As Safir Logo
المصدر:

لكي لا تبقى الذكرى ناقصة ومشوهة هؤلاء هم شهداؤنا المنسيون

المؤلف: صقر يوسف التاريخ: 1998-05-12 رقم العدد:7990

حكي الكثير عن الشهداء الذين اعدمهم جمال باشا في لبنان وسوريا وفلسطين، وبالاخص شهداء القافلة الاولى والثانية، وما بين القافلتين وقبل وبعد. وجرى كلام كثير حول وضع كل شهيد والظروف التي احاطت باستشهاده، بدءا بسيرته الشخصية من يوم ولادته ونشأته مرورا بثقافته ووضعه الاجتماعي، وانتهاء بآخر كلمة لفظها قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة على ارجوحة الشرف. ليس من ينكر اطلاقا ان هؤلاء الشهداء هم خيرة شباب العرب علما ووطنية ومعتقدا. منهم السياسي، والصحافي، والشاعر، والقاضي والمحامي والقائد العسكري، والموظف الكبير، وان تكريمهم والاشادة بهم في مناسباتنا الوطنية أمر لازم ومقدس لتظل اسماؤهم ومآثرهم حيّة ومشرقة في ذاكرة الاجيال الطالعة. ولكن الحديث عن هذه الكوكبة من الشهداء يبقى ناقصا ومشوها اذا لم يستكمل بإلقاء الضوء على اسماء شهداء آخرين لفهم النسيان، فلم يذكرهم احد ممن عنوا بدراسة تاريخنا، الى حد انه رسخ في اذهاننا وعقولنا، كباراً وصغاراً، ان الذين علّقوا على اعواد المشانق هم فقط هذه النخبة المختارة الطيبة من ابناء شعبنا الطيّب. والحقيقة ان هناك شهداء مغمورين بلغت اعدادهم اضعاف اضعاف اولئك الذين ذكرهم التاريخ، وأُسدل عليهم ستارا من الصمت أشبه بالمؤامرة!. وإلا فلماذا أُسقطت اسماؤهم من سجل الشرف؟ لماذا أُغفلوا كل هذا الاغفال؟ وهل جاء اغفالهم مقصودا؟ ما هي المعايير والقواعد التي انطلق منها المؤرخون للقول إن هذا شهيد وذاك غير شهيد؟. هل لانهم كانوا فقراء بسطاء لا حول لهم ولا طول ام لانهم تحدروا من عائلات متواضعة لا تملك علاقات اجتماعية واسعة لتقيم لهم المهرجانات والاحتفالات التكريمية السنوية؟. من اجل هذه الحقيقة، وفي سبيل خدمتها، سأعمل ما تيسرت لي الوثائق والمحفوظات التي لديّ لاماطة اللثام عن بعض هؤلاء الشهداء المنسيين، وأبدأ بالمجند: مصطفى عبد السلام البيروتي. I أول ضحية من ضحايا جمال باشا، بل أول شهيد أُعدم رميا بالرصاص في بيروت، وذلك في اليوم الاول من عام 1915 ودفن جثمانه في المدفن القائم جنب »الرستوران« الفرنسي (منطقة سوليدير حاليا). وقصة مصطفى عبد السلام البيروتي، انه كان جنديا عثمانيا تابعا الآلاي 67 بقيادة البنباشي علي رضا بك، وكان قد نجا في جملة من نجوا من كارثة الشوير الشهيرة. وكارثة الشوير هي نتيجة لرحلة قام بها الآلاي المذكور في 15 تشرين 1914 قادما من بعلبك الى زحلة ومنها الى الشوير حيث تقررت إقامته في تلك الجهات. وهي القوة العثمانية الاولى التي خرقت امتيازات جبل لبنان على الرغم من احتجاجات مجلس ادارة المتصرفية آنذاك. وشاءت الصدف ان يكون ذلك اليوم عاصفاً بحيث يصعب فيه على المرء الخروج من منزله. وجاء من ينصح القائد بتأجيل رحلة المقررة (لان الطريق غير سالكة) فرفض علي رضا بك النصيحة وقال: أنا جندي. والاوامر صريحة تحتم عليّ الوصول الى ضهور الشوير هذا المساء، ولن احيد عن الخطة المرسومة مهما كانت العاقبة. وكانت الخطة ان يمر الجنود بقرى: ضهر الحرف، عنطورة، المتين، فدهمهم الضباب وتساقطت الامطار بغزارة ثم تلتها الثلوج فسقط من الجنود 327 قتيلا ما عدا العشرات الذين اضطروا الى ملازمة أسرتهم مددا طويلة. من هذه الكارثة نجا الجندي مصطفى عبد السلام