردي ونظريات الفقهاء، بل باعتباره واضع قوانين فهم عصبيات الملك العربي ظهورا وصعودا وانحلالا. بيد ان المسألة الدينية، أو علاقة الدين بالمُلك، لم تحلها رؤية ابن خلدون، التي اعتبرت الدين من لواحق العصبية او مؤججاتها. في ذلك الوقت (أواخر الستينات) كانت »عودة الاسلام« او »صحوته« قد ظهرت للعيان على المستويين الاجتماعي والثقافي/ الرمزي، وبدأت معالم الظهور السياسي لحركاته. اليساريون العرب والأجانب راحوا يتأملون »التراث«، ويتفحصون مظاهر حياته وحيويته، ويرون ان »صحوة« الدين، انما هي صحوة الموت، وهي ناجمة عن عدم جذرية الأنظمة العربية في معاداته. وحاول »المعتدلون« منهم ان يروا في بعض الاحداث والوقائع والنصوص، ظواهر تقدمية رأوها الحقيقة بالاعتبار والحياة، دون سواها. لكن النصوص المدروسة ظلّت قليلة، ولا تزيد عما نشره المستشرقون او درسوه. وحده ابن الأزرق، شارح ابن خلدون، كان جديدا فيما جرى تأمله من نصوص، اما فيما عدا ذلك فان ابن خلدون ظل النص الوحيد الذي درس احيانا باعتباره علمانيا، واحيانا اخرى باعتباره تقدميا، وبين هذا وذاك باعتباره عالم اجتماع او مؤرخا متنورا. لكن عندما صعدت حركات الاسلام السياسي، أعيد الاعتبار للفقهاء وعلى رأسهم الماوردي، وصار أبو الحسن الى جانب ابن تيمية، دستور اصحاب مشروعات الدولة الاسلامية. هكذا ظهرت مئات الكتب والمقالات التي تتمثل الماوردي وابن تيمية وبعض الفقهاء الآخرين بهذا القدر او ذاك. وعرفنا أسماء فقهاء منسيين من مختلف المذاهب أسهموا بهذا القدر او ذاك في نظرية الدولة (الإمامة)، او الوزارة والمؤسسات الاخرى. انها عملية إحياء عن طريق النشر والاقتباس لكل التراث السياسي الاسلامي ولدى الفقهاء وكتّاب نصائح الملوك على الخصوص. II نعلم اليوم، بعد دراسات تمّت على تقطع في نصف القرن الأخير، ان التراث السياسي العربي والاسلامي الوسيط، كان ينتظم في اتجاهات ومدارس، كُتبت في نطاقها الغالبية العظمى من النصوص السياسية. وقد صار واضحا في السنوات الاخيرة ان أقدم نصوص التراث السياسي هذه »كتاب المدينة« او »عهد المدينة« الذي وضعه النبي(ص) بين الفئات المختلفة بعد هجرته الى يثرب عام 622م، وكان القصد منه الاعلان عن ظهور جماعة سياسية جديدة، وتنظيم العلاقات القانونية بين فئاتها وأفرادها. اما التفكير السياسي الاسلامي الذي يتضمن رؤى تصالحية او صراعية حول الدولة والدين والعلاقة بينهما، والآلية الأسلم للوصول الى سلطة مشروعة فقد ظهر خلال سنوات »الفتنة الكبرى« التي ظهرت فيها احزاب اعلنت عن برامج لها. ومع استقرار السلطة الأموية بعد »الفتنة الثانية«، تبلورت توجهات سياسية وحزبية صارت تعبّر عن نفسها ليس بالخطابة وحسب، بل وبالكتابة السياسية ايضا. والواقع انه بعد قيام الدولة العباسية، فان الفكر السياسي انفصل عن العمل السياسي، بحيث يمكن القول ان العمل السياسي كان وظل عملا معارضا أساسا للنظام او الدولة او هما معا. اما التفكير السياسي فقد تولته فئات المثقفين الذين كانوا سلطة لها اعتبارها، لكن تصوراتهم وبرامجهم وتوجهاتهم ظلّت دائما تصورات وتوجهات دولتية، صلتها بالعمل السياسي المعارض