As Safir Logo
المصدر:

الوجه الاخر للاحياء الاسلامي

المؤلف: السيد رضوان التاريخ: 1998-06-18 رقم العدد:8022

مشهد نادر في صراحته ودلالاته، شهدتُه في تلفزيون أبو ظبي قبل شهرين. فقد اعلن التلفزيون عن استقبال الشيخ زايد للداعية الاسلامي الكبير الشيخ محمد متولي شعراوي. ثم ظهرت صورة الشيخ زايد على الشاشة، وعن يساره بعض من اولاده الكثر، ثم دارت الكاميرا ببطء بالغ لتعرض الشيخ زايد من جديد وتتعداه الى الشيخ شعراوي الجالس عن يمينه. وبعد ان تبادلا الحديث والثناء لأقل من دقيقة، بدأ الشيخ شعراوي بانشاد قصيدة في الشيخ زايد ومكارمه وامجاده. ما فعل الشيخ ما كان يفعله الشعراء العرب القدامى من الوقوف بين يدي الممدوح، بل بقي جالساً مكانه على يمين الامير، وهو يصغي اليه ويهز رأسه طرباً وتقديراً. الشيخ شعراوي في الاصل خريج احد المعاهد الازهرية، التي تهيء طلابها للوعظ والارشاد والتعليم. وقد انضم في الخمسينات الى صفوف اساتذة جامعة الازهر، ثم ما لبث قانون الازهر رقم 106 للعام 1961 أن اخرجه منها، فمضى الى الخليج حيث تصاعدت شعبيته في اوساط الشيوخ في قطر والبحرين ودبي وابو ظبي. افاد الشيخ شهراوي من صعود الاحيائية الدينية الاسلامية، لكنه ظل شديد التجنب للاسلام السياسي الذي اراد مصارعة رجالات الحكم في سائر البلدان العربية، على السلطة. صحيح انه يملك صداقات بين رجالات التيار الرئيسي للاخوان المسلمين، لكنه ما اقترب حتى من الدعوة لتطبيق الشريعة. دعوته دعوة اجتماعية صريحة لرجالات الدولة، من حيث انها ترضي المشاعر الدينية، وتحفظ التقاليد الاجتماعية، وتطمئن المشاعر الثائرة الى تدين المسؤولين، وحبهم للشعب، وضرورة »حب« الشعب لهم، باسم الاستقرار، وواجب »السمع والطاعة« للسلطان. صرح أواخر الثمانينات ضد ثورة يوليو وجمال عبد الناصر. لكن شهرته الباذغة اواخر الستينات كانت قد نبهت اليه الأجهزة الناصرية أيضا، وبدأ ظهوره على التلفزيون الذي صار منتظما بعد منتصف الستينات أيام عبد الناصر. بدأ الشيخ شعراوي جلساته المصرية لتفسير القرآن في جامع عمر مكرم بساحة التحرير. وكان قد سبقه لذلك الدكتور مصطفى محمود، لكن في حين اراد مصطفى محمود (الطبيب النسائي) إثبات الاعجاز العلمي للقرآن، أراد الشيخ شعراوي من وراء التفسير إثبات شمولية الاسلام، وقابليته للحياة الحديثة، والمسالمة بين المجتمع والدولة، وامكان التعاون والتضامن بين الاغنياء والفقراء من اجل حياة مستقرة راضية. جاء عهد الرئيس السادات، مع دولة »العلم والايمان« فصعد نجم الشيخ شعراوي الذي حمل لواء الدعوة للرئيس ودولته، حتى صار وزيرا للأوقاف في احدى حكوماته. وامتدت وجوه نشاطه وتعددت بعد تركه للوزارة أواخر السبعينات، وصار معروفا انه »مؤسسة« وليس فردا، إذ كانت تتجمع لديه عشرات الملايين من الدولارات سنويا من شيوخ الخليج، والبورجوازية المصرية »التائبة«، ليعيد انفاقها في وجوه الخير والبرّ. فالزكاة والصدقات من وجهة نظره ونظر زميله الشيخ يوسف القرضاوي كافية لحل »مشكلة الفقر« في العالم الاسلامي. ولهذا لا حاجة للنزعات الاشتراكية التي عرفها الاخوان المسلمون في الخمسينات، على ان ذلك كان احتلالا من الشيوعية الدولية، كشفه الملك فيصل، وحلفه الاسلامي. لكن: كيف ينظم المسلمون اقتصادهم وسط غلبة النظام المالي العالمي؟! الجواب عند الشيخ شعراوي بسيط: بيوت المال الاسلامية، والمصارف اللاربوية، التي عمل في مجال الفتوى في عددٍ منها. أما نشاطات الشيخ الذي تنتشر تسجيلات دروسه بمئات الألوف، وتتحول الى كتيّبات شعبية في السنوات الاخيرة، فقد امتدت الى أوساط الفنانات اللواتي كنّ يدفعن له الزكوات سرا، ثم أقبل عدد منهن على دروسه وتُبْن وتحجبن. قبل أسبوعين، صرّح الشيخ شعراوي ضد قانون التعليم الجديد بالأزهر. ما نسي الشيخ أن قانون إصلاح الأزهر أخرجه منه مطلع الستينات. فالجامع الأزهر فسد منذ أُنّث (جامعة). لكن المسؤولين السياسيين الذين يدركون تأثيره في البورجوازية المتدينة والرأي العام، سارعوا لتنبيهه الى الخطأ الذي وقع فيه، فأعلن غير متهيّب أنه أخطأ، وان حكمة المسؤولين كانت أبعد نظرا منه. ريتشارد أنطون في كتابه عن »الدعاة الاسلاميين الجدد« يعتبره أحد أكبر الوعاظ الشعبيين في الإسلام المعاصر. أما هو فقد ظل يشعر انه لم يقم بكل ما يستطيع لقيادة المجتمع المصري الى »رحاب الله«. ليس بالوسع مقارنة الشيخ شعراوي بمحمد الغزالي او القرضاوي او أبو زهرة في الفقه والاجتهاد، لكنه ولا شك كان أكثرهم قدرة على الإقناع، وعلى التأثير في أوساط العامة، ونساء البورجوازية المدينية. ولا شك ايضا انه أسهم الى حد كبير في صياغة الصورة التي نعرفها اليوم للإحيائية الاسلامية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة