حسمت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل برئاسة القاضي غالب غانم مسألة شائكة تتعلق بانتخاب الرئيس ونائب الرئيس للمجالس البلدية المنبثقة عن العمليات الانتخابية الأخيرة. وأعطت الاستشارة التي اقترنت بموافقة المدير العام لوزارة العدل الدكتور وجيه خاطر الضوء الأخضر للمحافظين والقائمقامين لاجراء »انتخابات القمة« للمجالس البلدية غير المتجانسة، أي تلك التي فاز بها أفراد من لوائح مختلفة نتج عنها اختلافات على العضو الذي يجب أن يكون رئيسا. إلا أن انتخابات بعض المجالس البلدية لا تزال عالقة في انتظار أن يبدي الرئيس غانم رأيه في مسألة أخرى لا تقل حساسية لم يلحظها القانون إطلاقا وتتعلق بمصير المقعد البلدي الذي يشغر بسبب نجاح قريبين ممنوعين في القانون، وما إذا كان المقعد الشاغر يبقى كذلك أم يتم ملؤه بآخر. وتبقى انتخابات المجالس التي تشهد هذه الإشكالية معلقة بالنظر الى أهمية الصوت الذي سيدلي به »العضو الرديف« في تغيير نتائج القمة. وبالعودة الى الاستشارة التي أبديت أكد الرئيس غانم ان الانتخابات يجب أن تتم في جلسة واحدة وبالأغلبية النسبية وليس بالأغلبية المطلقة. الإشكالية التي طرحها مدير عام الداخلية عطا الله غشام بعدما نقلها اليه محافظ جبل لبنان محمد سهيل يموت تتعلق بتفسير المادة 11 من المرسوم الرقم 118/77 ويقول: »من الفقرة 3 من المادة المذكورة ان المجلس البلدي ينتخب من بين أعضائه رئيسا ونائب رئيس بطريقة الاقتراع السري وبالأكثرية المطلقة ولمدة ولاية المجلس البلدي وذلك في أول جلسة يعقدها. ولم تلحظ المادة حالة إذا لم تتوفر الأصوات التي تشكل الأغلبية المطلقة. فهل يتم التصويت مجددا وفقا للنسبة المطلوبة أو يصوت وفقا لنسب مختلفة في الاجتماع عينه أم يتم تحديد اجتماع لاحق للتصويت«. ولكن ما دام ان هذه المادة تنص صراحة على الأكثرية المطلقة (وهي ما زاد عن نصف عن العدد الاجمالي) فكيف توصل غانم الى الاجتهاد بالفوز بالأكثرية النسبية (وهي نيل أحد المتنافسين العدد الأكبر من الأصوات)؟ جاء في الاستشارة: حيث نص البند 3 من المادة 21 من القانون رقم 665 المنشور بتاريخ 30/12/1997 (تعديلات على بعض النصوص في قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب وقانون البلديات وقانون المختارين) على ما يلي: »ينتخب المجلس البلدي من بين أعضائه رئيسا ونائب رئيس بطريقة الاقتراع السري وبالأكثرية المطلقة ولمدة ولاية المجلس البلدي، وذلك في أول جلسة يعقدها، في الموعد والمكان اللذين يحددهما المحافظ أو القائمقام ضمن مهلة شهر من تاريخ إعلان نتيجة الانتخاب. يرأس الجلسة أكبر الأعضاء سنا. عند تعادل الأصوات بين عضوين يفوز الأكبر سنا. وإذا كانا من عمر واحد يلجأ الى القرعة«. انطلاقا من هذا النص، نسوق الملاحظات الآتية: أولا: حيث من الواضح ان النص يتحدث في فقرته الأولى عن الجلسة الأولى التي يعقدها المجلس البلدي في سبيل انتخاب الرئيس. ثم يعود في فقرته الثانية ويقول إن أكبر الأعضاء سنا يرأس الجلسة. وهو يعني الجلسة الأولى نفسها إذا اكتمل فيها نصاب الاجتماع طبعا ، بدليل الترابط الأكيد بين الفقرتين، والمتجلي بشكل أخص عن طريق استعمال »أل« التعريف عند كلامه على »الجلسة« في الفقرة الثانية. وفي ذلك ما يستبعد كل ظن في التفسير، أو كل احتمال يذهب الى ان ثمة أكثرية مطلقة يقتضي أن ينالها الرئيس ونائبه في جلسة أولى، على أن يجري التخلي عن التمسك بالأكثرية المطلقة في الجلسات اللاحقة. من هنا النتيجة الاولى المتأتية عن التعليل، وهي أن الجلسة التي تذكرها فقرتا البند الثالث من المادة 21 هي ذاتها في هاتين الفقرتين. ثانيا: حيث من الواضح ايضا ان الفقرة الثانية تطرح احتمالا ممكن الحدوث وهو تعادل الاصوات بين عضوين ونحن نشير الى ان هذا التعادل يمكن ان يحصل بين اكثر من عضوين كذلك . ولدى حدوث هذا التعادل، (بين اثنين، كما بين أكثر منهما برأينا) يفوز الاكبر سنا. والحل الذي اعتمده النص لهذه الجهة عملي اذ من شأنه الحؤول دون عرقلة الانتخابات كلما تمسكت كل فئة تواجه فئة اخرى بموقفها، غير مستعدة لزحزحة هذا الموقف حتى ولو تكررت عملية الانتخاب. من هنا النتيجة الثانية المتأتية عن التعليل، وهي ان المشترع تنبه الى امكان حدوث