ضئيلة او معدومة. وعندما نتحدث عن اتجاهات ومدارس في الفكر السياسي الاسلامي انما نقصد هذا التراث الضخم من الكتابة السياسية التي تركها المثقفون المسيسون، دون ان يعني ذلك ان السياسيين الحزبيين لم تكن لهم آثار كتابية. ويمكن تصنيف الكتابات السياسية التراثية ضمن أربع مدارس او مناهج للرؤية: مدرسة كُتّاب الديوان، ونصائح الملوك. وأقدم ما نعرفه من كتاباتها رسائل عبد الحميد الكاتب (رئيس الديوان أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية)، ورسائل ابن المقفّع المعروفة. وتملك هذه المدرسة تصورا كلاسيكيا للمُلك وضرورته بل وضروراته. ولا تهمها مباحث الشرعية، بل تعتبر الاستقرار والاستمرار معيار صلاح الملك أو فساده. ولذلك تجد مهمتها في نصيحة الملك والأمير بأفضل السياسات المؤدية لاستقرار المُلك. وتختلف أساليب كتّاب المدرسة في عرض النصيحة او الموعظة من الكتابة المباشرة والى القصة على لسان الحيوان فالمقامة الوعظية او الخطابية. وتستند الكتابات الكثيرة في هذا المجال الى تقاليد كلاسيكية عند المصريين واليونان والرومان والهنود القدامى، فيما عُرف باسم »مرايا الأمراء«، او »نصائح الملوك«. مدرسة الفقهاء. وهؤلاء ينتظمون في المشروع الاسلامي للسلطة والدولة، ويعتبرون أنفسهم مؤتمنين على الخلافة والاسلام. ولذلك تتسم كتاباتهم بطابع الشمول والتركيب، وتستند الى التاريخ والسنة (او التقليد) والاجماعات. وتتراوح في رؤيتها للمسائل السياسية بين الدستورية والقانونية بل الفقهية. ويعقد الفقهاء في الصلاة أبوابا للمسائل السياسية في آخر مجموعاتهم الفقهية، لكن عددا منهم كتب مؤلفات منفصلة في رؤية الخلافة والدولة، عُرفت أولا باسم الخراج او الأموال، ثم استقر عنوان: الاحكام السلطانية لها وعليها. وأشهر من كتب في هذا الاتجاه كما هو معروف الماوردي وأبو يعلى وابن جماعة. المدرسة الفلسفية في التفكير السياسي. وهي تستلهم النص الكلاسيكي اليوناني وبخاصة أفلاطون وأرسطو. وأشهر من كتب في نطاقها الفارابي في »آراء أهل المدينة الفاضلة«، و»السياسات المدنية«. لكن كانت لدى هذه المدرسة مشكلتان: عدم انتظام تصورها الداخلي للخلط المستمر بين أفلاطون وأرسطو (رغم اختلاف رؤيتهما للمسائل الفلسفية والسياسية)، وغربتها عن الواقع التاريخي الاسلامي في صورتها المستعارة بشأن السياسات المثالية. لكن هذا العامل وذاك لا ينفيان تأثيراتها الكبيرة على المثقفين ورجالات السلطة. مدرسة المتكلمين. وهؤلاء ذوو اتجاهات عقائدية، بل ان غرضهم في كتبهم التدليل بالعقل لصحة القصائد الدينية. ولأن الإمامة أصل من أصول الدين لدى الشيعة، فان لدى متكلميهم كتبا كثيرة عنها. اما المتكلمون من أهل السنة فيخصون الإمامة بفصل في آخر كتبهم، يعرضون فيه أيضا التصورات السنية في المسألة. ولا يمكن الحديث عن تفكير سياسي حقيقي لدى أتباع هذه المدرسة، لكنه نمط في التأليف لا غنى عن ذكره عند الحديث عن التراث السياسي الاسلامي. III سبق أن ذكرت ان الاعتراف من جانب الدارسين بوجود تفكير سياسي إسلامي، ونظريات سياسية اسلامية، يعود الفضل فيه الى حركات الاسلام السياسي، التي وصل بعضها