يتابع فرج الله صالح ديب اجتهاداته التاريخية، التي من شأنها ان تغير في المفاهيم القائمة على كتب التأريخ التقليدي، المعتمد على المؤرخين الغربيين، او من حذا حذوهم من مؤرخي الشرق، الذين بحثوا في تاريخنا وجذورنا اللغوية. فرج الله ديب الذي انطلق، منذ نقاشه لتجربة كمال الصليبي، الذي أجرى في كتابه »التوراة جاءت من جزيرة العرب« انقلابا تاريخيا على مقولة ان أرض فلسطين هي ارض التوراة والميعاد بالنسبة الى اليهود الصهاينة، تابع (ديب) المسيرة باحثا في كل العلامات والمعالم الأثرية واللغوية التي تحوّل وتقلب المفاهيم التاريخية التي تخص منطقتنا، بل ان أبحاثه المستمرة وسّعت الاكتشافات التي توصل اليها الصليبي، عندما وجد ان اليمن هي أصل التوراة وأصل اسماء القرى والمدن والجبال والأنهار والكثير من الأماكن في لبنان وفلسطين، وقد أصدر ثلاثة كتب في هذا المضمون. العبرية ليست لغة اليهود في كتابه الجديد، الذي يستكمل فيه أبحاث كتابه السابق »التوراة العربية واورشليم اليمنية« الذي اعتبر فيه ان مسرح ملوك التوراة كان في صنعاء وحولها، يطرح الكاتب السامية على أنها كذبة تاريخية لغة وشعبا، وان الفينيقية حقيقة مؤكدة بالكثير من الشواهد. يرى ديب، قبل أي شيء، ان العبرية ليست اللغة الأصلية لليهودية، فاليهود الشرقيون كانوا يتكلمون العربية والآرامية، والنص العبري للتوراة اليهودية لم يثبت الا بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، من قبل علماء مدرسة طبرية المصوريين. اما اللغة العبرية الحديثة فهي من اختراع اليعازر بن يهوه الذي نشر معجما بناء على طلب الحركة الصهيونية، بين العامين 1910 و1912، ليساعد به على عودة اليهود الموعودين بالهجرة الى »أرض الميعاد«. واذا كان العديد من الكتابات التي أطلقها مؤرخون غربيون وبعض اليهود تشكك بوجود موسى ويشوع بن نون وغزوه لأريحا وعيا، كما تشكك بقصص ابراهيم، وتتخبط في موضوع البحث عن أثر مادي تاريخي يؤكد مسرح التوراة في فلسطين، فان الكاتب يرى ان ارض فلسطين خالية من أي اسم لقرية او مدينة او خربة ذات سمة »عبرية« قبل إطلاق التسميات الصهيونية الحديثة، ويرى ان اسم التوراة عربيا من جذر تور، اي أرسل. فالتوارة تعني: الرسالات، وان اسم اليهود المنتقل الى لغات العالم هو اسم عربي نسبة للنبي هود، وهاد بالعربية تعني: رجع الى الطريق المستقيم. والنبي هود ما زال قبره في الاحقاف في محافظة حضرموت في اليمن، تماما كقبر يشوع بن نون في »سفح جبل عيبان مقابل صنعاء قرب بئر جدرين« (ص35،36). عشائر الكنعان عربية ويعتبر الكاتب ان الكذبة، تكمن في مقولة ان السامية أصل لكل اللهجات المتقاربة، المكتشفة في بلاد الشام، وتتتابع في اعتبار العبرية اختصارا للسامية. كل ذلك من اجل الابتعاد عن اعتماد اللهجات العربية في فهم التاريخ العربي. ورغم ذلك، لا يشطب الكاتب التوراة كمرجع تاريخي ولا هو يرذل نصه. لكنه في المقابل ينتبه الى غياب لفظ عبري او عبراني في القرآن الكريم، ويعتبر لفظتي عبران وكنعان مصطلحين يدلان على التناقض في نحلتي العيش للبدوي الجوال العابر والمزارع الثابت الكانع، لا على الاختلاف في العرق واللغة والدين. ويحدد ديب المسرح الجغرافي لقبائل التوراة والكنعان، من محيط صنعاء الى جنوبها، امتدادا الى جنوب اليمن. وان الفيضان السكاني لبلاد اليمن في اتجاه الشمال نشر اسماء المدن والعشائر اليمنية وبطونها في فلسطين وبلاد الشام والمحيط العربي. وقد ذكر العديد من الأسماء التي وردت في التوراة وهي موجودة أصلا في اليمن مثل: اليهودية، حبرون، بيت الهردي، جرار، حيفان، دايان، رامية، الشام، شبع، شبعان، القرمل (الكرمل) وسوى ذلك من التسميات المعروفة. كما تطرق الى النقوش اليمنية المسندية فاعتبر انها مكتوبة بلهجات مختلفة تبعا للهجة كاتبيها. واكد ان لفظة كنعان عربية وكذلك أسماء عشائر الكنعان التي وردت في النقوش، وان بعض النقوش اليمنية وجدت في حوران، قرب قصر المشتى في منطقة الصفا بسوريا، وان كل النقوش تلك خالية من ذكر كلمة توراة او كنعان او ملوك التوراة، انما ترد أسماء الكثير من الآلهة، آلهتم. وبما ان العشائر الكنعانية عشائر يمنية، فان اعتبار بعض لهجات النقوش اليمنية المسندية كنعانية أمر جائز. الجفريون فينيقيون يمنيون وفي الكلام على الفينيقيين يتوقف ديب عند عشائر الجفريين الذين ذكرهم هيرودوتس، وتغاضى عن ذكرهم قارؤوه والذين أخذوا عنهم، وقد اعتبر أنهم انما أخذوا فقرات من كتاباته عن كتب غربية. ويخلص الى ان الجفريين جماعة كانوا من بين الذين صحبوا قدموس الى »بيوتيا« ونشروا الأبجدية وما زالت آثارهم في حضرموت جنوب اليمن. والجفريون فينيقيون، وبالتالي فالفينيقيون بحارة يمنيون أصلاء طوروا حضارتهم بالانتشار. اما سبب انتشار اللغة العربية في اللغات الاوروبية، فلأن الحضارة العربية كانت تنتقل عبر الفينيقيين، فالفينيقيون العرب نقلوا خلال ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد الحضارة واللغة العربيتين الى أوروبا التي كانت وحشية في ذلك الزمن. كما نقلوا عباداتهم وآلهتهم الى اليونان والعالم، وتركبت أساطير حولها، وتحولت من دون ان يبقى المنطلق الفينيقي جليا. وفي أصل تسمية الفينيقيين يناقش فرج الله ديب ما جاء به المؤرخون: موسكاتي وفيلو وهيرودوتس وسترابون وجوستان ويوسف السودا وفيليب حتي وجواد بولس، ليخلص الى ان الاجماع شبه العام بينهم على ان الفينيقيين هاجروا من جزيرة العرب، الا انه يستطرد بذكر أسباب اعتباره الفينيقيين من أصل يمني، من خلال ما ورد في ان اسم الجفريين بين الذين نشروا الأبجدية، وقول هيرودوتس انهم جاؤوا من البحر الأريتري (الأحمر) حيث يمتد الشاطئ اليمني، وورود اسم اليمن والكثير من الأسماء اليمنية في نقوش أوغاريت رأس شمرا في سوريا، والاجماع العام على اعتبار الفينيقيين هجرة من جزيرة العرب، والتطابق بين رأس الثور على ناووس ساحة البرج في بيروت، وبين الرأس الموجود في متحف عدن، بقاء عبادة إيل في جنوب اليمن حتى العام 1000 هجري حسب ابن المجاور الدمشقي، ورود الآلهة بعل وإيل وعشتروت وثور بعل في النقوش اليمنية والاوغاريتية والآلهة الفينيقية، كون اليمن هي الأصل في أسماء غالبية المدن والقرى اللبنانية والفلسطينية، وجود كلمات عربية انتقلت مع الفينيقية الى اللاتينية واللغات الأوروبية، بالاضافة الى أسباب اخرى ذكرها الكاتب قبل ان يبدأ باستعراض الأبجديتين اليمنية المسندية والفينيقية والمطابقات بين أحرفهما. الانتشار بالحضارة وعلى ما تقدم فان الفينيقيين يمنيون أصلا، سلكوا البر الى بلاد الشام، كما سلكوا البحر ضمن امبراطوريات واسعة، وشيدوا قلاعا عند كل مسافة، وفي محطات كثيرة على شواطئ البحار، وقد وجدت آثارهم على طول الشاطئ السوري اللبناني الفلسطيني وقبرص وكريت، وديلوس وليبيا والجزائر وحضرموت وتونس والمغرب وإسبانيا وفرنسا وايطاليا وصقلية. وأهم ما ساعد على هذا الانتشار الكتابة كنتيجة لحضارة عالية وتجريد ذهني، وصناعة السفن الكبيرة. وهذا ما جعل الفينيقيين يتوسعون ويخضعون منطقة المتوسط بأكملها. يهمنا ان نؤكد من خلال ما تقدم في كتاب فرج الله صالح ديب ان النفس الكتابي الانقلابي مستمر ومتتابع في سيرته الكتابية التي تعتمد على الكثير من الاجتهاد المتواصل في سبر أغوار المراجع التاريخية والجغرافية والأثرية. بل ان الكاتب يبدو من خلال الأسلوب الذي يقدم به معلوماته معاندا في توكيد أفكاره، بالاستعانة بكل ما يمكن ان يساعد، فباللغة مرة وبالأثر الحجري والكتابي واللغوي الأبجدي واللهجي مرة ثانية، وبكتب المؤرخين التي يعمل كثيرا على غربلتها وأخذ ما يتوافق معه فيها، ورد ما يتعارض مع هدفه على أعقاب المؤرخين المعنيين ثالثا. وما يلفت هنا ان الكاتب لم يتبع أسلوب »قل كلمتك (او نظريتك) وامشِ« انما تقصد التوقف عند كل صاحب قول مغاير بالتعليق والاعتراض وأحيانا بالتقريع، وقد نال من كثيرين بألفاظ ربما كان من الأفضل للبحث الجاد الهادئ تفاديها، ومما جاء مثلا: »دونما حياء يعلن احد المستأرخين...« (مع ان النقاش يستوجب ذكر الاسم مباشرة وفتح النقاش على مصراعيه.. لكن بهدوء طبعا). »وهذا الاتهام الواضح أزعج خاطر حراس الفكر الآسن من بعض مدرسي التاريخ في جامعاتنا، لانهم يتعاملون ضمن دائرة (حكّلّي تاحكّلّك)«، »بعض الأكاديميين الذين يبيعون التاريخ على العربات«. واذا كان ذَكَر »بعض« الأكاديميين مرات، فانه عاد ليشمل عددا أكبر منهم بقوله: »لندل الى حجم الظن والهوى ومدى تكلس فكر العديد من أساتذة الجامعات عندنا، من حراس الفكر الآسن والنقلة ولصوص الكتابة«. والى ذلك لاحظنا ورود عناوين داخل فصول من الأفضل ان يكون ترتيبها في فصول اخرى. ذلك ان منهجية الكتاب كانت محكومة اكثر بملاحقة الأقوال، ومأخوذة اكثر بمناقشة الآخرين منها بشق طريق ومنهجية اكثر حرية واستقلالا. فضل فرج الله ديب انه يجتهد، رغم كل شيء، في تخليص القارئ المتابع مما علق بتاريخنا المكتوب من التباسات ومغالطات ودسائس سياسية، وذلك لن يتم الا بنفس انقلابي جريء كالذي قرأناه ونقرأه لدى كتاب قلائل نذروا أنفسهم »لارتكاب المخاطر«. أحمد بزّون