التعادل في الاصوات في الجلسة القانونية المنعقدة بهدف الانتخاب ، وتبنى حلا عمليا يحول دون عرقلة العملية الانتخابية. ثالثا: حيث من المبادئ الراسخة في تفسير القوانين، او الأعمال القانونية، وجوب إعمال النص لا اهماله. من قبيل ذلك، على سبيل التمثل، ما جاء في المادة 367 موجبات وعقود، ومآله انه »يفضل المعنى الذي يجعل النص ذا مفعول على المعنى الذي يبقى معه النص بلا مفعول«. تطبيقا لهذا المبدأ، نذكر أنه لو اعتبرنا مصطلح »الاكثرية المطلقة« الوارد في سياق البند 3 من المادة 21 المعالجة عائدا الى مجموع الأصوات التي يقتضي ان ينالها العضو المرشح ليصير رئيسا للبلدية او نائبا للرئيس... لو اعتبرنا ذلك لعطلنا جزءا أساسيا من النص (أي الفقرة الثانية من البند 3)، ولواجهنا احتمالا جديا هو إمكان تعطيل النص بمجمله (أي البند 3 بفقرتيه). فمن نحو، لا مجال للقول بأكثرية مطلقة وبتعادل الاصوات في آن. فهذان ضدان لا يجتمعان. وحيث تفرض اكثرية مطلقة، لا مجال لطرح مسألة التعادل. ولا محل للكلام على جلسات لاحقة للجلسة الاولى المنعقدة بنصاب قانوني، في ضوء ما تطرقنا إليه آنفا. ومن نحو ثان، من المألوف انه قد يترشح للرئاسة او لنيابة الرئاسة اكثر من عضو، ويظل كل من هؤلاء حائزا على عدد من الاصوات لا يشكل الاكثرية المطلقة. فماذا تكون النتيجة؟ انها تعطيل الانتخاب، واصابة المجلس البلدي، والعمل البلدي، بالشلل (...). من هنا، النتيجة الثالثة وهي ان مبدأ إعمال النص لا اهماله يفرض البحث عن تفسير منطقي، وعن حل عملي، يستبعدان، في المنطلق، كل اتجاه الى تعطيل احدى فقرتي البند 3 من المادة 21، او الى تعطيل البند برمته. رابعا: حيث نشير الى ان الاكثريات المتواضع عليها في إطار المجالس البلدية او سواها تكون اما مطلقة واما نسبية، وإما مقواة. حيث في ضوء القسم السابق من التعليل وقسمه اللاحق أيضا نشير الى انه يكفي للفوز برئاسة المجلس البلدي او بنيابة الرئاسة نيل المرشح الاصوات التي تجعله في وضع الاسبقية في عدد الأصوات بالقياس الى المرشحين الآخرين. ومما يدعم التعليل، ومما يؤكد استبعاد ربط الأكثرية المطلقة بالاصوات المطلوبة للفوز، هذان السببان اللاحقان اللذان، وإن نحا كل منهما منحى مختلفا، فهما يصبّان في النتيجة المنطقية العملية ذاتها: السبب الأول، هو أن الأكثرية المطلقة المذكورة في النص واجبة لانعقاد الجلسة بشكل قانوني، وهي بالتالي مرتبطة بنصاب الجلسة لا بشرط الفوز. هذا مع العلم بأنه ليس في قانون البلديات (القانون رقم 118/77)، والتعديل الطارئ بموجب القانون رقم 665/97، ما يشير الى نصاب الجلسة الأولى، سوى ما اشرنا اليه. والسبب الثاني هو الآتي: لو سلّمنا، على سبيل الافتراض الخالص والجدل المطلق، بأن الأكثرية متعلقة بالنسبة اللازمة للفوز، لكان علينا عدم التوقف امام هذا المصطلح العام للتحري عن نيّة المشترع الحقيقية، ولأضحى لازما تتبّع هذه النية بالانطلاق من كل النص لا بعضه. والكل يفيد بأن التعادل في الأصوات حالة لا يمكن ان تتلاقى مع الأكثرية المطلقة. ونيّة المشترع الصحيحة لا يمكن ان تظهر من خلال المصطلحات العامة (او العناوين) عند وجود التفصيل والتخصيص والتوضيح. وهذه جميعا موجودة في الفقرة الثانية من البند الثالث من المادة 21. وهي أدل على نية المشترع وعلى معنى النص. نقول هذا كله مع التنويه بأن المادة 68 من قانون البلديات كانت تنص على أن انتخاب الرئيس ونائب الرئيس في بلدية بيروت يتم بالاكثرية النسبية (اما في البلديات الأخرى فبالانتخاب العام المباشر)، علما بأنها تلحظ حالة التعادل في الاصوات. ومع التنويه ايضا بأن المادة 39 من قانون البلديات السابق (الملغى) الصادر بتاريخ 29 أيار 1963 كانت تنص على الأكثرية النسبية ايضا، علما كذلك بأنها تلحظ حالة التعادل في الاصوات. وليس في هذين النصين اللذين انسجمت فقراتهما ما يفرض القول ان المشترع شاء التخلي عن الأكثرية النسبية جاعلا إياها مطلقة في النص الجديد. فالأمر مستحيل التحقيق كما بيّنا سابقا. من هنا النتيجة الرابعة، وهي ان الأكثرية اللازمة لفوز المرشح للرئاسة او لنيابة الرئاسة، في الجلسة الأولى القانونية المنعقدة لانتخابهما، ليست الأكثرية المطلقة، بل النسبية. ولدى التعادل يفوز الأكبر سنا.