للسلطة كما في إيران والسودان. وقد لجأ المفكرون الاسلاميون في رؤاهم وأفكارهم وبرامجهم السياسية الى مدرستي المتكلمين والفقهاء. والأدق القول ان خطاباتهم هي خطابات كلامية، اما برامجهم السياسية فمتأثرة بتوجهات مدرسة الفقهاء. ويبدو ذلك في الدستور الايراني، والدستور السوداني، ومشاريع الدساتير الاسلامية المختلفة، وإعلانات حقوق الانسان العربية والاسلامية. لكن الاقتباس وإعلان الاستلهام لا ينبغي ان يصرفانا عن حقيقة ان حركات الاسلام السياسي حركات معاصرة، وهي نتاج من نتاج الظروف الثقافية والاقتصادية والسياسية لهذا العصر، وللعوامل المحلية الخاصة بكل بلد او ناحية او مجال. وخير مثال على ما نقصده الفصل الخاص بشروط الإمام او الرئيس وكفاياته في الدستور الايراني، اذ هو شديد التأثر بفصل مشابه في »الأحكام السلطانية« للماوردي. لكن لا علاقة قطعا للماوردي بما توصل إليه الدستور من شرعنة لولاية الفقيه. بل انه يمكن القول انه حتى لو صح ان دعوة »ولاية الفقيه« تطور قديم في الفقه الشيعي، فان ظروف ظهورها وتطبيقها في إيران اليوم، لا علاقة لها باجتهادات الفقهاء القدامى، وانما الأمر اجتهاد او توجه لا بد لفهمه من دراسة الأوضاع التي كانت سائدة في إيران عشية قيام الثورة الاسلامية. وما يقال عن »ولاية الفقيه« عند الشيعة، يقال مثله واكثر منه عن نظرية الخلافة والدولة الاسلامية وتطبيق الشريعة، وغيرها وغيرها، عند الحزبيين السُنة. ففكرة الشورى مثلا، التي كانت أمرا أخلاقياً في كتب النصائح والوعظ الديني، تحولت الى عنوان وقبعة لنظام سياسي كامل في فكر الاسلاميين المعاصرين، لا يمكن طبعا اعتبار الماوردي الذي ذكر الشورى، مسؤولا عنه ولو من بعيد. فالاستلهام حاصل، لكنه استلهام رمزي، اما المضامين فكلها نتاج ظروفنا نحن، وليس نتيجة قراءة أخرى للنص وحسب. لكن: ما فائدة التراث السياسي العربي والاسلامي إذن؟ ان عشرات المؤلفات، ومئات الفصول والرسائل، في مسائل سياسية، تعبيرات مختلفة ومتعددة عن تجربة أمتنا السياسية في الحقب الكلاسيكية. وينبغي ان تدرس باعتبارها كذلك، اي من أجل الفهم والاستيعاب والتجاوز. بل ان ما يمكن دراسته ايضا طرائق تعامل الاسلاميين المحدثين والمعاصرين معها، وطرائقهم في استلهامها او تحويلها. لكن لا يمكن بأي حال اعتبار رؤية الماوردي او ابن خلدون او الفارابي مجالا لإنشاء دولة او نظام اليوم، كما حاول بعض الرؤيويين عمله مع أرسطو او أفلاطون في العصور الاوروبية الوسطى. هل هناك تراث سياسي عربي واسلامي قديم ووسيط؟ نعم، لا شك في ذلك. بل وهناك ايضا فكر سياسي إسلامي، ونظريات سياسية اسلامية. اما اذا كان السؤال: هل يمكن تأسيس دولة او نظام على أساس من ابن تيمية او الماوردي؟ فان الجواب سيكون بالقطع لا. فالماضي سمته الانقضاء. وقد يمكن لنا ان نقرأ النص السياسي التراثي من جديد لنفهم ذاك الواقع المنقضي بشكل أفضل او مختلف. ولن يضيرنا او يضير النص السياسي ان نتجاوزه باتجاه عيش تجربتنا المعاصرة، ووضع نصوصنا الخاصة، فالاستيعاب والتجاوز هما الوظيفتان الباقيتان او الواقعتان الباقيتان للتراث الثقافي والسياسي على حد سواء.