رفعت الادارة الاميركية مستوى »إغراءاتها« الى باكستان بعرض غطاء اقتصادي وأمني لها للامتناع عن الرد بالمثل على التجارب النووية الهندية التي وضعت الجميع أمام واقع تغيير نوعي في الخارطة الاستراتيجية لجنوبي آسيا، الاكثر كثافة سكانية في العالم والتي تنبض الحدود الداخلية فيها بأسباب النزاعات المسلحة بالتقاطع مع فسيفساء مشتعلة من المشكلات الداخلية لدولها. وقد فرضت التجارب النووية الهندية سؤالين على الولايات المتحدة، هما: لماذا فشلت في الحؤول دون إجراء هذه التجارب؟ وماذا يمكنها فعله الآن وقد فرضت »الهند النووية« واقعا جديدا على التوازن الاستراتيجي في جنوبي آسيا؟. وفيما تبدو الاجابة عن السؤال الاول ملتبسة بين كلام عن »غفلة« جراء عيب استخباراتي وبين تشكيك بإرادة اميركية للحؤول دون ذلك، فإن الاجابة عن السؤال الثاني تبدو واضحة تماما، وهي: منع باكستان من إجراء تجارب نووية والانجراف في سباق تسلح لا يمكن التكهن بسقفه، وذلك إما بتهديد العقوبات على غرار التي فرضت على الهند، لكن بتقدير ان أضرارها ستكون افدح على الاقتصاد الباكستاني المتهالك، وإما بإغراء الضمانات. لذا ركزت وزيرة الخارجية الاميركية مادلين أولبرايت أمس على ان الولايات المتحدة مستعدة للاستجابة لمخاوف باكستان الاقتصادية والأمنية اذا امتنعت عن اجراء تجارب نووية. وقالت اولبرايت في خطاب امام اكاديمية خفر السواحل الاميركي: »الادارة ستعمل جاهدة مع الكونغرس الذي بدأت نظرته تتغير تجاه جنوبي آسيا من اجل الاستجابة لمخاوف باكستان الاقتصادية والأمنية«. وأقرت أولبرايت بأن الحكومة الباكستانية تتعرض لضغط محلي كبير من اجل اجراء اختبارات نووية. لكنها قالت انه اذا قرر زعماؤها عدم اجراء التجارب »فإنهم سيتحدون التوقعات الهندية ويحبطون رغبة الهند في التقليل من مكانة باكستان العالمية«. اضافت »ان اختيار الهند في الاسبوع الماضي لا يعكس عظمة الأمة بل هو استخفاف متهور بالرأي العام العالمي وبسمعة الهند نفسها«. وسيزور وفد باكستاني رفيع المستوى واشنطن في الاسبوع المقبل للبحث في ما يمكن ان تقدمه الادارة الاميركية لإسلام آباد مقابل الامتناع عن اجراء تجارب نووية. وأكد مسؤول أميركي رفيع المستوى ان واشنطن أبلغت إسلام آباد بأنها مستعدة للقيام بكل ما تستطيع لتهدئة المخاوف الأمنية الباكستانية. وقال: »ما زلنا نعتقد ان الحكومة الباكستانية تحلل الوضع بحرص بما في ذلك رد فعل المجتمع الدولي« على التجارب الهندية، الذي سبق لإسلام آباد أن أعربت عن إستيائها منه معتبرة إياه دون المطلوب كثيرا. وقدّر محللون ماليون أمس ان الحكومة الباكستانية قد تضطر الى تجميد سحوبات النقد الاجنبي وإعلان وقف سداد الديون الاجنبية مؤقتا وخفض قيمة العملة (الروبية) لمواجهة أي عقوبات قد تتعرض لها إذا ما قررت إجراء تجارب نووية. وقالوا ان الهند تتمتع باقتصاد اقوى بكثير وقد ينبغي على باكستان اللجوء الى إجراءات صارمة لمواجهة العقوبات التي هدد المجتمع الدولي بفرضها إذا ما حذت حذو الهند. وتوقع محللون ان يتجاهل رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف التهديد بفرض عقوبات والسماح بإجراء اول تجربة نووية في البلاد في الأيام المقبلة وسط ضغوط شعبية متزايدة للرد على التحدي الهندي. وأكد وزير خارجية الباكستان جوهر ايوب خان أمس ان بلاده »ستجري بالتأكيد تجارب نووية« على الرغم من مناشدة قادة دول العالم لها ضبط النفس. وقال خان في حوار اجرته معه شبكة »ستار تي. في. نيوز« الهندية: »السؤال لم يعد هل ستجري باكستان تجارب نووية، وإنما متى ستجريها«. أضاف: »نحن نحلل الموقف بالكامل ونتابع رد فعل العالم والعقوبات المفروضة على الهند«. وسئل عما إذا كان من الممكن أن تفتح الهند وباكستان حوارا فأجاب: »في ظل الظروف الراهنة فانني أعتقد أن درجة الحرارة مرتفعة جدا على الجانبين«. أضاف: »من الممكن بالتأكيد حدوث هذا بشرط أن تأتي الهند الى المائدة بعقل مفتوح وتقول.. نعم نحن مستعدون لحسم النزاع حول كشمير«. في هذا الوقت اكد الامين العام لوزارة الخارجية الباكستانية شمشاد احمد، العائد من زيارة الى بكين أحيطت بالكتمان، ان ثمة تطابقا تاما في تقدير كل من الحكومتين الباكستانية والصينية لمدى خطورة التجارب النووية الهندية. وقال احمد: »كان هناك تماثل كامل في وجهات النظر ازاء خطورة الوضع الناتج عن الأعمال المتهورة الهندية«. وردا على سؤال عما إذا عرض المسؤولون الصينيون الذين التقاهم ضمانات امنية لباكستان في مواجهة الهند، بالقول: »في عالم اليوم ليست هناك ضمانات«. وارتفعت حدة التوتر بين الصين والهند، عملاقي آسيا اللذين تربط بينهما علاقات دقيقة، امس الاربعاء بعد استدعاء السفير الهندي في بكين فيجايي نامبيار لإجراء مشاورات »طارئة«. وقام رئيس الوزراء الهندي اتال بيهاري فاجيايي امس بزيارة الى موقع بوكهران في صحراء راجستان (شمال) حيث اجريت التجارب النووية الخمس. وقال فاجبايي انه مستعد لدفع اي ثمن مقابل الأمن القومي وانتقد القوى النووية لأنها تتحدث الى الهند عن السلام بينما تواصل هي تخزين الاسلحة النووية. أضاف: »نريد تعايشا سلميا إلا ان التهديدات المتكررة اجبرت الهند على إجراء التجارب النووية لإسكات أعدائها وإظهار القوة«. (أ ب، أ ف ب، رويترز، د ب أ)