من الاصدارات الجديدة التي تسترعي الاهتمام، كتاب (الذات الجريحة) للعراقي سليم مطر (إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت)، الذي يغوص بجرأة ومهارة في متاهات الهوية الممزقة في العالم العربي. بأسلوب شيق عميق يقوم بالكشف عن خبايا الذات عبر مراجعة للجذور التاريخية المختلفة في منطقتنا منذ فجر الحضارات الاولى وحتى الوقت الراهن. لم يتوقف الكاتب عند التحليل والنقد فحسب بل يطرح الحلول والمقترحات لمعالجة حالة انفصام الذات وتمزق الهوية التي تعيشها مجتمعاتنا افرادا وجماعات. الكتاب في مجمله يعد مشروعا فكريا جديدا ومحاولة جريئة لإصلاح اوضاعنا الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تعاني من قصور الأنماط الفكرية السائدة: القومية والماركسية والليبرالية والدينية. ويعزو الكاتب اسباب هذا القصور والتمزق الى اعتمادنا جميعا وبصورة غير معلنة على فلسفة تبسيطية احادية تعتبر جميع الثنائيات في الوجود بأنها ثنائيات تناقضية متصارعة: دين ام علمانية، اشتراكية ام ليبرالية، قومية ام وطنية، حداثة ام أصالة، روحانية ام علمية، سوريالية ام كلاسيكية، سفور ام حجاب، مدينة ام ريف، تكنولوجيا ام بدائية... وهكذا العديد العديد من الثنائيات التي بقينا منذ اوائل هذا القرن نعتاش عليها ونصنع الافكار حولها ونخوض الصراعات والحروب باسمها. وقد اطلق المؤلف على هذه الثنائية تسمية (ثنائية التطرف والضياع) التي منعت من تكوين اي جسور او نقاط التقاء بين تياراتنا الفكرية السياسية المختلفة وبررت قرارات التفكير والتخوين والاتهام بالرجعية والعمالة والانحراف والكفر والمروق، وخوض الصراعات حول شعارات ومعتقدات أثبت الزمن انها بمعظمها وهمية وليس لها اي جذور في الواقع. يدعو سليم مطر الى فكرة جديدة اطلق عليها تسمية (الوسطية) التي تتميز بكل بساطة برؤيتها للثنائيات على انها (ثنائيات تكاملية) وليست (ثنائيات تناقضية) كما تعودنا. اي البحث عن القاسم (الوسطي) المشترك بين هذه الثنائيات، ثم خلق موقف وسطي جديد ملائم حسب الزمان والمكان، مثلا بين الدين والعلم، علىنا خلق قاسم مشترك بين الاثنين من خلال اعترافنا اولا بأن الدين ضرورة انسانية لا يمكن إلغاؤه بمجرد تجاهله واعتباره رجعيا، ثم العمل على تطوير الدين وضخ الثقافة الحديثة فيه، وفي نفس الوقت احترام العلم والاعتراف بأهميته ولكن بشرط التقليل من هذا التقديس التعصبي له واعتباره المالك الوحيد للحقيقة وما عداه تخلف ورجعية. اي ضرورة الاعتقاد بأن الحقيقة واسعة ونسبية وغير محدودة ويمكن الحصول على الحقائق بواسطة العلوم وكذلك بواسطة الغيبيات، وهذا الامر راح يعترف به حتى العلماء الغربيين. ان الموقف الوسطي ازاء المجالين الغيبي والعلمي يقودنا الى موقف وسطي موحد يجمع بين الدين والعلم باعتبارهما مجالين ضرورين للمجتمع والحياة واحدهما يكمل الآخر. معنى ذلك ان الوسطية هي نبذ التعصب والاحادية، ولا تمايز ما بين التعصب الديني والتعصب العلمي. وعلى هذا المنوال يتوجب التعامل مع كل ثنائيات الوجود والحياة. الواقع ان فكرة الوسطية ليست جديدة تماما على الفكر الانساني، كما يعترف بذلك الكاتب. فان الميل الوسطي له جذور تعود الى عصور ضاربة في القدم، الفيلسوف اليوناني ارسطو طاليس ابتدع لنا قانون الوسط الذهبي كأساس لتقويم الاخلاق. مثلا عرف الشجاعة بأنها وسط بين الجبن والتهور، والكرم وسط بين البخل والتبذير، وهكذا مع الصفات الحميدة الاخرى. وترد كلمة وسط كدلالة اخلاقية فكرية في احاديث الرسول(ص) مثل (خير الامور اوسطها)، وفي القرآن ترد كلمة (الامة الوسط) كتعبير يحمل اكثر من دلالة. الا ان الجديد لدى سليم مطر انه اعتمد على الفلسفة الصينية (التاوية) التي تؤمن بان كل الوجود يتكون من ثنائية متكاملة كبرى هي (الين واليان) اي المؤنث والمذكر او المنفعل والفعال: »بمعنى ان كل شيء في الوجود اما مؤنث او مذكر.. نعم كل شيء: البشر والحيوان والنبات وجميع المواد واعضاء الجسد والسماء والارض وحتى الغذاء والدواء. مثلا، النهار مذكر والليل مؤنث، المالح مذكر والحلو مؤنث، الحديد مذكر والخشب مؤنث.. الخ. كل الوجود ثنائي لكن هذه الثنائية التاوية تختلف تماما عن ثنائيتنا التناقضية اي ثنائية الاحسن والاسوأ السائدة لدى شعوب ضفتي البحر المتوسط في اوروبا والعالم العربي. الثنائية التاوية هي الثنائية الانسجامية حيث كل طرف لا يكتمل الا بالطرف الآخر.. الخير يكمن بالانسجام والتكامل بين الثنائيات، والشر في تخلخل الانسجام والتوازن بين هذه الثنائيات«. ص66. نجح الكاتب بتطبيق فلسفته الوسطية هذه في معالجة الاشكاليات الاساسية للهوية في العالم العربي. حدد نوعين اساسين متداخلين من (الثنائيات) التي ادت الى حالة التمرق والانفصام في الهوية لدى شعوبنا، اولها ثنائية الحداثة والاصالة، ثم ثنائية الانتماء الوطني والانتماء القومي. ثنائية الحداثة والاصالة: احد اسباب تمزق الهوية الوطنية هو ذلك الانشقاق الذي حصل منذ بداية النهضة، بين المجالين الديني الميراثي والحداثي المعاصر. للأسف ان المثقفون الحداثيون تجاهلوا التاريخ وحكموا على الماضي بالتخلف والظلامية. روجوا للحداثة التي اصبحت تعني لديهم فيما تعنيه الانقطاع الثقافي والتنكر لموروثنا الحضاري وفتح النوافذ والأبواب بدون اي تحفظ لكل ما هو غربي.. الفنون والآداب لكي تكون متطورة وجب ان تنحوا منحا غربيا. الفروق الحضارية لم تعد قائمة في عرف دعاة الحداثة، وان وجد فارق فهو بسيط كفارق النقطة بين كلمتي (عربي) و(غربي). لقد غرب عن بال دعاة الحداثة العرب ان الحداثة الاوروبية شيء يختلف عن حداثتنا، لان الاوروبيين لم يتنكروا لتاريخهم ولا لتراثهم بل العكس هو الصحيح. منذ بداية عصر النهضة انكبوا على دراسة ماضيهم وطوروا ميراثهم الديني والحضاري ما أعانهم على المضي في حاضرهم يحدوهم أمل كبير في استشراف مجاهيل المستقبل. بل ان الاوروبيين لم يكتفوا بتاريخهم وحده بل راحوا يدرسون تاريخ وميراث الشعوب وتركيبتها النفسية والثقافية، لا لغرض استبدال ثقافتهم بثقافة اخرى، بل من اجل العكس تماما، اي للتعرف على الشعوب الاخرى ثم السيطرة عليها عسكريا واقتصاديا وثقافيا، اضافة الى ما يمكن ان يستفيدوه من تلك الثقافات ليصهروه في بوتقتهم ليكونوا اكثر قوة ونفوذا، لان معرفة الآخر هي قوة بحد ذاتها تضاف الى القوة العسكرية والاقتصادية. ان دراسة التاريخ ومعرفته ثم التحكم به وكتابته هو الذي يفسر لنا سر قوة الحضارة الغربية، وكذلك دهاء الحركة الصهيونية، فكلاهما كما يرى المؤلف (هضما التاريخ جيدا ثم تمكنا من السيطرة عليه)، بدون قراءة التاريخ لا يمكننا المساهمة في صنعه. المثير للاهتمام في كتاب سليم مطر هذا التداخل الاصيل في الاساليب والاماكن والأزمان، بحيث اننا لا نشعر بالملل والصعوبة مهما كانت طبيعة المعضلة المطروحة. هذا المقطع الخاص بموضوع الحداثة وحرية المرأة افضل مثال على هذا: »حكاية المرأة الغربية هي حكاية كل الجماعات الضعيفة الخاضعة: تتوهم بأن التحرر من عبودية الأسياد يكمن بتقليدهم والتشبه بهم. فتراها رغم التحرر من العبودية فانها تظل تعيش في عبودية اقسى وأعنف هي عبودية الروح والعقل وانمساخ الأنا والاحتقار الدائم للذات لأنها لن تستطيع ابدا بلوغ مستوى السادة السابقين. حكاية المرأة تشبه حكاية بعض الأفارقة الذين تصوروا ان مساواتهم مع المستعمرين تكمن بتحولهم من اللون الاسود الى الابيض! وهذا بالضبط ما عملته نخبنا الحداثية والتقدمية التي تصورت بأن تطورنا ومساواتنا مع الغرب يكمن بتشبهنا به وتشابهنا معه، والنتيجة انهم حولونا الى اشبه بحيوانات سيرك بعد ان نجحت بالتخلص من سيدها »الغربي« راحت تتصارع بوحشية فيما بينها لأنها تريد تقليد سلوك وعادات سيدها السابق وتتشبه به«. ص67. ثنائية الانتماء الوطني والانتماء القومي: ان هذه الثنائية الانفصامية، كما يشرحها بالتفصيل سليم مطر، قسمت شعوب العالم العربي الى صفين متعارضين، من ناحية عروبيون يدعون الى وحدة عربية شاملة تلغي ما اطلقوا عليه بالحدود المصطنعة، ومن ناحية ثانية دعاة الانتماء الوطني القطري المعادي الى اي انتماء للعالم العربي. وهذا الوضع ناشئ عن المفهوم العرقي للقومية، بحيث تم اعتبار جميع الناطقين بالعربية على انهم (عرب اقحاح) قدموا من الجزيرة العربية مع الفتح الاسلامي، وبالتالي اعتبار جميع الفئات الاخرى غير الناطقة بالعربية على انهم من اعراق اخرى مثل الاكراد والتركمان والسريان والشركس واليهود والاقباط والبربر والنوبة وغيرهم. وهذا الامر قسم ابناء الشعب الواحد الى جماعات عرقية مختلفة الانتماء التاريخي والوطني وافشل اية امكانية لبناء هوية وطنية تجمع ابناء الشعب الواحد في كل بلد عربي. وهذه المشكلة القومية يكرس لها كتاب (الذات الجريحة) الجزء الاكبر من صفحاته، ويدخل بتفاصيلها التاريخية واللغوية والسياسية بصورة مفصلة كشفت لنا عن جوانب لم نكن نحسب لها اية اهمية سابقا. المشكلة كما يذكر الكاتب ان مؤرخينا المعاصرين عندما شرعوا باعادة كتابة تاريخ البلدان العربية، منذ اواخر القرن الماضي، قاموا بعملية فصل قسرية وعرقية بين التاريخ الذي ابتدأ بعد الفتح العربي والتاريخ السابق له. افترضوا ان بلداننا كانت خالية من السكان قبل الفتح وعندما فتحها العرب لم يجدوا غير بضع جاليات اجنبية، مثل الفرس في العراق، والاغريق والرومان في الشام ومصر. باعتبار ان الشعوب الاصلية لهذه البلدان كانت قد انقرضت خلال الألف عام من الاحتلال الاجنبي التي سبقت الفتح العربي. بينما اية معاينة للمصادر التاريخية تثبت لنا من دون اي شك بأن جميع هذه الاوطان العربية الحالية كانت وظلت مقطونة بملايين السكان الاصليين الذين حافظوا على هويتهم الدينية والثقافية رغم الاحتلال الفارسي والاوروبي. والاحصائيات التي يستشهد بها الكاتب (ص141 142) تثبت بأن سكان العراق وحده كانوا اكثر من ضعف سكان الجزيرة العربية اثناء الفتح، وكل هؤلاء العراقيين كانوا ناطقين بالآرامية السريانية و95 بالمئة منهم كانوا مسيحيين نساطرة. بل حتى القبائل العربية المنتشرة على اطراف العراق في الحيرة كانوا نساطرة وناطقين بالآرامية. وهؤلاء السكان الاصليون لم يتمكنوا فقط من الحفاظ على لغتهم ودينهم بل تمكنوا ايضا من فرض لغتهم على المحتلين الفرس وجعل الآرامية لغة الثقافة الاولى في الامبراطورية الفارسية الساسانية. رغم بقاء السيطرة الفارسية لعدة قرون فان الديانة المجوسية الرسمية ظلت محصورة في الجاليات الادارية الفارسية (الدهاقنة). بل وصل الامر بالعراقيين انهم رغم الاضطهاد والمذابح المعروفة، قاموا بنشر المسيحية في انحاء الامبراطورية الفارسية وحتى في داخل البلاط الملكي. ولعب العراقيون الآراميون (السريان) الدور الاول في نشر العلوم والمعارف الحضارية التي ورثوها عن اسلافهم في سومر وبابل وآشور، وبالتالي هم الذين بعد اسلامهم واستعرابهم قاموا بصنع الحضارة العربية الاسلامية في الكوفة والبصرة ثم في بغداد العباسية. نفس الحالة نطلع عليها في الشام ومصر وشمال افريقيا. اننا نكتشف ان ما يسمى بالثقافة الهلنستية الاوروبية نشأت وتطورت على ايدي السوريين والمصريين في المراكز الحضارية المعروفة مثل انطاكيا والاسكندرية وبيروت، وان الكثير من الشخصيات المعروفة التي تنسب الى الاغريق والرومان هم بالحقيقة سوريون ومصريون ومغاربة رغم انتهاء اسمائهم بحرف السين على الطريقة الاغريقية، مثل: »افلوطين المصري مؤسس الافلاطونية الجديدة، وفاراتوستينس القيرواني مكتشف محيط الارض، انطيوخوس العسقلاني، وسنازيوس الفونائي، اوسابيوس القيصري الفلسطيني، وأسماء لا تحصى.. بل هناك اسماء لرجال ساهموا بقيادة الامبراطورية الرومانية، ومن اشهرهم الامبراطور فيليب العربي والملكة جوليا والاثنان من حمص في سوريا«. ص268. وان المسيحية وميراثها الديني والحضاري من صنع هؤلاء الشاميين والمصريين والمغاربة، ويكفي التذكير مثلا بأن اول فلاسفة المسيحية هو القديس اوغسطين الفينقي الجزائري بالاضافة الى آريوس الليبي الذي قام بأول انشقاق مذهبي في المسيحية. يبدو ان الغاية الاساسية للكاتب هي خلق مفهوم جديد للانتماء للوطن خارج مفهوم العرق والقومية، بحيث انه يعتبر ان الانتماء للوطن وأرضه وتاريخه وهويته يؤدي بالتالي الى الانتماء لهذا العالم العربي الكبير، وليس العكس كما حاولت ان تقنعنا به المفاهيم القومية العرقية السائدة. وهذا يعني، مثلا ان الكردي سوف لن يشعر بالتناقض بين خصوصيته الكردية العراقية والانتماء لهذا العالم العربي الكبير، في حالة انه شعر بالانتماء الكامل لعراقيته. وانه سوف يشعر بعراقيته التامة لو اقتنع بأن أخيه الناطق بالعربية لا يتميز عنه بأي افضلية وان الاثنان ينتميان لتاريخ عراقي واحد ودائم. اي ان يتعلم الكردي بأن تاريخ العراق ليس تاريخ العرب فقط بل ان اسلاف الاكراد العراقيين مثل (الكوشيون والغويتيون) قد ساهموا منذ ايام السومريين والبابليين بصنع الحضارة العراقية القديمة، بالاضافة الى دور الاكراد المعروف في التاريخ العباسي في بغداد. ونفس الامر ينطبق على كل الفئات العراقية المختلفة. وهذا المفهوم الوطني للتاريخ يمكن تطبيقه في حالات الاقباط في مصر، والنوبيين والزنوج في السودان، والبربر في بلدان المغرب. بمعنى ان الانتماء لهذا العالم العربي الكبير والطموح بتقارب دوله وحتى توحدها لن يمر الا عبر الاعتراف بخصوصية تاريخ وهوية كل بلد عربي، ومن ثم البحث عن القواسم المشتركة الجامعة بين هذه البلدان خارج الفهم العرقي القومي، ولنا نموذج ايجابي يتمثل بتجربة الوحدة الاوروبية. ويضيف سليم مطر بهذا الخصوص: »ان من اول شروط بناء هوية وطنية لأي دولة وشعب، هو كتابة التاريخ الوطني بصورة تعتمد المبدأين التاليين: 1 عدم تقطيع التاريخ واهمال فترات منه والتمسك بفترات اخرى. ان تاريخ الاوطان مثل تاريخ الافراد، ليس من الطبيعي ابدا ان يعتقد شخص ما بأنه قد ولد منذ عشرة اعوام فقط، بينما هو في الحقيقة قد ولد منذ ثلاثين عاما. 2 ان يكون تاريخ الوطن شاملا لجميع تنوعات المجتمع. ان يتم الاعتراف بإسهامات جميع الفئات اللغوية والدينية والمذهبية في صنع تاريخ الوطن. ان الهوية الوطنية الموحدة تستند اساسا على تاريخ شامل وموحد يعترف به الجميع لأنه يعترف بدور الجميع في صنعه«. ص126. ومن الافكار الجديدة التي يطرحها الكاتب حول اهمية الهوية، انه يعتبر ان الديمقراطية لا يمكن ان تقوم الا من خلال بناء هوية وطنية توحد المجتمع وتمنح الدولة قاعدة تمثيلية شاملة لكل التنوعات اللغوية والدينية والمذهبية، وهذه المسألة، للأسف كانت مغيبة تماما عن الخطاب السياسي العربي، بسبب التأكيد الدائم على المؤثرات الاقتصادية والسياسية دون الاهتمام بالمؤثرات النفسية الثقافية في صيرورة الافراد والجماعات وتشكيل البنية الاجتماعية. يقول المؤلف بهذا الخصوص: »ان الديمقراطية لا تقوم الا في الدولة القوية، والدولة لا تكون قوية الا بمدى قدرتها على تمثيل اوسع قاعدة من فئات الوطن. والدولة لا يمكنها ان تمثل كل تنوعات المجتمع من دون امتلاك اساس (فكري تاريخي تربوي) وطني وشامل متفق عليه من قبل جميع التنوعات مهما اختلفت قناعاتها ومشاريعها السياسية، من دون هوية وطنية موحدة لا يمكن ان توجد دولة وطنية موحدة، والا فان العنف البوليسي والحروب الخارجية هي الوسيلة الوحيدة لديمومة الدولة التي لا تستند على هوية وطنية متكاملة وموحدة«. ص131. ان كتاب »الذات الجريحة« شامل ومليء بالأفكار الجديدة والمقترحات الجريئة، مثل مقترح تدريس اللغة السريانية في مدارس البلدان العربية على انها الاساس الذي انبثقت منه اللغة العربية، ومقترح ترجمة الكتب التراثية العربية الى اللغة العربية المعاصرة لتكون سهلة الفهم للجميع ولا تبقى محصورة بين الفقهاء ومختصي التراث، ومقترح موجه الى الشيعة العرب والعراقيين خصوصا بتكوين مراكز مرجعية وطنية خاصة بشيعة كل بلد من اجل خلق استقلالية وطنية تحترم الخصوصيات ومتطلبات كل بلد وتجنب شيعة العراق والبلدان العربية تهمة الخضوع للنفوذ الايراني. بالاضافة الى مقترحات عديدة خاصة ببناء هوية عراقية جديدة من نوعية اعادة الاحتفال بيوم الربعي العراقي الموروث من ايام السومريين والبابليين، ويبدو ان هذا العيد العراقي السوري قد اقتبسه الايرانيون بعد احتلال بابل وأطلقوا عليه اسم (نيروز). وكذلك يقترح الكاتب اعادة بناء بابل لتكون عاصمة ادارية جديدة وتبقى بغداد عاصمة ثقافية اقتصادية، كما هو سائد في كثير من دول العالم، وهناك اقتراحات عديدة وعديدة تستحق التفكير والبحث والحوار. الذي يجلب الانتباه بخصوص كتاب (الذات الجريحة)، رغم انه أثار ويثير الكثير من الاهتمام وصار مقروءا من الاغلبية من المثقفين والسياسيين، وقد احدث اشبه بالزوبعة الفكرية، خصوصا بين العراقيين والمشارقة، لكن من الغريب ان ردود الفعل الايجابية والسلبية هذه لم تظهر بما يكفي على صفحات الصحف، لأسباب غير واضحة! ونعتقد ان السبب الاكبر لهذا التجاهل متأت من حالة الخوف التي تعودنا عليها من مواجهة مثل هذه الطروحات الجريئة. يبدو ان خيباتنا وهزائمنا قد عودتنا ان نترك للزمن وللاجيال القادمة مهمة التعامل والتفاعل مع مثل هذه المشاريع الجديدة! *كاتب عراقي مقيم في برلين