في تعليق حول هذا المفهوم الغربي وذلك بمناسبة تأميم مصر للقنال، كتب كارل دويتش مؤرخ الظاهرة القومية المعروف »بأن كل صحيفة غربية تقريبا اعلنت عن عجز المصريين عن ادارة القنال. وبأنهم سيحتاجون الى سنين وسنين قبل ان يدربوا من يتولى قيادة البواخر عبره. ولكن المصريين وجدوا فورا مرشدي السفن وتعلموا المهنة. في عام 1965 كان القنال ينقل حمولات بحرية تحت الادارة المصرية اكثر بكثير مما كان ينقله في عهد شركة قنال السويس«. وبعد عرض امثلة اخرى كان يرجح اليها هذا المفهوم والتنبيه بأن التحولات التي حدثت تنكره، ويخلص دويتش الى القول »اننا نرى بكلمة مختصرة، ان عجز الشعوب الغير غربية المزعوم عن ممارسة العمليات التقنية والعلمية الدقيقة والقاسية، وعن تحقيق تنظيم انساني، هو محض اسطورة. انهم يقدرون ان يتعلموا، انهم يتعلمون، وكثيرون منهم تعلموا. لهذا اعلن انه في الوقت الحاضر اصبح عبء الدليل بأن احد الشعوب لا يستطيع ان يتعلم صنع شيء معين يقع على كاهل هذا العجز، هذا المفهوم لا يتجه الى »العقل العربي« او »العقل« الشرقي فقط، هذا بديهي وكان واضحا في ما تقدم ان استخدامه كان واسع الانتشار بين مفكري الغرب في تحديد هوية الامم الغربية المختلفة. هنا اريد الوقوف قليلا عند التجربة الروسية لأنها تكشف، كالتجربة الصينية، وبوضوح جذري اكبر، عن النقيض التام لما كان هذا المفهوم يفرزه ولا يزال من تطورات يريدها ان تكون عملية او ذات معنى علمي ولكنها لا تلبث ان تكشف عن طبيعة ميثافيزيقية محضة امام التجارب التي تتجاوزها وتنقضها. في روسيا، والى حد ما في الغرب، كان يوجد في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مفهوم واسع الانتشار يرى ان »الروح« الروسي يتناقض مع الحضارة الغربية الحديثة اي مع المجتمع الصناعي التقني والعلمي ان هذا الروح يعبر عن ذاته في الكنيسة الارثوذكسية، والنظام القيصري، ولذلك فان الفشل محتوم على حركة التغرب لأنها تتناقض مع هذا الروح. ان اشبنجلر كتب مثلا بأن »الروسي ينظر بخوف وبغضاء الى استبدادية الدواليب، والأسلاك، والسكك الحديدية.. سيأتي يوم يمحو فيه كل هذه الأشياء من ذاكرته ومن وسطه، ومن ثم يخلق لنفسه عالما جديدا تماما لا يبقى فيه اثر لهذه التقنية الشيطانية«. ان كان اشبنجلر كتب هذا في العقد الثاني من هذا القرن، فان والتر شوبرت تنبأ بنتيجة مماثلة في كتابه »روسيا وأوروبا« الذي نشره في أواخر الثلاثينيات، اي بعد مرور عشرين عاما على انتصار ثورة اكتوبر. برغم هذه المفاهيم حدثت الثورة الشيوعية وانتصرت وسادت وغربت روسيا في جميع أبعادها، وحولتها في مدة قصيرة جدا الى دولة عظمى تتميز بثقافة جديدة متميزة. فأين كان ذلك الروح؟... هذه المفاهيم كانت ترى في »الروح« الروسي خصوصية اخرى، وهي السمة الرسولية (Messianic). ان أمالريك، مثلا، احد المنشقين الروس يكتب »الشعب الروسي يعتقد في أعماق نفسه انه يجب ان تكون هناك فقط دولة واحدة في العالم دولة عدالة أو فضيلة كاملة. روما الأولى وروما الثانية سقطتا موسكو هي روما الثالثة، ولن يكون هناك رابعة«، ثم يضيف خصوصية اخرى وهي »درجة عليا من الحسد الصرف في الروح الروسي«. د. نديم البيطار عن دراسة بعنوان »مفهوم الهوية القومية والمستقبل العربي« 1980