As Safir Logo
المصدر:

اشكاليات تطوير الازهر ونظامه التعليمي

المؤلف: السيد رضوان التاريخ: 1998-06-11 رقم العدد:8016

I أُثيرت في الأسبوعين الأخيرين قضية النظام التعليمي في الأزهر من جديد، بمناسبة التعديلات التي اقترحها شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي لتطوير المرحلة الثانوية في ذلك النظام. فقد اقترح »الامام الأكبر شيخ الأزهر« تخفيض سنوات الدراسة من أربع الى ثلاث، كما هي عليه الحال في نظام التعليم العام بمصر. والواقع أن هذا المقترح، الذي يتضمن إعادة النظر في البرامج بشكل جذري يتناول المرحلتين الابتدائية والإعدادية أيضا، هذا المقترح يعود لأيام شيخ الأزهر السابق جاد الحق جاد الحق، الذي كان قد طواه عندما ساءت العلاقة بينه وبين النظام بمصر، لأسباب لا تتعلق بالأزهر بشكل مباشر، بل تتصل بمعاملات البنوك، وطرائق التعامل مع الحركات الاسلامية، ومسائل التطبيع مع إسرائيل. أما شيخ الأزهر الحالي فهو على علاقة جيدة بالنظام السياسي في مصر كما تدل على ذلك مواقفه وآراؤه في القضايا السالفة الذكر، والتي يعود بعضها الى فترة توليه لمنصب مفتي مصر، وصراعه مع شيخ الأزهر السابق حول الكثير من القضايا، فضلا عن التنازع في الصلاحيات بين الرجلين والجهتين. بيد أن الأمر لا يقتصر على ذلك. فإذا كان موقف شيخ الأزهر السابق هو موقف المحافظين، والتيار الرئيسي في الاخوان المسلمين، فإن موقف الامام الأكبر الحالي، يتلاقى مع رغبة قطاعات واسعة بالأزهر، كانت ترغب منذ السبعينات، في تعديل بنود كثيرة في القانون التحديثي للأزهر الذي أصدرته ثورة يوليو عام 1961، وبُدئ بتطبيقه عام 1962. وعندما مضيت مع زملاء من لبنان للدراسة بالأزهر عام 1966، كان الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف وشؤون الأزهر، قد أُقيل من منصبه عام 1964. وكان البهي الى جانب حسين الشافعي وكمال الدين حسين (من كبار رجالات ثورة يوليو) القوة الدافعة وراء ذلك القانون. وقد أخبرني البهي عندما زرته في منزله في ربيع العام 1967 مع طالبين أحدهما سوداني والآخر من جنين بالضفة الغربية، أن عزله من منصبه كان من حيث الظاهر، عائدا لسخط الأزهريين عليه بسبب حماسه للقانون وإسراعه في تطبيقه، وآلاف البرقيات التي طُيِّرت من جانب شيوخ الأزهر الى الرئيس جمال عبد الناصر مطالبة بإقالته. أما الحقيقة حسبما قال فإن عزله جاء على خلفية معارضته الشديدة للتعاون التربوي الذي أُريد فرضه بين المؤسسات الاسلامية في الاتحاد السوفياتي والمعاهد الثانوية الأزهرية، وجامعة الازهر. كما كان بسبب معارضته لإدخال مادتي القومية العربية، والاشتراكية العربية، ضمن مقررات التعليم العالي في السنة الأولى بالأزهر، رغم عدم وجودهما في المشروع الأصلي للقانون. وقد تحدثت إلى الأستاذ محمد المبارك ببيروت في صيف العام 1969 حسبما أذكر حول المسألة. والأستاذ المبارك كما هو معروف كان في شبابه وكهولته أحد مفكري الاخوان المسلمين البارزين في سورية من حول الدكتور مصطفى السباعي، وشارك من ضمن مؤسسات دولة الوحدة يومها في إعداد مشروع القانون، والبرامج التفصيلية الملحقة به. وقد ذكر لي أن العمل في مشروع القانون بدأ عام 1959، واستمر حتى أواخر العام 1960. لكن صبر كمال الدين حسين نفد لتطاول المدة، فسارع الى عرضه على البرلمان المصري، ثم البركان الاتحادي، متجاوزا ما اقترحته اللجنة المشكّلة برئاسة البهي (كان وقتها مدير إدارة الثقافة بالأزهر) من ضرورة عرضه على هيئة كبار العلماء بالأزهر، وشيخ الأزهر. منذ ذلك الحين (مطلع العام 1961) تحول موقف شيخ الأزهر محمود شلتوت (1958 1963) من القانون، واتجه لمعارضته معارضة سلبية مع كبار العلماء من زملائه حتى وفاته بعد قليل. وبعد الانفصال بقليل أُعيد تشكيل الوزارة بمصر، وأُتي بالدكتور البهي وزيرا للأوقاف وشؤون الأزهر ليسارع الى تطبيق القانون، غير آبه للمعارضة شبه الاجماعية له من جانب الأزهر شيوخا وطلابا. ولا أذكر أن البهي الذي استمرت علاقتي به حتى وفاته عام 1982 ذكر مرة الشيخ شلتون بخير او شرّ. لكنه كان يُعيد التراث الاصلاحي بالأزهر الى الامام محمد عبده ( 1905)، وتلميذه الشيخ محمد مصطفى المراغي ( 1946) الذي كان البهي يعتز به باعتباره أُستاذه متجاهلا الشيخ شلتوت، زميل المراغي الأصغر، الذي كان معروفا باجتهاداته الفقهية، وطروحاته الاصلاحية منذ الأربعينات. ما كان موقف ثورة يوليو 1952 من الأزهر سلبيا. وبخاصة أن الصدام المدوي مع الاخوان المسلمين عام 1954، احوج شباب الثورة (الذين كان اكثرهم من المتدينين) الى البحث عن مشروعية اسلامية ما وجدوها في غير الأزهر. اما شيوخ الازهر من جانبهم (وكثرتهم الكاثرة من أصول ريفية) فانهم كانوا يعانون من تضاؤل نفوذهم في أوساط العامة والمسؤولية والمثقفين المتدينين في المدن، منذ صعود نجم الشيخ حسن البنا، وحزبه الاسلامي. هكذا تلاقت مصالح الطرفين على دعم المؤسسة الازهرية العريقة، وتطويرها بحيث تتمكن من الاضطلاع بالمسؤوليات المعتادة والمستجدة، وتستمر في بلورة وجه مصر الاسلامي في الخارج، الخارج العربي والاسلامي، والخارج العالمي. بيد ان هم المشروعية هذا، تساوق بل وتنافس مع همّ آخر تحديثي وانمائي ما لبث ان غلب على كل اعتبار آخر لدى رجالات الثورة والدولة. فجاء مشروع القانون ليعكس هذين الهمين معا. II رمى قانون تطوير الازهر الصادر عام 1961 إلى إقامة توازٍ بين نظام التعليم العام بمصر، ونظام التعليم بالمعاهد الأزهرية، بحيث يتمكن تلاميذ الازهر من الاختيار بين البقاء حتى الدراسات الجامعية بالأزهر، او الدخول في نظام التعليم العام، والذهاب الى معاهد وجامعات التعليم العام ان أرادوا. وهكذا فقد كان على تلامذة الأزهر ان يدرسوا البرنامجين معا في مرحلتي التعليم الاعدادي، والتعليم الثانوي. لذلك اضطر المخططون الى زيادة سنوات الدراسة الثانوية بالمعاهد الأزهرية من ثلاث الى أربع. اما في المرحلة الجامعية، فقد أضيفت الى كليات الازهر التقليدية (اللغة العربية، والشريعة، وأصول الدين) كليات التجارة، والطب، والهندسة، وكليات البنات، ومدرسة الألسن. وضمن الكليات التقليدية استحدثت أقسام حديثة للفلسفة والدعوة والدين المقارن (بكلية أصول الدين)، وللنقد الأدبي، والأدب المقارن، واللغات الحية والقديمة، والتاريخ والآثار (بكلية اللغة العربية)، وللقانون وفروعه (بكلية الشريعة التي أطلق عليها اسم: كلية الشريعة والقانون، وزيدت سنوات الدراسة الجامعية فيها سنة واحدة بحيث صارت المرحلة الجامعية الاولى خمس سنوات). وقد استتبع ذلك المرور بمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات ما لبثت ان امتدت الى عشر لإعادة تدريب الاساتذة (الشيوخ) الذين فرض عليهم الحصول على الماجستير والدكتوراه، بعد ان صارت »عالمية« الأزهر معادلة لليسانس او البكالوريوس. وما نحّي أحد من الشيوخ عن التدريس بالجامعة، لكن نظام الترقيات والدرجات والعلاوات تأثر تأثرا محسوسا تبعا لنشاط الأستاذ الشيخ، وإقباله على اعادة التدريب او عدمه. وتغير تنظيم الأزهر تغيرا جذريا. فقد انقطعت صلة الجامعة الأزهرية بشيخ الأزهر، وصار لها مدير، ومجلس للجامعة، وألغيت هيئة كبار العلماء، وأنشئ مجمع البحوث الاسلامية وصار له أمين عام، ولم تعد عضويته قاصرة على المصريين وإن ظلوا اكثرية فيه. اما المعاهد الأزهرية فقد ظل شيخ الأزهر مشرفا عليها إشرافه على مجمع البحوث، لكن من ضمن هرمية وتسلسلية إدارية تعطيه سلطة وصاية لا أكثر. وقد سُمح لشيخ الأزهر في السبعينات بإنشاء لجنة للفتوى تابعة له، لكن وهج هيئة كبار العلماء مضى الى غير رجعة. رأت ثورة يوليو ان قانون تطوير الأزهر يخدم الأزهريين ومصر والعالم الاسلامي، اذ انه يعيد شباب الأزهر (وشاباته) الى مجرى الحياة التعليمية والعامة بمصر بعد ان انفصل النظامان أواخر ايام محمد علي ( 1948). صحيح ان طلاب المعاهد الأزهرية الذين كانوا يعملون وعّاظا وأئمة بوزارات الأوقاف والشؤون الدينية بمصر والخارج، زادت سنوات دراستهم، وأثقلوا بمواد لم تفدهم كثيرا في عملهم، لكنهم من جهة ثانية صاروا يستطيعون العمل مدرسين للغة العربية، والدين، في نظام التعليم العام. أما حملة الثانوية العلمية الازهرية فقد صار بوسعهم الدخول إلى كليات الأزهر العلمية والتخرج أطباء ومهندسين وخبراء في المحاسبة وإدارة الأعمال. اما طلاب كلية الشريعة (والقانون) فقد صار بوسعهم العمل أساتذة للشريعة والفقه بجامعة الأزهر، والجامعات المصرية والعربية الاخرى، ان تابعوا تخصصهم العالي، او العمل في المحاكم المدنية والمحاماة بعد إلغاء المحاكم الشرعية (1955)، والإبقاء على مدوّنة الأحوال الشخصية قيد التطبيق حسب أحكام الشريعة الاسلامية. بيد أن ذلك كله لم يرض الازهريين. فقد رأى كبار الشيوخ ان الازهر فسد عندما تحول من جامع الى جامعة، وقد ظلوا اكثر من عشرين عاما يتذمرون لاضطراهم إلى الحصول على الدكتوراه ذات النظام والترتيب الغربي. ولم يسروا كثيرا لإنشاء كليات علمية وتطبيقية بالأزهر، يُكتفى فيها بحفظ بعض اجزاء القرآن، والامتحان في مادة او مادتين ثقافيتين اسلاميتين وعندما انتهت مشكلات الجيل المنقرض اواخر السبعينات، بدأ التفكير في »هوية« الازهر، وفائدة تضييع التخصصات الاسلامية الدقيقة لصالح تعليمه بمال ذي اتجاه ثقافي عام، لا يؤدي الى تأهيل أناس قادرين على الاجتهاد في المسارب التقليدية او المستجدة. اما تلامذة المعاهد الازهرية (الاعدادية والثانوية) فقد اندفعوا في البداية للجمع بين البرنامجين، ثم اثقلتهم هموم اللامساواة بينهم وبين تلامذة التعليم العام، الذين لا يضطرون مثلهم لمضاعفة الجهد من اجل الحصول على الشهادة نفسها. ولهذا فقد بدأ التفكير اواسط الثمانينات في إمكانية تقليل سنوات الثانوية الازهرية (الادبية)، ثم وصل الأمر في التسعينات الى المطالبة بإعادة هوية جامعة الازهر اليها، باعتبارها جامعة للعلوم العربية والاسلامية المتخصصة، تحتاج الى معاهد للاعداد لها بالذات، ولا شأن لها بالتعليم العام ونظامه. وكانت تلك خلفية مشروع القانون الذي نضج اواخر أيام شيخ الازهر السابق، والذي لا يلبي غير رغبة واحدة من رغبات تلامذة الازهر: تقليل عدد سنوات الدراسة، بالاستغناء عن بعض المواد في سائر السنوات بحيث يستغنى في النهاية عن سنة واحدة من سنوات التعليم الثانوي، مع استمرار الارتباط بنظام التعليم العام. عندما مضينا للدراسة بالأزهر عام 1966، كان عدد تلامذة الازهر وطلابه في سائر المراحل (من التعليم الابتدائي حتى الدكتوراه) حوالى مئتي ألف. وعددهم اليوم يتجاوز مليونا ونصف مليون، اما المعاهد فيزيد عددها على ألف. والمدارس الابتدائية على خمسة آلاف، وقد أنشئت لكليات الازهر التقليدية فروع في المحافظات (كلية أصول الدين بأسيوط مثلا)، ما لبثت ان تحولت في الثمانينات الى جامعات مستقلة، يزيد عددها اليوم على عشر في عواصم المحافظات الكبرى. * * * بدأت الدراسة بالازهر عام 963م بعد انشاء القاهرة المعزية عام 960959م. وكان الازهر وقتها مدرسة لتدريب دعاة الدعوة الفاطمية الاسماعيلية. وعندما استولى الايوبيون السنة (لأتباع المذهب الشافعي) على الامور بمصر في عهد صلاح الدين، وأزالوا الدولة الفاطمية، اهملوا الدراسة بالأزهر، وانشأوا مدارس للمذاهب الفقهية السنية المعترف بها (الشافعية والاحناف والمالكية ثم الحنابلة)، واعاد المماليك الدراسة للأزهر بعد العام 1265م، وأغدقوا عليه العطايا والأوقاف. وصار في أيامهم البيئة الرئيسية للتعليم الفقهي السني على اختلاف مذاهبه. واستمر الأمر على هذا النحو ايام العثمانيين، رغم تضاؤل اهميته مقارنة بمدارس الامبراطورية الكبرى. وفي القرن السابع عشر برز منصب شيخ الازهر، وصار علماؤه هم الذين يختارونه من بينهم. واضطر الفرنسيون عندما احتلوا مصر عام 1799 للتعامل مع شيوخه ليس باعتبارهم علماء وحسب، بل وزعماء للعامة والمجتمع الاهلي. واستخدمه محمد علي لتأكيد استقلالية مصر في مواجهة العثمانيين، كما اخذ من شبانه عناصر ارسلها لاعادة التدريب والدراسة في فرنسا (من مثل رفاعة رافع الطهطاوي المشهور) ورغم تراجع منزلته العلمية والاجتماعية منذ أواسط القرن التاسع عشر مع انتصار نظام التعليم المدني؛ فإنه ظل ومنذ أيام المماليك الحافظ والمؤتمن على هوية مصر وانتمائها العربي والاسلامي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة