As Safir Logo
المصدر:

البهاغافاد- غيتا انجيل الهندوس ملحمة الايمان الهندي التي الهمت غاندي

المؤلف: محيدلي فوزي التاريخ: 1998-06-05 رقم العدد:8011

تعتبر البهاغافاد غيتا أو »النشيد الإلهي« من أعظم وأجمل الكتب الدينية الهندية. عمل يجمع بين اللغة الشعرية الراقية للكتب المقدسة وبين منهجية الكتب اللاهوتية الارشادية. وقد كان لهذا العمل أكبر الأثر ليس فقط على الحياة الدينية وإنما على الحياة الروحية والفكرية والأدبية والسياسية للهند على مرّ العصور. كل لحظة من حياة المهاتما غاندي، حسب ما صرح سكرتيره ديساي، انطوت على سعي حثيث للعيش تبعا لرسالة »البهاغافاد غيتا« النابذة للقتال والعنف. كتب غاندي في مجلته الأسبوعية »الهند الشابة«: »حينما تسكنني الشكوك، وتمثل أمام ناظري الخيبات، ولا أرى حتى شعاعا واحدا من الأمل في الأفق، ألجأ إلى البهاغافاد غيتا، وأعثر على شعر يواسيني، وأبدأ للحال في الابتسام وسط الأسى الغامر«. ثمة خلاف حول التاريخ الدقيق لظهور »الغيتا«، لكن يبقى هناك شبه إجماع على أنه بين القرنين الخامس والثاني قبل الميلاد، رغم مد البعض التاريخ حتى القرن الثاني بعد الميلاد. وتضم »الغيتا« سبعمئة قصيدة تتوزع على ثمانية عشر فصلا على شكل حوار بين الأمير المحارب آرجونا وكريشنا، الرب أو الحقيقة المطلقة، والذي يطلق عليه البعض أيضا تسمية »مسيح الهند«. يحصل الحوار على أرض المعركة، وذلك تماما قبيل بدء القتال بين معسكري الباندافا والكورافا. مع اصطفاف الجيشين متواجهين، ومع رؤيته للعديد من أصدقائه على الجانب الآخر، يتردد الأمير ارجونا في خوض المعركة متسائلا إذا لم يكن من الأفضل رمي سلاحه وترك الطرف الآخر يقتله بدل أن ينخرط في معركة محقة لكن قاسية. يوصيه كريشنا بالعمل انطلاقا من الإيمان بالرب. تنتمي »البهاغافاد غيتا« كما »الأبانيشاد« الفيدية الى التراث الصوفي. ومع أن التعاليم الواردة في »الأبانيشاد«، حوالى 108 مقطوعات تتلمس الدرب إجابة عن أسئلة ميتافيزيقية حول الحقيقة والله، أتت بديعة إلا أن شيئا ما كان يعوزها. صوفيتها هي صوفية المعرفة والتفهم، وكان ينقصها عنصر الحب، ولم تفضِ منطقيا من الصوفية الكلامية الى صوفية الفعل. كان هدفها الخلاص من دوامة الولادة والموت، في حين انها رذلت الفعل عى أنه قيد أو غل. في المقابل، لعل بالإمكان استخلاص جوهر تعاليم »الغيتا« من كلمات كريشنا، المعادل الهندي لله، التالية التي يوجهها الى الأمير ارجونا: »العالم سجين نشاطه إلا حين تؤدى الأفعال كعبادة لله. إذاً عليك تأدية كل عمل مع توجه صوب السر المقدس، ومع انعتاق من كل تعلق بالنتائج... »فليكن كل عمل لك موجهاً فكرياً إليّ... اتَّحدْ بي بفؤادك ووعيك. متحداً بي، تتغلب على كل الصعاب بعون نعمتي... »الرب يعيش في قلب كل مخلوق. إنه يدوّرهم ويدوّرهم على عجلة المايا (قوة البرهان). اجعلْ ملاذك كلياً فيه. بنعمته تقع على السلام الأعلى، وعلى الحالة التي تتجاوز كل تغير«. ثمة إضافة الى صوفية الفعل، صوفية الإيمان المرادف الهندي لها هو »بهاكتي« أو »الإيمان المحب« وتالياً نرى أن تعاليم وتبصرات »الأبانيشاد« لم تلغَ بل طُوِّرت ومُدت إلى رحاب أبعد. في أي حال، كان يعوز صوفية »الأبانيشاد« وحتى بعض أنماط الصوفية البوذية القديمة، ولا سيما مدرسة الحكمة القديمة، الدفء والحنو. لا يمكن للقلب أن يرتاح قانعا بالاستنتاجات التي يتوصل إليها العقل، إنه يطالب بالحب كمثل مطالبته بالحكمة. إمكانية وجود حب الله، ولا سيما في مدرسة الحكمة القديمة البوذية، كان غائبا. وما كان غائبا أضيف الآن مع »الغيتا« ومع ما رافقها تاريخيا من تطور بوذية الماهايانا، مدرسة الحكمة الجديدة، مشفوعة بمثالها البودهيساتفا. فالبودهيساتفا الذي بلغ مرحلة من الحكمة العليا وحاز صفة المبارك، والذي بطبيعته الأساسية مثابة قلب محب يغمر حبه كل مخلوق حساس، وهو قادر من خلال إيمانه المحب على ان يؤدي دور الوسيط بين الله والإنسان، مساعدا بذلك الناس العاديين في دربهم الى بلوغ النيرفانا. لاحقا في الزمن سنعثر على هذا الإيمان المحب في الصوفية المسيحية الخاصة بالقديس بولس وقد بلغت أعمق حالاتها من التجلي، كما يقول ف. سي. هابولد في كتابه »الصوفية«. وإذا كانت رسالة البهاغافاد غيتا تتمحور حول كنه اليوغا وممارستها، فقد شبّه غاندي كتاب »البهاغافاد غيتا« حين قرأه في الثانية والعشرين من عمره بالقصة الرمزية، حيث ساحة المعركة هي الروح، وشبّه ارجونا بنوازع الإنسان العليا في كفاحها ضد الشر. ثمة نوعان من اليوغي، يوغي يتأمل وآخر يتصرف ويفعل. يوغي الفعل هو يوغي الكرما. وقد كان المهاتما غاندي يوغي فعل. وفي تعليق له على »البهاغافاد غيتا«، عرّف غاندي يوغي الكرما المثالي قائلا: ... إنه المتفاني الذي لا يغار من أحد، ينبوع الرحمة، الذي تطهر من الأنوية، الغيري، الذي له ذات ردة الفعل تجاه الهادئ والمتأجج، السعادة والتعاسة، وهو المسامح دائما، القانع أبدا، صاحب القرارات الراسخة، الذي كرّس عقله وروحه الى الله، الذي لا يسبب الجزع للآخرين، ولا يخشى الغير، المتبرئ من البهجة، والأسى والخوف، النقي، الضليع في الفعل لكنه يبقى بمنأى عن تأثيره، الذي ينكر السعي وراء ثمار الفعل، سواء الثمار الجيدة أو السيئة، الذي يعامل الصديق والعدو سواسية، الذي لا يؤثر فيه الاحترام أو عدمه، الذي لا ينتفخ بالمديح، ولا يُحبط حين يطاله الناس بكلام السوء، المحب للصمت والوحدة، والمتميز بعقل منظم...«. بالإمكان تلخيص كلام غاندي بنعمة »نكران الذات«. ونكران الذات قادر على خلق السلام الداخلي وعلى بلوغ نتائج مستديمة، حتى مادية، لا يمكن أن تتحقق بالوسائل الملتوية مهما كانت بارعة. وثمة بالنسبة للممارس غير العادي لنكران الذات جائزة بانتظاره. مكافأته الأعلى هي التوحد القوي مع الله بعد الموت بشكل لا يعود معها أبدا الى حالة الإنسان الفاني من جديد. وقد عبّر غاندي في مناسبات عدة من حياته عن أمله ألا يولد جسديا من جديد بعد موته، بمعنى أن يبقى متوحدا مع الله. نكران الذات ليس بالشيء اليسير الذي يمكن لأي هندي أو غيره بلوغه، لكن الذي يتلو مقاطع من البهاغافاد غيتا مرات عدة في الشهر، في المنزل، أو المعبد يستوعب وصاياها وقد يُعطى الإلهام، على عتبة الحياة، للتأمل في غاية الحياة. وهذا ما فعله بالطبع غاندي، ما أثر على كامل مستقبله. في ما يلي مختارات من البهاغافاد غيتا: درب الإيمان المنطوي على الحب الآن ستسمع كيف يمكن أن يغدو الإنسان كاملا، إذا كرّس نفسه الى العمل الفطري الخاص به. يبلغ الإنسان الكمال إذا أدى واجبه كفعل عبادة الى الرب، الرب الذي هو مصدر الكون، باعث كل عمل، والموجود أنى كان. حين يحقق الإنسان عدم التعلق بأعمال مجزية، وينجز سيادته على نفسه، وتحرره من الرغبة عبر نكران الذات، يبلغ عتبة التوحد مع البراهمان، الذي هو أبعد من كل عمل. فليكن كل عمل لك موجها فكريا إليّ. اعتبرني أعز محبوب لك. أدركني على أني ملاذك الوحيد. اتحدْ بي بقلبك ووعيك. متحداً بي، تتغلب على كل الصعاب بعون نعمتي. لكن إذا كان قلبك مليئا بالغرور، ولا تكترث لي، وقعتَ في غياهب التيه. إذا ما قلتَ في زهو خيلائك: »لن أكافح«، يغدو تصميمك عبثاً... درب العمل الغيري أرجونا: لكن، يا كريشنا، إذا كنتَ تعتبر أن مرحلة معرفة البراهمان تعلو أي نوع من العمل، فلماذا تدعوني الى إتيان هذه الأفعال المريعة؟ عباراتك على ما يبدو يناقض بعضها بعضاً. إنها تشوش ذهني. أخبرني عن درب محدد لبلوغ الخير الأعلى. كريشنا: سبق أن أخبرتك، في هذا العالم، الطمّاح قد يجد التنوّر من خلال دربين اثنين. بالنسبة للمتأمل، إنه درب المعرفة؛ بالنسبة للناشط انه درب العمل الغيري. التحرر من النشاط لا يُدرَك بالامتناع عن العمل. لا يمكن لأحد أن يصبح كاملا بمجرد الامتناع عن الفعل. في الحقيقة، لا أحد يمكنه الراحة أبدا من نشاطه (الذهني والجسدي) لحظة... الرجل الذي يتبرأ من بعض الأفعال الجسدية لكنه يُبقي ذهنه مركزا على أغراض رغبته الحسية، إنما يخدع نفسه. ولا يمكن وصفه سوى بالمنافق. الرجل المثير حقا للإعجاب يتحكم بأحاسيسه من خلال قوة إرادته. كل أعماله منزهة، وكلها موجهة لتكون على درب الاتحاد مع البراهمان... في البدء رب كل الموجودات خلق كل الناس وعيّن لكلّ واجبه. »افعلْ هذا«، قال »وستزدهر أحوالك. الواجب المُؤدى جيداً يحقق المرتجى«. * * الجهلاء يعملون سعياً وراء ثمار أعمالهم. على الحكماء العمل أيضاً دون رغبة خاصة موجّهين قدم الإنسان صوب درب واجبه. ليأخذ العقلاء حذرهم وإلاّ أوقعوا في الحيرة عقول الجهلة المتعطشين للعمل: فليظهروا بالمثل الصالح كيف يكون العمل مقدساً حين فؤاد العامل يُركّز على أعلى العليين. * * العرّاف والقائد، الباذل والواهب لكلّ واجبه المقدَّر تبعاً لطبيعته الخاصة المولودة من المواد الثلاث*. واجب العرّاف، واجبه المقدَّر تبعاً لطبيعته الخاصة، هو أن يتحلّى بالسكينة في عقله وروحه، أن يكون متمالكاً نفسه، متقشفاً بلا عيوب، مستقيماً، حليماً، يهتدي بالحكمة، يفهم حلول البراهمان في مخلوق فرد، راسخ الإيمان في الحقيقة التي هي البراهمان. واجب القائد، واجبه المقدَّر تبعاً لطبيعته، أن يكون صلباً غير هيّاب، لمّاح، ومنبسط الكف، جسور في المعركة، وحاكم عاقد العزم. ثمة آخرون يولدون لمهام البذل: هؤلاء هم أصحاب المهن، حارثو الأرض، مربو الماشية. العمل لصالح كل الناس، هذا هو الواجب المقدَّر لأولئك الباذلين للغير. هذه هي طبيعتهم. كل البشرية ولِدتْ لبلوغ الكمال، وكلّ سيدرك ذلك إذا أصغى فقط لواجب طبيعته الخاصة. (*) القوى أو المواد الثلاث التي تؤلف عالم العقل والمادة وهي ساتوا، راجاس، وتاماس. استندت هذه المقالة الى - The Song of God Bhagavad - Gita, Swami Prabhavanada and Christopher Isherwood trs., A Mentor Book - Musticism, F.C. Happold, Penguin Books.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة