حرِص الرئيس نبيه بري في اكثر من مناسبة على ذكر حادثة عين إبل وكان آخرها ما ورد في جريدتي »النهار« و»السفير« بتاريخ السبت 9 أيار 1998 حيث اعتبر انها (الحادثة) حصلت بفعل اشاعة عن اعتداء رجل مسيحي على امرأة شيعية. ونحن نريد ان نكون من ذوي النوايا الحسنة ولا نحب افتراض أية دوافع سياسية وراء هذا الابتعاد عن الحقيقة التي نبينها كما يأتي: »ان حادثة عين إبل هي قضية سياسية وليست طائفية بحيث لها رواسب وخلفيات تتصل بالممارسات والتعديات المستمرة التي قام بها أنصار فرنسا من أهالي عين إبل وليس كلهم بعد ان زودتهم فرنسا بالسلاح«(1) وبالتالي فان الموقف السياسي لبعض أهالي عين إبل كان مختلفا عن موقف سكان الجوار من الشيعة الذين كانوا يؤيدون الاندماج مع التاج الهاشمي. وقد ورد في مجلة »المشرق« المعروفة بتأييدها للسياسة الفرنسية ما يؤكد تزويد فرنسا لأنصارها في عين إبل بالسلاح: »... توترت الأجواء في المنطقة عندها خاف سكان عين إبل وأوفدوا قوما منهم الى أرباب الحكم في صور ينذرونهم بما يتهدد النصارى من الشرور فلم يجدوا أذنا صاغية وانما نسبوا خوفهم الى الأراجيف الباطلة وأعطوهم اسلحة قليلة للدفاع عن قريتهم فلم يطمئن بالهم ورجعوا الى وطنهم واستعدوا بما لديهم من النشاط والهمة لمقابلة العدو فابتاعوا ما أمكنهم من الذخائر الحربية وأخذوا يمرّنون شبابهم على فنون الدفاع واستعمال الاسلحة«(2) »وقد استغل المسلحون أنصار فرنسا وجود السلاح بين أيديهم أبشع استغلال فقاموا باستفزازات وتعديات شملت المقدّسات والأعراض عند جيرانهم«(3). علما بأن العقلاء من أهالي عين إبل كانوا ضد هذه الممارسات وأدركوا بأن فرنسا تجرّهم لافتعال فتنة طائفية مع جيرانهم خصوصا أهالي بنت جبيل وهذا ما أكده معمّرون من بنت جبيل وعين إبل في آن معا عايشوا تلك الفترة. ولكن عندما تصبح مقاليد الأمور في أيدي الرعاع فإن العقلاء والحكماء من القوم يصبحون بلا دور وهذا ينطبق في كل زمان ومكان. وعن عملية زج مسيحيي جبل عامل في الصراع المسلح يقول أمين الريحاني: »السر هو ان المستعمرين الفرنسيين كانوا يريدون ان تتسع أعمال الاعتداء على المسيحيين ليتخذوا من ذلك حجة للقيام بعملية (دفاع) واسعة تشمل جميع الأراضي السورية«(4) »أما في الموقف الآخر فقد تميزت ردة الفعل بالاحتجاج والسخط والدعوة الى مقاومة الاحتلال الاجنبي.. وترجم الاحتجاج والسخط الى أعمال ميدانية في جبل عامل وغيره. وبرزت معارضة منظمة في شكل »عصابات« على رأسها قيادات محلية كأدهم خنجر* في منطقة الشقيف وصادق حمزة ومحمود الأحمد بزي ويوسف محمود بزي وشكيب العبدالله في منطقة بنت جبيل ومرجعيون«(5). »وقد أرسلت فرنسا في كانون الثاني 1920 كتيبتين من الجند بدلالة بعض نصارى جديدة مرجعيون ودير ميماس والقليعة فضربوا قصر محمود الفاعور أمير عرب الفضل كان يعتبر من زعماء المقاومة العربية في الخصاص من أرض الحولة فلما رأى عرب الفضل أنهم المقصودون بالذات حملوا على الجند حملة منكرة كانت لهم الغلبة فيها وقتل كثير من الجند الفرنسيين وقليل من العرب وعندئذ هجم نحو مائة وخمسين من العرب وأرباب القرى المجاورة فأحرقوا نحو أربعين دارا ونهبوا بعضها وقتلوا عشرين رجلا من أهلها«(6). »وعندما عمّت الفوضى أرجاء جبل عامل تنادى زعماؤه الى عقد عدة مؤتمرات لوضع حد للفوضى ولاتخاذ موقف صريح وواضح تجاه دولة الاحتلال الفرنسي. وأخطر تلك المؤتمرات كان مؤتمر نبع وادي الحجير المنعقد يوم السبت 24 نيسان 1920 وفيه أقرّ المؤتمرون بالإجماع رفض الانتداب الفرنسي وطالبوا بالانضمام الى الوحدة السورية تحت لواء الملك فيصل الأول ملك سوريا وأرسلوا وفدا منهم الى دمشق يحمل هذه القرارات وسلموا لجنة »كراين« في صيدا وثائق خطية تشعر برغبتهم«(7). »وتوترت الاجواء مما ادى الى حصول حادثة عين إبل فرأت فرنسا بأن الفرصة سانحة للتظاهر بحماية المسيحيين فجرّدت حملة بقيادة الجنرال نيجر قوامها أربعة آلاف جندي وقيل ستة مدعومة بطائرة استكشاف وخرجت الحملة من صور باتجاه بنت جبيل فدكت بيوتها بالمدفعية اما أهل البلدة فقد رحلوا عنها قبل وصول الحملة والتجأوا الى فلسطين«(8). وحول قصف بنت جبيل بالمدفعية والطائرات ترددت على الأفواه في جبل عامل أغنية زجلية مطلعها: هذي مدينة بنت جبيل عنوان بلاد بشارة إجاها »نيجر« بالخيل وحكّم فيها الطيارة وحكم عليها بالويل وعلّمها كيف الغارة(9) إذن فمن السذاجة ان يصدّق أحد ان حادثة عين إبل حصلت لمجرد إشاعة بل كانت لها خلفياتها السياسية. ورغم رفضنا للحادثة اساسا ولكل التجاوزات التي حصلت في تلك الفترة من الفريقين والتي نعتبرها احداثا مؤسفة ومؤلمة زعزعت العيش المشترك لفترة من الزمن الا ان الوعي لدى الفريقين استطاع ان يتغلب على تلك المحنة وان تعود حالة الصفاء والمودة. فكتابة التاريخ أو روايته يجب ان تكون موضوعية وحيادية وصادقة حتى نأخذ من تاريخنا العبر، فتاريخ جبل عامل وتاريخ بنت جبيل مليء بالمواقف المشرّفة والوطنية. فلكل الحق برواية ما يريد ولكن لن يرغمنا أحد على تصديق ما ليس حقيقة حتى لا ينطبق علينا المثل الانكليزي القائل: »باستطاعتك ان تقود الحصان الى الماء ولكن ليس باستطاعتك إرغامه على شربه«. المراجع * هناك قاعة تحمل اسم أدهم خنجر في قصر المصيلح 1 بزي أبو غسان عن حادثة عين إبل... لم تكن طائفية ولا فردية ولا سياسية جريدة »السفير« 24/10/84 ص10 عدد 3750 2 مجلة »المشرق« تشرين الاول 1920 مجلد 18 ص78 3 رضا الشيخ أحمد »العرفان« مجلد 33 الجزء 9 ص992 4 الريحاني أمين »ملوك العرب« الجزء 2 ص348 5 د. جابر منذر »مؤتمر الحجير« رسالة كفاءة غير منشورة الجامعة اللبنانية 1972 6 كرد علي محمد »خطط الشام« الجزء الثالث ص169 170 دار العلم للملايين 1970 7 آل صفا محمد جابر »تاريخ جبل عامل« دار متن اللغة بيروت ص23 8 بزي أبو غسان مرجع سابق 9 مروة محمد نجيب »ثمرات الأسفار« (نقلا عن المرجع 8)