البيروتي، ولكنه لم ينج من الكارثة الاخرى التي حلّت به وبعائلته في ما بعد، والتفاصيل: ان هذا الجندي وكان قد مضى عليه عدة اشهر من دون ان يرى زوجته ووالدته. قرر النزول الى بيروت لمشاهدتهما، وبعد ان اطمأن إليهما قفل راجعا الى الشوير للالتحاق برفاقه. وفور وصوله الى الثكنة، حصل سوء تفاهم بينه وبين رئيسه برهان الدين تطور الى تلاسن، الامر الذي حمل الملازم على ضربه بالسوط وتوجيه العبارات النابية إليه متهما اياه وامة العرب بالغدر والخيانة. فما كان من مصطفى عبد السلام، وقد اعماه الغضب، إلا ان سدد بندقية الى الضابط واطلق منها رصاصة كانت كافية للقضاء عليه!. لم يفر مصطفى بعد ارتكابه هذا العمل، بل استسلم الى رفاقه مستشهدا ببعضهم على ما حدث. ومع ان هؤلاء لم يكونوا من العرب، فقد انصفوه، اما المحكمة العسكرية التي مثل امامها فلم تنصفه اذ لم تأخذ بشهاداتهم ولا بالاسباب التي حملته على القيام بما قام به، وحكمت عليه بالموت. واقر جمال باشا الحكم. وكان اول حكم بالموت على عربي ينفذ في الاول من العام 1915. وحين علمت والدة مصطفى ما اصاب ولدها سقطت على الأرض فاقدة الرشد ثم ما لبثت ان تعرضت لنوبة قلبية توفيت على اثرها ودفنت في نفس اليوم الذي دفن فيه ابنها. واما ما اصاب زوجته فعارض جنوني نقلت على اثره الى مستشفى العصفورية ولم تبرحه إلا في العام 1921 جثة هامدة... II سليمان حسين الجوني. أعدم سليمان الجوني في 24 ايار 1915. وسبب اعدامه كما جاء في البلاغ الذي اذاعه والي بيروت بكر سامي: »الى اهالي بيروت ولبنان، ما اخذت أمس الطيارة بالارتفاع (يعني الطائرة الفرنسية) في الجو حتى تجرأ المدعو سليمان بن حسين الجوني المتوالي من قرية الشياح في جبل لبنان على جرح احد سواقي الترام (انطون كنعان)، وآخر من الاهالي (نقولا خرما) فأعطي الامر الى مأموري الضبط بأن يسلّموا المرقوم حالا الى ديوان الحرب العرفي. وحكم الديوان العرفي سينفذ حالا. »وعليه فمن يخل بالأمن الداخلي في البلاد ومقدار ذرة يعتبر خائنا وينكل به حالا بالقوة المسلحة ولكي يطلع على ذلك الجميع اذعنا هذا البلاغ بناء على امر قيادة الجيش في 20 مايس سنة 1331. والي بيروت بكر سامي«. اما التحقيق مع سليمان الجوني فلم يستغرق سوى يوم واحد، اذ اكتفت الهيئة المحققة بتقرير رجال الشرطة وباعترافات سليمان بأنه اطلق الرصاص فعلا. وفي اليوم الثاني والعشرين من شهر ايار 1915 عقد ديوان الحرب العرفي جلسة برئاسة ادهم بك وبعد محاكمة الظنين في مدة لا تتجاوز الساعتين حكم عليه بالاعدام. ورفعت الاوراق الى جمال باشا فأقر الحكم في 23 منه، وعين صباح 24 ايار 1915 موعدا للتنفيذ. وفي صباح ذلك اليوم سيق باكرا الى الموت في ساحة البرج وعلّقت على صدره ورقة بيضاء كتب عليها ما نصه: »بينما كانت سفن الاعداء الحربية والنقالة تجول امام ميناء بيروت، والطيارة تحلق في سمائها، تجاسر سليمان بن حسين الجوني من الشياح (لبنان) على ارتكاب جرم جرح مفتش التراموي انطون كنعان وبائع التبغ نقولا خرما وذلك باطلاق الرصاص عليهما ثلاث مرات في طريق النهر، خلافا لتنبيهات الحكومة على الاهالي بالتزام السكينة. ولما كان فعله هذا يعد جناية حربية وخدمة للعدو بقصد إثارة القلق في المدينة فقد تقرر بناء على ذلك، وعملا بالشطر الاخير من الفقرة العاشرة للمادة الرابعة عشرة من قانون افشاء الاسرار العسكرية، وارتكاب جرم الجاسوسية، تصديق حكم الاعدام الصادر بحق المرحوم من محكمة ديوان الحرب العرفي في بيروت ولبنان وصدر الامر بتنفيذه«. وظل جثمان الجوني معلقا الى الساعة الثامنة صباحا في ساحة البرج. وفي اليوم التالي اذاعت الحكومة بلاغا هذا نصه: »نفذ في الساعة الخامسة زوالية من صباح اليوم حكم الاعدام شنقا في سليمان بن حسين الجوني من اهالي قرية الشياح التابعة لجبل لبنان الذي تعرض لمفتش الترام واحد الباعة وقد لقي جزاء خيانته وغدره...«. III مسعود الهليل (أُعدم في 25 نيسان 1916) ولد مسعود الهليل سنة 1870 في وادي شحرور (قرية تابعة لقضاء بعبدا) وهو من أسرة مارونية اتت من شمالي لبنان وقطنت هذه البلدة منذ مئتي سنة. والده بشارة يوسف الهليل، من اشجع اهل زمانه، انشأ عائلة مؤلفة من حبيب ونجيب ورشيد، شبيب ومسعود اصغرهم، جميعهم كانوا مقيمين في الاسكندرية بمصر. وعائلة الهليل كما يقول احمد ابو سعد في كتابه: »معجم اسماء الأسر والاشخاص«، اصلها من عرب الهلال كما يروي طوني مفرج في (الموسوعة اللبنانية المصورة 2: 381)، ويؤيد هذه الرواية ان بني هلال بطن من عنزة بن ربيعة من العرنائية، واسم لأسرة من شمّر في المملكة العربية السعودية اليوم كما في (معجم قبائل العرب 3: 1224 ومعجم قبائل المملكة) وهناك قول يروي انهم فرع من آل خليفة في اهمج (قرية في جرد بلاد جبيل) او من عشائر بني حسن في الاردن. واشهر من برز من ابناء هذه الأسرة في لبنان: الشهيد مسعود الهليل الذي اعدمه الاتراك مع من اعدموهم في عاليه، وابن اخيه عزيز الهليل الذي كان يتولى ادارة محطة السكة الحديدية في البقاع، ثم عمل مراقبا عاما على جرائد حلب، فرئيس تحرير جريدة »البريد السوري« فسكرتير الغرفة السياسية في المفوضية الفرنسية في زمن الانتداب الفرنسي. اشتهر مسعود بدماثة الاخلاق ولطف المعشر كما اشتهر بقوته البدنية التي نسجت حولها اخبار وقصص شعبية شبيهة بالاساطير والخوارق فيها: انه لما سافر الى مرسيليا التقى بمصارع اسود، قوي البنية، يشكل حالة عصائية على السلطة ويتصرف تصرف من هو خارج على القانون. رآه يمشي في اسواق المدينة مشية المتكبر المتغطرس ويدعو الناس الى مصارعته فلا يجرؤ احد عليه لخوفهم منه. وثب عليه مسعود ولطمه لطمة واحدة رمته ارضا ثم نزع منه سلاحه وسلّمه الى الشرطة وأراح الناس منه ومن غطرسته. وروى الخوري لويس الفعالي والد اسعد الفغالي (شحرور الوادي) نقلا عن الياس فياض من بعبدا وهو المقيم في مرسيليا، انه اخبر مسعودا عن رجل فرنسي من اشد الرجال يدعى باري يصارع بيديه ورجليه ورأسه. وكان مهيبا في عيون الفرنسيين لشدة بأسه. ولما وقع نظر مسعود عليه قال لالياس فياض: قل لهذا ان يركع. فقال للرجل ان مسعودا يقول لك ان اركع على ركبتيك. فقال: لماذا؟ وهل أنا في معبد؟ ولما لم يركع أمسك به مسعود ورفعه الى أعلى ثم ضرب به الارض، وصفعه على وجهه ثم نقده خمسة فرنكات. فضحك الفرنسي وقال: ان كانت الصفعة بخمسة فرنكات فأصفعني خمسين بخمسين. ومن فرنسا التي احبها مسعود انتقل الى البرازيل حيث راح يعمل في التجارة الى ان وقعت الحرب الكونية الاولى، عندها ترك البرازيل ورجع الى فرنسا لينخرط في سلك الفرسان مقاتلا في صفوفهم لمدة طويلة. وحين تلقى الانباء المؤلمة عن وطنه لبنان قرّر العودة إليه على متن احدى البواخر الفرنسية التي انزلته على مرفأ شكا، ولكنه لم يبرحها وعاد للتو الى فرنسا اذ وصلته معلومات تفيد انه اذا ما قام بهذه المغامرة فلا بد من ان يقع حتما بين ايدي حرس السواحل، بعد ان عمم اسمه على جميع المرافئ اللبنانية بهدف القبض عليه. وحاول مرة ثانية الدخول الى لبنان عن طريق جزيرة ارواد، حيث جرى له استقبال حافل فيها، وتولى السيد انطون اده انزاله على شاطئ البترون، ومن هناك ذهب الى مسقط رأسه وادي شحرور. وفور وصوله الى لبنان ارسل عدنان بك (مدير الأمن العام) الى قائد الفرقة 43 إخطارا اعلمه فيه بدخوله البلاد. ووصلت في الوقت نفسه برقية الى فؤاد بك شقير (قائد الدرك) من وادي شحرور تقول ان الرجل موجود فيها، وتجب مطاردته وتوقيفه حيا او ميتا. ورأى مسعود ان بقاءه في وادي شحرور سيجلب له ولاقاربه المتاعب والمشقات، فلجأ الى صديقه الامير نسيب ابي اللمع لاخذ رأيه في الامر، فأشار عليه بالاستسلام للحكومة. فقال له مسعود: إذا استسلمت أُعدمت فوراً. اجابه ابو اللمع بأنه سيسعى لدى الامير فأئز شهاب قائمقام المتن للعفو عنه. ولكن الامير فائز شهاب وضع شرطا لمساعدة الهليل واستصدار العفو عنه اذا ساعد ومهد لتوقيف بشارة البواري. تظاهر مسعود بالموافقة على هذا الشرط اول الامر، ووجد فيه فرصة تمكنه من الفرار الى ارواد. ادرك الامير فائز شهاب ان مسعودا يضلله فأتفق مع فؤاد بك شقير واعتقلاه واقتاداه الى الديوان العرفي في عاليه، حيث جرت له محاكمة لم تستمر سوى يوم واحد، اعترف فيها بانه تطوّع في الجيش الفرنسي وقال: »ان لبنان صديق لفرنسا، ولما وقعت الحرب انخرطت، قبل دخول الدولة العثمانية فيها، في سلك الجيش الفرنسي، وليس في عملي خيانة ما دمت اعمل في حمى دولة صديقة لامتي وبلادي«. إلا ان المسؤولين في الديوان العرفي لم يأخذوا بنظريته وحكم عليه بالاعدام. وأرسلت أوراقه الى احمد جمال باشا فأقرها على الفور. وفي فجر 25 نيسان سنة 1916 ارسلت الى سجن عاليه قوة مسلحة لاقتياد مسعود الى المشنقة فوثب عليهم وفرقهم، فطلبوا نجدة مسلحة بلغ عديدها 150 نفرا فقال لهم: أذهب الى الموت بارادتي فلا يمسكني احد منكم. ومشى بينهم الى المشنقة بقلب يزدري الموت، وكان قد استدعى قبل تنفيذ الحكم القس بولس كاهن رعية عاليه الماروني وتمم على يده كل واجباته الدينية. وفي شهر كانون الاول 1920 نقلت رفاته الى مسقط رأسه وادي شحرور في احتفال ضخم حضره الشيخ كروان الخازن، وسكرتير حاكم لبنان الكبير، وضباط فرنسيون، وقامت الحكومة الفرنسية بتحمل نفقات الاحتفال. IV أحمد بن مصطفى الصاوي (أُعدم في 10 تشرين الأول 1915) هو رجل يائس من اهالي بيروت عثر على محفظة في قارعة الطريق، عائدة لكونت الماني يدعى فون برختولد، وجد فيها خمس ليرات تركية، وأوراقا اخرى لا تهمه. استولى على النقود لاطعام اولاده الجياع واعاد المحفظة الى مكانها. والكونت الالماني جاسوس اوفدته القيادة الالمانية بمهمة الى القدس تتعلق بالتحركات الحربية التي يريدون القيام بها في منطقة قناة السويس. وكان هذا الضابط قد اختار السفر الى بيروت ومنها ينتقل الى عكا فالقدس، لاعتقاده ان السفر من هذا الطريق هو اسهل وافضل وآمن من السفر بالسكة الحجازية. وفي اليوم الثاني لوصوله الى بيروت ذهب مع رهط من اصحابه الى دار روزا مردخاي (فتاة يهودية تقطن مع والدتها في منزل سعيد الشامي في محلة الخندق الغميق) حيث تناول ما طاب له من الطعام والشراب، وقضى سهرة مفعمة بشتى اللذائذ والمسرات، ثم ذهب في ساعة متأخرة من الليل للرقاد في فندق دوتشر هوف (المعروف بفندق متروبول الكائن في محلة الزيتونة سوليدير اليوم) وحين افاق من نومه تفقد حوائجه فلم يجد محفظته التي تحتوي على الرسالة الخطة، خطة الحرب المقبلة. فصعق وطار صوابه، وظن انها فقدت في دار روزا مردخاي فقصدها ليسأل عنها. في هذه الأثناء، كانت روزا مردخاي (وهي جاسوسة محترفة تعمل لصالح شبكة استخبارات تديرها ساره ارونسون) قد استولت على المحفظة وسلمت ما فيها الى جول سرور (وهو موظف جاسوس يعمل في شرطة بيروت السرية) فاستنسخ الرسالة بالفوتوغراف وأعادها اليها، فوضعت في المحفظة بضع ليرات تركية، ورمتها في الطريق على أمل ان يلتقطها أحد الجياع المنتشرين كالجراد في الأزقة، ثم دخلت منزلها ونامت مطمئنة الى إنجاز مهمتها!. لم يفاتح الضابط الألماني فون برختولد رفاقه بالأمر، بل ذهب تواً الى دار روزا مردخاي فوجدها لا تزال مستغرقة في النوم، فتمنى على والدتها ان توقظها لموضوع هام ففعلت فقال لها: لقد فقدت محفظتي عندكِ. قالت: لم أرها. قال: بلى. كنت متأكدا من وجودها في جيبي ساعة دخلت منزلك. فهي هنا. قالت: كلا. قال: اذا لم تعيديها اليّ.. قالت: ماذا... أتهددني؟ أنا لست لصّة.. وليس في امكانك ان تمسّني بأذى. فأذهب. قال: أنا لا أتهمكِ بالسرقة لأنه ليس في المحفظة دراهم!. إذاً ما فيها؟ قالت له: ان فيها يا سيدتي أوراقا هي على جانب كبير من الخطورة بالنسبة لي. فاذا فقدت وُصمت بالخيانة. وبالتالي كان نصيبي الإعدام!.. وهنا تظاهرت روزا بالاشفاق على الضابط ثم قالت له: انا على ثقة بأنك لم تفقد المحفظة في داري. قد تكون سقطت منك على الطريق والتقطها أحد اليائسين وبالأخص أنك كنت ثملا ليلة أمس... وماذا ترتئين أن أفعل، قالت له. عليك الاتصال بإدارة الشرطة. قال. لكن الاتصال بالشرطة يُلفت الأنظار إليّ. قالت. سأتدبر أنا المسألة، فلي بينهم أصدقاء وسأدعو أحدهم الى الاهتمام بشأنك وهو يهودي مثلي. حسنا. واستدعت روزا رئيسها جول سرور وقدمته الى الضابط الألماني الذي شرح له القضية، ووعده بالمساعدة. ولكي يتهرب من المسؤولية بعث في طلب مفوض المنطقة عارف الياسرجي (من مفوضي بيروت المعروفين) وأطلعه على الأمر. وكان أول عمل قام به جول سرور ان قال لعارف الياسرجي: أرى يا حضرة المفوض أن تجمع المتشردين الذين يترددون حول منزل روزا مردخاي لعلنا نصل الى ضالتنا المنشودة. فاستصوب رأيه وأصدر أوامره، فجمعوا كل الذين كانوا هناك، ومن جملتهم أحمد بن مصطفى الصاوي الذي عثر على المحفظة، ولدى سؤاله عنها، أنكر لأول وهلة بسبب الخوف ثم عاد واعترف بعد تلقيه عددا من العصي، بأنه وجد المحفظة واستأثر بالليرات التركية الخمس الموجودة فيها واشترى بثمنها طعاما لأولاده الجائعين. فاستغرب الضابط الألماني جواب الرجل المسكين لأن المحفظة كانت خالية من المال... ولما تناول المحفظة.. لاحظ ان المغلف الذي يضم الاوراق السرية قد فتح فصاح: ان الرجل جاسوس. أجابه الياسرجي: كلا. هذا إنسان يائس وأنا أعرفه معرفة تامة. ان الأوراق فتحت. إنه جاسوس قالها مرة ثانية. وجاء جول سرور الى الياسرجي بمعلومات تثبت المسؤولية على الفقير المعدم، فلم ير الياسرجي بدا من إحالة القضية الى رئيس البوليس العدلي، وهو بدوره أحال المتهم الى ديوان الحرب العرفي في عاليه الذي حكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم في العاشر من تشرين الاول 1915. * كاتب وباحث غدا: جزء ثان واخير

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة