كتب معن برازي: يقول أحد اعيان القطاع المصرفي ان التعاميم والقوانين الخاصة التي نظمت أدوات التمويل المتخصص (Specialized Financial instruments) لم تستطع ان تقنع القطاع المصرفي اللبناني بجدوى وربحية هذه الادوات من جهة وطواعية هذه الادوات لتشمل الشريحة الأكبر من المستفيدين. وتعيد بعض المصارف طرح هذا الموضوع في موازاة إعادة فتح ثلاثة ملفات حساسة: القروض ذات الفوائد المدعومة (وذلك عبر انشاء مؤسسة ضمان القروض) والقروض السكنية (والتي يتم التباحث حولها بين الجمعية ووزارة المال) وإعادة النظر بجدوى وآلية القروض الائتمانية والعقود الخاصة المختلفة. ومن اللافت ان قانون 6 حزيران 1996 قد شاء تشجيع ممارسة نشاط الائتمان المالي بشكل مهني وأساسي ومتخصص، تحت رقابة مصرف لبنان بدليل ان المادة 15 من القانون تنص على أن عقود الائتمان وعقود ادارة الأموال لحساب الغير »يمكن ان تشكل الموضوع الأساسي للمصارف والمؤسسات المالية المسجلة او التي ستسجل لدى مصرف لبنان«، وذلك على غرار ما يجري في بعض البلدان الانكلو اميركية. بحيث تكون مثلا للمصارف فروع متخصصة بإدارة الأموال على شكل التراست، او بطريقة الشركات الائتمانية، مما يفيد العميل والممولين من المزيد من التخصص في ادارة الأموال، ومن المهارات في تلبية حاجاته الشخصية. وجدير ذكره ان القانون المذكور سوف يوفر للمصارف والمؤسسات المالية فرصا جديدة لتقديم خدمات جديدة في الأسواق المالية وبالتالي سوف يمكن ان تقدم تلك الخدمات ليس للبنانيين بل للعرب والاجانب. ويعلق الكثير من الاقتصاديين الآمال على آليات القروض المدعومة نظرا لما تمثله هذه الدينامية من تحريك لعجلة الانتاج وكمدخل الى »مكافحة« التباطؤ الاقتصادي وتوفير فرص العمل لكل القطاعات الاقتصادية. بينما يرى قسم آخر من الاقتصاديين ان القوانين المختلفة التي صدرت حتى الآن بالغت في تقدير واقع الأسواق وديناميتها. ويقول هؤلاء ان المطلوب الاسراع في تمرير الشق الآخر. اما المشاريع المنتظرة فهي: 1 مشروع »قانون تطوير الأسواق المالية، والمجلس الأعلى للأسواق المالية«. 2 مشروع »قانون إدارة المحفظات المالية وهيئات الاستثمار الجماعي بالقيم المنقولة وسائر الأدوات المالية« (صار اصداره مؤخرا بقرار من حاكم مصرف لبنان رقم 6601/97 تاريخ 23/5/1997). 3 مشروع »قانون نزع الصفة المادية للاسناد« الذي استعيض عنه »بمشروع قانون بإنشاء وديع مركزي واجازة الحسابات بالقيم المنقولة في لبنان«. 4 مشروع »قانون تنظيم مهنتي الصرافة« و»مؤسسات الوساطة المالية« في القرار رقم 6213 تاريخ 28 حزيران 1996. 5 مشروع »قانون الليزنغ«. (الايجار التمويلي). 6 مشروع قانون يعاقب »الاستعمال غير المشروع للمعلومات المميزة في الأسواق المالية«. 7 مشروع »تسنيد Titrisation الاسناد التجارية«. 8 مشروع »تنظيم التعامل ببطاقات الائتمان«. أما القوانين الصادرة فنذكر منها: 1 قانون »تنظيم شروط تأسيس وممارسة عمل المؤسسات المالية« (قرار مصرف لبنان رقم 5994، تاريخ 12/9/1995. 2 قانون »تحديد شكل وكيفية التداول بسندات المصارف وإصدار سندات دين« (قانون رقم 521 تاريخ 6/6/1996). 3 قانون »العقود الائتمانية« رقم 520/96 تاريخ 6/6/1996. ويبقى موضوع العقود الائتمانية والأدوات المتخصصة والتسليف المدعوم أهم محاور المخاطر التجارية التي تتكبدها المصارف في مناخ استثماري اقل ما يمكن القول عنه انه غير ثابت ومتغير ويصعب التنبؤ فعليا بمخاطره. وعلى الرغم من ان مصرف لبنان المركزي سعى الى تشجيع التسليف المتخصص لما يتضمن من تخفيض للمخاطر على المصارف اللبنانية، من خلال تعاميم سمحت للمصارف باستعمال احتياطها الالزامي للقروض المتوسطة الأجل، وعدم التقيّد بسقف التسليفات في العملات الاجنبية (حين تكون مصادر تمويلها من ودائع او سندات تفوق آجالها السنة) وعلى الرغم انه شجع اصدار مثل هذه السندات في العملات الاجنبية، ونظم اصدار السندات المرؤوسة، وسمح بإدخالها في الأموال الخاصة، تبعا للقواعد المقبولة في اتفاقية بال الا ان الآثار المتوقعة في 97 والفصل الأول من 98 لم تأت بموازاة الآمال المعلقة عليها. وكذلك، سعى مصرف لبنان، الى دعم الفوائد على التسليفات الممنوحة لقطاعات السياحة والصناعة والزراعة بنسبة 5$ (خمسة بالمئة)، مخفضا الكلفة المالية على هذه القطاعات ومشجعا اياها على استحداث وسائل انتاجها وإدخال التقنيات الحديثة واستعمال التكنولوجيا المتطورة، مضيفا بذلك إلى قدراتها التنافسية، والى امكانياتها في التصدير الا ان التشوهات في بنية التسليف للقطاعات الانتاجية المختلفة لم تتغير فصولا. وتفيد المعلومات ان القروض الموافق عليها حتى الآن بلغت ما يزيد عن السبعين مليون دولار أميركي، ويقدر المصرف المركزي ان يصل هذا النوع من القروض في الخمس سنوات القادمة، الى ما يساوي المليار دولار اميركي متوقعا ان تظهر فعليا النتائج على حركة الاستثمارات وعلى الاقتصاد عامة. وتفيد معلومات المركزي انه لا يمكن بسهولة حصر نتائج هذه القروض وآثارها على تحريك عمل المؤسسات والقطاع التجاري الا ان آلية هذه القروض وعجر المراقبة المتاحة عبر »مركزية المخاطر« أثبتت انها بمتناول من تتوفر فيه الشروط المطلوبة. ولا يمكن الجزم بأن مشكلة التمويل يمكن ان تحل عبر توسيع قاعدة التسليف ودعم القروض وتبقى »إشكالية« إنشاء مؤسسة ضمان القروض الصغيرة والمتوسطة على ان تكون ضربا من مؤسسة ضمان الودائع على المحك. ويعتبر المصرف المركزي ان توفر هذه القروض (والحد الأقصى لكل منها مئة مليون دولار) سوف تفعل الآلاف من المؤسسات الصغيرة وتساعدها على النمو وسوف تنظم قدرات التمويل الموجودة في لبنان وتخلق فرصا جديدة للعمل وتشجع المؤسسات الصغيرة على التوسع. إلا أن مشكلة التمويل وتوسيع قاعدته لا تزال تشكل العصب الاساسي في تحريك الاقتصاد ومكافحة التباطؤ الاقتصادي. ويمكن تحديد هذه المشكلة عبر »الاسئلة المحاور« الآتية: التسليف } أولا: بنية التسليفات في القطاع المصرفي وقاعدة المستفيدين منها، ويمكن القول ان تطور هذه الارقام (في 1997 على سبيل المثال) لم يمثل الحافز الاساسي على تطوير العجلة الاقتصادية. فالتسليفات بالليرة اللبنانية ارتفعت 74،22$ في عام الى 1987 مليار ليرة بموازاة ارتفاع للتسليفات الممنوحة للقطاع الخاص بالعملات الاجنبية 68،23$ الى 8817 مليون دولار في 1997 من دون ان تمثل هذه الزيادات حافزا حقيقيا في نمو مؤشر الاقتصاد الحقيقي. وتبقى نسبة التسليفات معرضة بشكل أساسي »لتشوه« في توزيع الاموال المتوفرة على القطاعات المنتجة وبالتالي تأثيرها على نمو اجمالي الناتج المحلي. وعلى سبيل المثال يمكن الاستشهاد بالتوزيع الآتي لها: 1 قطاعات التجارة والخدمات 10،45$ موزعة على 97،34$ من الزبائن. 2 المقاولات والبناء 66،20$ موزعة على 22،7$ من الزبائن. 3 الصناعة 63،12$ موزعة على 34،8$ من الزبائن. 4 قطاع الأفراد 21،13$ موزعة على 44،43$ من الزبائن. 5 قطاع الوساطة المالية 04،3$ موزعة على 13،1$ من الزبائن. 6 قطاع الزراعة 51،1$ موزعة 95،1$ من الزبائن. 7 القطاعات المختلفة 86،3$ موزعة على 95،2$ من الزبائن. هذا وتستحوذ منطقة بيروت وضواحيها على نسبة 07،81$ من اجمالي القروض الممنوحة للقطاع الخاص، تليها منطقة جبل لبنان 21،14$، ثم منطقة الشمال 68،2$، ومنطقتي البقاع 02،1$ والجنوب 88،0$ واخيرا غير المقيمين 14،0$ علما ان عدد الزبائن في منطقة بيروت يشكلون نسبة 04،65$ من اجمالي عدد الزبائن المدينين في القطاع المصرفي. وتؤكد هذه الأرقام أن العنصر الأساسي المكون للاستهلاك المحلي هو الواردات وليس الانتاج المحلي ثم ان القدرة على الاستيراد لا تتوقف على الطاقة التصديرية بل على حركات الرساميل الوافدة المتواترة مما يبطل فعليا الصلة بين سعري الصرف الاسمي والفعلي والتي تؤدي الى انخفاض قيمة الليرة فلن تتحسن القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني وعلى العكس ترفع اسعار الواردات التي تشكل سنويا نحو 40$ من القوة الشرائية للبنانيين. وتؤكد هذه الوقائع ايضا ان ازدياد التسليفات المصرفية للاقتصاد بالعملات الاجنبية بقيمة 2208 ملايين دولار (في 97 على سبيل المثال) منها 1673 مليونا للقطاع الخاص و534 مليونا ديونا صافية على القطاع العام، اضافة الى ازدياد الموجودات الخارجية الصافية والتي بلغت 1525 مليون دولار أسفرت عن خلق 5150 مليون دولار من شبه النقد، وقد مول هذا الاخير ازدياد ودائع القطاع الخاص بالعملات الاجنبة في المصارف التجارية بقيمة 4963 مليون دولار، وعليه يمكنك القول ان التضخم في الاقتصاد الحقيقي سببه المضاعف (Multiplier Effect) الناجم عن التسليفات بالعملة الاجنبية. حسم السندات } ثانياً: عرفت الاسواق العالمية »طفرة« في تأمين الاستدانة عبر سندات خاصة تحسم من المصارف لقروض استهلاكية في 1997 الا ان هذه السندات انحسر تداولها في الاسواق بعد ان تبين ان الكثير من هذه القروض لم تسدد في اوقاتها المعلنة مما حمل المصارف التجارية أكلافا اضافية ومخاطر تسليف لم تكن بالحسبان. وتفىد معلومات غير رسمية ان قطاع التجارة وبالاخص السيارات والبناء عرف المخاطر الاكبر في تسديد القروض الممنوحة فيما لم تتوفر اسباب الدعم القانوني لتخفيف المخاطر التجارية. ويقول مدير عام مصرف للاعمال محلي انه شخصياً لا يجد ان تعاميم المركزي قد أعطت اي سمة تفاضلية لعمل مصارف الاعمال (او الاستثمار) تختلف جوهرياً عن عمل اي مصرف تجاري عادي في الاسواق المحلية، ويضيف المصدر الذي طلب عدم الافصاح عن اسمه ان اعادة النظر بقوانين مصارف الاعمال يمكن ان تنعكس ايجاباً على تخفيف مخاطر الاستدانة وخاصة في السندات التجارية كما يمكن لها ان تساهم في تأمين المزيد من السيولة للقطاعات الانتاجية المختلفة. العقود الخاصة } ثالثاً: وفي الحديث عن »قانون العقود الائتمانية« تطالب بعض المصارف بإعادة النظر في بعض حيثيات هذا القانون، ويرى البروفسور ابراهيم نجار انه: »اما وقد تقرر استئخار اقرار مشروع قانون ادارة المحفظة المالية، فإن القانون (العقود الائتمانية) 520/96 يبدو بمثابة قانون يشجع الاستثمارات والتوظفيات المالية، ويدخل نظام تفكيك الذمة المالية العائدة للمؤتمن لوحده، دون المنشئ او المستفيد، من جهة، وكقانون يضيف الضمانات الشخصية والموضوعية في قطاع كان قد حان الوقت لإعادة تثمين أوجهه المهنية، من جهة اخرى. ان القانون 520/96 هو قانون مهم بالفعل، ولكن تلك الاهمية لا زالت تحتاج الى تفعيل مع نظام السرية المصرفية المطلقة في لبنان وفي اطار متطور تعززه اتفاقية الحذر والحيطة الموقعة في العاشر من نيسان 1997«. ويقول تجار انه كان من الافضل ربما تنظيم موضوع ادارة المحفظة المالية بموجب القانون عينه ويضيف: »لا بد من القول ان القانون اللبناني لم يمنح أياً من الحمايات التي يمنحها التراست او الائتمانية للمنشئ في بلاد الغرب، ويبقي المنشئ بالتالي معرضاً في ذمته الائتمانية، لملاحقة دائنيه، كما ويستطيع ورثته الاطلاع عليها. وبعبارة اخرى، ان تفكيك الذمة المالية جاء في القانون اللبناني فقط فيما يتعلق بالمؤتمن دون غيره من اطراف العقد الائتماني. وبذلك يكون المشترع اللبناني قد آثر تنظيم عمليات ادارة المحفظات المالية، بطريقة ترمي الى الحؤول دون دمج او مزج او اختلاط الذمم المدارة من قبل مديري المحفظة المؤتمنين عليها«. ويضيف: »وهذا يشكل بحد ذاته تقدماً نوعياً في القضايا المالية والاستثمارية، خصوصاً اذا ما أضفى القطاع المصرفي ومعه المؤسسات المالية السرية المهنية المطلقة على تلك العقود، اذ ان افلاس المؤتمن او توقفه عن الدفع لم يعد يعرض مبدئياً الذمة المدارة للهدر، شرط ان تبقى المراقبة على المؤتمن فعالة ومجدية، الامر الذي يضع على كاهل المصارف والمصرف المركزي والمؤتمنين وغيرهم موجبات بالغة الخطورة«. وتفيد معلومات جمعية المصارف ان الحديث عن تحديث القوانين الائتمانية يأتي ايضاً بموازاة عدم تأقلم هذه الاخيرة والاسواق موضحة ان هذه العقود اصبحت أداة تنافسية حقيقية في الاسواق خاصة في تثبيت الكثير من العقود اللبنانية العربية وتسهيل تمرير وتدفق الاموال الخاصة الى لبنان.