As Safir Logo
المصدر:

قضايا المكان الروائي في الادب المعاصر( راجعه قصي الحسين)

المؤلف: صالح صلاح التاريخ: 1998-06-18 رقم العدد:8022

المساحة والصغر: حركة المكان وتشتته يعتبر الدكتور صلاح صالح ان المكان هو حاضن الوجود الانساني وشرطه الرئيس، وأكثر متلازماته قابلية للتحوّل واختزال المفاهيم والاكتظاظ بعدد كبير من الحدود والتصورات والمحاميل وشحنات الجمال. إذ المكان بحسب رأيه، قابل لزحم المسافة الهائلة، التي تقوم بين أصغر مساحة يتخيلها الانسان، وأقصى ما يمكن ان يكون عليه الكون العظيم. أما الزمان، فلا يتشكل فقط في تراكم الساعات والأيام والشهور، بل هو أيضا تلك المسافة المكانية الهائلة التي تجتازها الكرة الارضية اثناء تحركها في مجالها المكاني. اما »اليوم«، فلا يعني فقط، الزمن الذي تستغرقه الأرض في الدوران حول نفسها، انه بالاضافة الى ذلك، مسافة تعبرها في المكان. ولهذا فإننا سنجد كيف تتماهى المسافتان الزمانية والمكانية، حتى ليصعب فصل إحداهما عن الاخرى، ويصبح الحيّز المكاني حيزاً زمانياً أيضاً. يحاول هذا الكتاب التخويض في الموضوعات التالية: 1 المكان الطبيعي والمكان الفني. 2 أبعاد المكان المختلفة: الجغرافي، الفيزيائي، الرياضي، التاريخي، النفسي، الموضوعي، الفلسفي، الجمالي. 3 التقابلات الثنائية والتقاطعات المكانية مثنوياً. 4 علاقة المكان الروائي بالزمن والشخصيات. وهذه الموضوعات قد عولجت جزئيا أو كليا عند بعض الباحثين القدماء والجدد، شرقا وغربا، منفصلة عن العمل الروائي، ولذلك فإن اهمية هذا الكتاب تأتي من جهة سحب هذه القضايا على العمل الروائي المعاصر، دون غيره من الاجناس الادبية الاخرى. المكان الطبيعي والمكان الفني ويبدو أن الفيلسوف اليوناني افلاطون، هو أول مَن أثار قضية المكان الطبيعي والمكان الفني نقلا عن استاذه سقراط، وفضّل الأول على الثاني حين قال ان السرير في الطبيعة أجمل وأعظم من السرير الذي يصنعه النجار، لأن الاخير يحاكي الأول ولذلك لا يستطيع أن يبلغ مبلغه، لأن الاول هو الأصل والثاني هو تقليد مشوّه للأصل الذي صنعه الله. ولذلك أمر بإخراج الأدباء والشعراء والفنانين من المدينة الفاضلة. وعندما جاء أرسطو، أعاد طرح هذه المسألة من جديد، فعارض أفلاطون، مفضّلا المكان الفني على المكان الطبيعي، خصوصا حين قال ان الجيفة تطرح في حافة الطريق، فيكرهها الناس لبشاعة واقعيتها، حتى يأتي الفنان، فيعيد تجسيدها في لوحته، فتعلّق على صدر الحائط. ولذلك نرى ارسطو يدعو الأدباء والشعراء والفنانين للانخراط في المشروع الفني بكل قوة، لأنه يمثّل امتدادا واستكمالا للمشروع الاصلي في الطبيعة والكون. وهذه المسألة التي تمثل جذر البحث في الحديث عن المكان الطبيعي والمكان الفني لم أجدها قد استوقفت الدكتور صلاح صالح، ولذلك نراه يناقش في كثير من التفاصيل حول هذا الموضوع، وهو فارغ البال تماما مما أثير عند افلاطون، ثم ارسطو.. أو عند شُرّاح الفلسفة اليونانية من الفلاسفة العرب والمسلمين، أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد ومَن حذا حذوهم من الفلاسفة الغربيين. والمسألة الثانية التي أود ان أُلفت اليها في دراسة الدكتور صلاح صالح، هي قراءته الخاطئة للمكان الروائي، خصوصا في رواية ديفو الشهيرة: روبنسون كروزويه. فالمكان بحسب نية مؤلف الرواية ليس منقطعا عن حضارة اليابسة الاوروبية، وانما هو فارغ من الناس. وقد حضر اليه البطل لاستثمار واستصلاح واحياء الارض البكر الخالية من الشعب. و»ديفو« يريد التأكيد من خلال ذلك ان الاوروبيين لم يقدموا الى القارة الاميركية المكتشفة كغُزاة ومستعمرين، ولم يدخلوا في حرب مع سكانها الأصليين من الهنود الحمر، لأنها بحسب زعمه فارغة من الناس. اما الهدف الذي يرمي اليه من خلال هذه الرواية، فهو تبرير الغزو الاوروبي لهذه القارة المكتشفة، وتبرير أعظم جريمة وقعت على الأرض، أبطالها هم الاوروبيون (الاميركيون اليوم) وضحاياها الهنود الحمر الذين أُبيدوا تماما على أرضهم. باستثناء هاتين المسألتين، أراني منشدا إلى هذه الدراسة القيّمة للمكان في الرواية المعاصرة، خصوصا حين تتحدث عن علاقة الرواية ومكانها بالسينما وتقنياتها او محاولات نقل تشكيلات المكان السينمائي والصورة التي يقدمها الفيلم، لتشكيل المكان الروائي. اذ ان التقطيعات المشهدية المختلفة، لأمكنة مختلفة، تهدف إلى إغناء الرواية بالامكنة والمشاهد واحتشادها بها. ويشير الباحث الفاضل في موضع آخر من دراسته، الى ان الدراسات الروائية العربية المتعلقة بالمكان، لم تلتفت إليه بكثير من الجدية. ولذلك جاء المكان في معظم الاحيان، في هذه الدراسات الروائية متضمنا في سواه كالطبيعة والبيئة والواقع، او مقرونا بالزمان كطرف مكمّل في المنظومة الناشئة عن تلازمها الأبدي. المتاهة في الحديث عن »أبعاد المكان« يرى الباحث ان التعامل الانساني يتواصل مع المكان، واقعيا وفنياً، خارج منطق القياس والأبعاد، لأنه يتعامل معه كمعطى وجودي، ينضمّ الى المعطيات الأكثر سلبا من معطيات الحياة. اما الحياة فهي تشهد نوعا من التشتت المكاني وفقدان السيطرة والاتجاه، مما يؤدي الى ولع واضح بالمتاهة وبسيطرة المكان على الانسان، وبفقدان القدرة على الفهم، مما يزيد من غربة الانسان عن الفضاء الذي يعيش فيه. ومن هنا كان من الطبيعي ان يتسم المكان بقدر من الحيادية، في عالم لا يعبأ بالانسان ولا يستجيب لسيطرته عليه، وان يتسم المكان بسمات أسطورية او خيالية، تجعل له وجودا مستقلا، يحاور وجود الشخصيات ويخضعها احيانا لنفوذه. بناءً على ذلك، ينظر الباحث إلى أبعاد المكان في الرواية المعاصرة، فيبدأ بالحديث عن البُعد الفيزيائي، حيث يصبح للمكان مثلا قيمة بصرية شديدة الجمال، إن من حيث المشهد البصري او من حيث القيمة السمعية الموسيقية. وهو يرى ان التكوين الفيزيائي، يسهم في تشكيل كل ما له علاقة بالأبعاد او التصوير البصري. إذ قدرة الصور على خلق الفضاء المكاني، تعود الى ان الصور تُري العين شيئا أوّل الأمر، ثم تدعو الذهن الى الدخول. فالعين ليست جهازا رخيصا سلبيا للاستقبال، بل هي أداة تشكيل. وهذه المسألة، ناقشها »كولرج« في نظرية الخيال، حين تحدث عن الخيال الأولي الذي يشترك فيه الناس عموما عبر حواسهم، التي هي نوافذهم الحقيقية التي يتحسسون من خلالها مادة الكون الفيزيائية. كما تحدث ايضا عن الخيال الثانوي الذي حصره فقط بالأدباء. إذ بالخيال الثانوي يُعاد تشكيل المادة الفيزيائية فنياً. وكنتُ أتمنى لو اطلع الباحث على نظرية الخيال عند »كولرج« وأفاد منها في هذا الباب. بالاضافة إلى ذلك، يتحدث الدكتور الفاضل عن البُعد الرياضي الهندسي للمكان، اذ في صياغات الروائيين لأمكنتهم، تتعدد الرؤيات الهندسية والرياضية للمكان، إضافة الى كثرة الاستعارات المجازية في رسم المكان وتصويره، واتكائها على الأشكال الهندسية وتعابير الرياضيات. فمؤنس الرزّاز في »متاهة الأعراب في ناطحات السحاب« يحوّل العالم الى دائرة في الهواء رسمها الضابط العثماني وقال: »لا تخرج من محيطها«. كذلك يتحدث عن البُعد الجغرافي من خلال وصف الروائيين لتضاريس الأمكنة وتقرير طبيعتها وأشكالها وفق التسمية الجغرافية والجيولولية. أما البعد الزمني التاريخي، فهو يظهر في معظم الامكنة التي تعرّض لها الروائيون، وقد برز فيها احتشاد التاريخ والزمن فيها، مثل الأبنية الاثرية والتاريخية، والأطلال ذات الدلالة على ماضي الانسان وقوة حضوره في المكان. تقاطعات وقد تداول الدكتور صلاح صالح الحديث عن البعد الذاتي/ النفسي للمكان، وكذلك عن البعد الواقعي/ الموضوعي، والبعد الفلسفي/ الذهني والبعد التقني/ الجمالي. وقال في نهاية هذا الفصل ان ما ذكره من طرائق لرسم الأمكنة وتشكيلها، لا يعني استيفاء الطرائق لوجودها الشامل، لأنه توجد طرائق اخرى يمكن ان تخرج عن دائرة الأنساق التي استقرأها، وخصوصا ان مادة الرواية تشهد على تنامي الحياة المتزايد، وبالتالي على تنوّع الرواية وغناها بألوان الحياة الجديدة. ولا شك أن الدكتور صلاح صالح كان قد أثرى هذه الدراسة التي تتحدث عن قضايا المكان في الرواية المعاصرة، حيث استقرأ التقابلات والتقاطعات التي كثيرا ما يلجأ اليها الروائيون في أعمالهم الفنية. فقد استقرأ مثلا التوسع والتكثّف او المساحة والصغر، كما ورد في رواية »قدر الغرف المقبضة«، حين يقول الكاتب في كلمتين: »الصحراء والقمقم«، كل ذلك التوسع والتكثيف: »من المستحيل الخروج من قمقم الصحراء«. ويتابع د. صلاح صالح استقراء تقاطع الثراء والفقر، والخارج والداخل، والواقعي والخيالي والسطح والعمق. بالاضافة الى تقاطع الحياة والجماد والحركة والسكون. ويقول: ربما كانت أمثلة التقاطع بين الحركة والسكون في المكان الروائي قليلة، قياسا الى الوفرة النسبية في أمثلة التقاطع الاخرى. وهذا لا يقلل من وضوح التقاطع وتواتره في عدد كبير من الروايات، إذ الواضح المتكرر كالنادر، تكفيه غالبا أمثلة قليلة لتقديمه والتدليل عليه، كما يقول الباحث. وعلاقة المكان الروائي بالزمن والشخصيات، هو الفصل الاخير من دراسة الدكتور صلاح صالح. وقد بيّن خلال هذا الفصل، ان المكان ثابت، اما الزمن فهو متحرك. وقال أيضا ان الانسان بشكل عام اكثر احساسا بأبدية الزمان من أبدية المكان. هذه المقولة تجعلنا أيضا ندرك ان العربي يعيش في الزمان اكثر مما يعيش في المكان في العصر السابق على الحضارة. اما حين استطاع الانسان اغناء حضوره في المكان بالحضارة، نراه يلتفت اليه ويموت دونه شهيداً. كذلك تحدث عن المكان المتحرك والزمن المتقطع الذي يعاني من الجمود. ويقول إن »رجال في الشمس« لكنفاني، تمتلئ بالأمكنة التي يتباطأ فيها الزمن الى درجة التوقف سواء في الصحراء المكشوفة تحت الشمس المرعبة، او في الخزّان الذي توقف فيه الزمان، قبل ان تتوقف فيه حياة الفلسطينيين الثلاثة، في الوقت الذي كان فيه الخزان المكان، يسير على الإسفلت بسرعة جنونية. إن محاولات رصد الحركة المتساوقة للزمان والمكان، أو رصد سكون الزمن وجموده وسكون المكان وجموده ايضا هي اكثر ما اشتغل عليها الباحث في خواتيم دراسته، وقد استطاع بذلك ان يقدم لنا استطلاعا عظيما في عالم الرواية المعاصرة، التي تبنى عادة على اساس من هاتين النقطتين المركزيتين في كل عمل روائي أو فني على الإطلاق. قُصيّ الحسين

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة