I قصة سياسيات أفلاطون بترجمتها العربية طريفة، شأن طرافة كثير من تحولات العلاقات بين الحضارات الكبرى. فالمعروف أن أنصار أرسطو في القرون الإسلامية الأولى (الثالث والرابع والخامس بالذات) كانوا أكثر نفوذا في الأوساط العلمية من أنصار أفلاطون (الذي عرفوه في كثير من الأحيان مغلفا بالأفلوطينية المحدثة نسبة إلى أفلوطين الإسكندري). وقد أعانت أرسطو على بلوغ تلك الشعبية مجموعته المنطقية التي تُرجمت مرارا منذ النصف الأول من القرن الثاني الهجري. بيد أن »أعمال أرسطو الكاملة« إذا صح التعبير، التي وصلتهم بطرق متنوعة عن طريق السريان والبيزنطيين، لم تكن تتضمن لسبب ما كتابة في السياسة. والشكوى من غياب سياسيات أرسطو مبكرة تعود الى الكندي المتفلسف، في النصف الأول من القرن الثالث الهجري. وقد تكررت بعد ذلك على لسان الفارابي ويحيى بن عدي والقنفطي وابن أبي أصيبعة وابن رشد وآخرين. ولكي تكتمل أجزاء الفلسفة بجانبيها النظري والعملي؛ فإن حنين بن إسحاق قام في القرن الثالث بترجمة »جمهورية« أفلاطون إلى العربية. كما ترجم ابنه إسحاق »جوامع« الجمهورية لجالينوس. ويشكل عمل الفارابي في »آراء أهل المدينة الفاضلة«، والسياسة المدنية، وغيرها، تمثلات مختلفة للجمهورية وجوامعها وامتداداتها أو وجوه استيعابها المتنوعة. لكن الفلاسفة المسلمين من جهة أخرى لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام غياب »السياسيات« الأرسطية. ذلك أن حنين بن إسحاق ترجم من ضمن ما ترجم كتاب أرسطو المهم والمعروف باسم »الأخلاق الى نيقوماخوس«؛ وهو يتضمن فصولا واسعة في الحكومات وأشكالها، لارتباط الأخلاق (= الحكمة النظرية) عنده بالسياسة (= الحكمة العملية). كما أن لأرسطو شذرات وإشارات سياسية في كتب أخرى مثل الخطابة لفتت انتباههم أيضا. ويعني هذا أن متفلسفة المسلمين ذوي الاتجاه الأرسطي (وعلى رأسهم الفارابي وابن رشد) كانوا يعرفون نظرية أرسطو السياسية أو أساسياتها معرفة جيدة، ويستطيعون التفريق لو شاؤوا التركيز على ذلك بين رؤيتي أفلاطون وأرسطو السياسيتين. لكنهم للأسف منذ ما قبل الفارابي في ما يبدو ظلوا يتجاهلون الفروق الظاهرة بين وجهتي النظر، بل بين الفلسفتين، ويحاولون التوفيق (كما فعل الفارابي في الجمع بين رأيي الحكيمين) أو التغافل (شأن سائر مؤرخي الفلسفة من المسلمين الذين وضعوا الرجلين في سلسلة طويلة متصلة من أعلام الحكماء الغابرين التاريخيين أو الأسطوريين!). ونصل بعد هذا التمهيد الطويل بعض الشيء إلى »تلخيص« ابن رشد لسياسيات أفلاطون، الذي ظهر في ترجمة عربية (عن الإنكليزية!) قبل شهرين. فالمعروف أن ابن رشد (520 595 ه) انشغل طوال أكثر من أربعين عاما (545 592 ه) من حياته العلمية في كتابة تفسيرات صغرى (جوامع) أو وسطى (تلخيصات) أو كبرى (شروح) على أعمال أرسطو أو سائر أجزاء فلسفته. وعندما وصل الى الأخلاق والسياسة، كتب شرحا وسيطا على »الأخلاق الى نيقوماخوس«، ثم كتب تلخيصا على »جمهورية« أفلاطون إتماما لقسمي الحكمة، للافتقار الى سياسيات أرسطو كما سبق أن قدمت. ولم يمض قرن على شروح ابن رشد هذه حتى كانت تأخذ طريقها الى المجال الثقافي الأوروبي عبر العبرية فاللاتينية أو عن طريق الترجمة من العربية الى اللاتينية مباشرة. وقد تبيّن لعلماء نقد النص الأوروبيين في القرن الثامن عشر الذين بدأوا بنشر النصوص اليونانية واللاتينية نشرات علمية، أن بعض النصوص الرشدية الشارحة لأرسطو، ضاعت أصولها العربية، ولا توجد إلا بالعبرية أو اللاتينية. ثم عرف المستشرقون في القرن التاسع عشر أن ما يجاوز النصف من أعمال ابن رشد الشارحة للمعلم الأول فُقدت أصولها العربية المخطوطة، ومن ضمنها تلخيصه لأخلاق أرسطو، وتلخيصه لجمهورية أفلاطون، واستظهروا أن ذلك حدث نتيجة حريق أصاب مخطوطات الأسكواريال (بمدريد) مطلع القرن السابع عشر. وهكذا فالذي نملكه حتى اليوم من تلخيص ابن رشد للجمهورية ترجمة عبرية، قام بها المترجم اليهودي المعروف شموئيل بن يهودا (من مرسيليا)، ثم قام يهودي آخر بعمل ترجمة لاتينية عن النص العبري. وفي الأربعينيات والسبعينيات من القرن العشرين قام مستشرقان يهوديان معروفان بترجمة النص العبري (استنادا الى ثماني مخطوطات) الى الإنكليزية؛ والرجلان الدارسان هما Erwin Rosenthal وRalph Lerner. وقد كتب كل منهما مقدمة جيدة لترجمته للنص، كما أن روزنتال تميز على ليرنر بتذييل الترجمة بتعليقات إضافية تنم عن معرفة عميقة بالتراث الفلسفي العربي، وبالفارابي وابن رشد على الخصوص. أما ما فعله العبيدي فكان أن ترجم تلخيص ابن رشد عن الترجمتين الإنكليزيتين، كما ترجم مقدمتي روزنتال وليرنر، وتعليقات روزنتال المفيدة في الحواشي. وليس هذا فقط؛ فقد حاول العبيدي إرجاع النص الرشدي الى سويته العربية والفلسفية المصطلحية، لمعرفته الجيدة بالنص الفلسفي الإسلامي الوسيط؛ إذ له أعمال علمية سابقة عن ابن سينا وابن رشد. وتبقى في النص مشكلات كثيرة تعود في أكثرها الى مواطن غامضة كثيرة في الترجمة العبرية. لكن هناك مشكلة أساسية تتعلق بأصل النص نفسه. فليس هناك اتفاق بين الدارسين حول مصدره، أو حول طبيعته. ذلك أن روزنتال يعتقد ان ابن رشد اتخذ جوامع جالينوس أساسا لتلخيصه، وليس نص »الجمهورية« المترجم من جانب حُنين بن إسحاق. والاختلاف حول »طبيعة« النص يتركز في ما إذا كان جوامع أو تلخيصا، والفرق كبير. فالجوامع محاولة شخصية من جانب الدارس لقراءة النص قراءة خاصة. هذا ما فعله جالينوس؛ لكن البادي من محاولة ابن رشد مختلط. فهو يكثر من القول: قال أفلاطون؛ وهذا يعني أنه تلخيص. لكنه يتدخل أيضا ذاكرا آراءه الخاصة أو ناقدا جالينوس وجوامعه؛ وهذا ليس من طبيعة التلخيص. وأحسب أن هذه المشكلات وغيرها لن تجد جوابا شافيا إلا إذا وجدنا الأصل العربي للنص. لكن على رغم ذلك فإن بعض مواطن الغموض يمكن جلاؤها في نظري بالقراءة الدقيقة لنص الجمهورية، كما أن التعريب المصطلحي للنص يمكن تحسينه أكثر، برغم المحاولات الجيدة التي قام بها العبيدي. وسأضرب مثلا لإمكان جلاء الغموض، وآخر لإمكان تحسين أو تدقيق المصطلح: ففي مجال ذكر واجبات وحقوق حراس المدينة في الحروب، يرى أفلاطون أن من حق الحراس »أن يفعلوا أي شيء ضد من هو غريب عنهم« بما في ذلك قطع أشجارهم، واستعبادهم، وهدم بيوتهم. لكن في الحرب الداخلية أو النزاع الداخلي »من غير الجائز أن يقوم المرء بذلك مع أي شخص من أهل مدينته. وعلى سبيل المثال لا يجوز لليونانيين أن يستعبدوا (الأفضل: يسترقوا) أبناء جلدتهم، ويهدموا بيوتهم، ويقطعوا أشجارهم...«. لكن ابن رشد أو المترجم العبري خلط بين الحالتين؛ بحيث لم تعد عبارة ابن رشد مفهومة؛ وخاصة قوله تعليقا على أفلاطون: »هذا لا يوافقه عليه أصحاب الشرائع«، ولا شك في أنه يعني بذلك أمرين نفهمهما من كتابه في الاختلاف الفقهي المسمى: »بداية المجتهد ونهاية المقتصد«: فلا يجوز استرقاق المعارضين الداخليين (= البُغاة في الاصطلاح الفقهي)، كما لا يجوز قطع أشجارهم أو هدم مساكنهم، بل ولا مصادرة أسلحتهم بعد الهزيمة. أما في الحرب مع الخارج فلا يجوز فعل بعض الأشياء أيضا مع »مقاتلي دار الحرب«؛ لا يجوز قتل الأسير، ولا يجوز قطع الشجر وهدم المساكن (إلا في حالات اليأس والاستقتال أو محاولة الانسحاب بعد الهزيمة). هنا نص الجمهورية واضح في التفرقة بين الحالتين، كما أن خلاف ابن رشد معه واضح أيضا؛ وقد حدث الارتباك (الذي تطلّب حاشية طويلة من روزنتال كثيرة المعلومات، لكنها غير مفيدة في حل المشكل) نتيجة طريقة الترجمة أو التلخيص. وكان يمكن بالعودة الى نص الجمهورية، ونص جالينوس، ونص ابن رشد (في بداية المجتهد) وضع الأمور في نصابها. والمثل الآخر على إمكان التدقيق في المصطلح من نفس الموطن أيضا. فقد سمى المترجم العربي القتال مع الخارج »حربا«، وكان ينبغي أن يسميه مصطلحيا جهادا وخاصة انه يستعمل للغرباء المحاربين مصطلح الكفار الإسلامي، ترجمة لمصطلح أفلاطون الغرباء (= البرابرة). أما الحرب الداخلية فيعتبرها المترجم العربي نزاعا، وكان ينبغي أن يسميها فتنة وهي التعبير أو المصطلح الفقهي للحرب الأهلية أو النزاع الداخلي المسلح بين السلطة والمعارضين. أما المعارضون الداخليون فيسميهم المترجم العربي (تبعا للترجمتين الانكليزيتين): »ضالين وليسوا كفارا«، وكان ينبغي أن يسمّيهم كما قصد ابن رشد ولا شك: بُغاة وهو المصطلح الفقهي للمعارضين الداخليين الذين »لهم تأويل« (أي رأي سياسي أو برنامج) بخلاف المحاربين (اللصوص وقطاع الطرق) الذين يجوز قتلهم واستئصالهم وطبعا مصادرة أسلحتهم، إذا ثبت سفكهم للدم، أو سطوهم على الآمنين. ولا يجوز تسمية البغاة والمحاربين ضالين؛ لأن الضلال ليس أقل من الكفر بل هو نوع من أنواعه. وإنما البغاة مسلمون مخطئون في لجوئهم الى السلاح، وليس في معارضتهم. أما المحاربون فمسلمون مرتكبو كبيرة، وجزاؤهم القتل مع التمثيل (قطع الأيدي والأرجل من خلاف) إذا كانوا قد قتلوا وسلبوا بشكل منظم، أو النفي، أو عقوبة أخرى تعزيرية، حسب الحالة التي يكونون عليها حين القبض عليهم أو مواجهتهم (إذا نظموا أنفسهم مثلا، وائتمروا، وخططوا للسلب والنهب والقتل دون التمكن من إنفاذ ذلك قبل الإمساك بهم) حسب ما تدعو إليه الآية القرآنية المعروفة: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا...). II لا يعود الاكتشاف العربي الحديث لابن رشد إلى السبعينيات أو الثمانينيات. فقد اكتشفه فرح أنطون في مطلع القرن عن طريق كتاب اللغوي والمؤرخ الفرنسي إرنست رينان عنه، وعن تأثيراته على العصور الوسطى الأوروبية. وقد قام عادل زعيتر في ما بعد، في الأربعينيات، بترجمة كتاب رينان المذكور إلى العربية بعنوان: »ابن رشد والرشدية«. أما فرح أنطون فقد استخدمه مطلع القرن في حجاجه مع محمد عبده حول الدولة، والدين والحضارة والعلم، وموقع الدين في المجتمع، مستظهرا أن الفصل بين الدين والدولة، والدين والحضارة، هو السبيل الفضلى للنهوض، لما يحدثه الدين وتحدثه شرائعه من نزاعات داخلية في المجتمع، وخصومات بين رجالات الدين ورجالات الدولة، ولوقوف الدين (أو أفهام البشر له) في وجه التقدم العلمي. وذكر فرح أنطون ابن رشد مثلا للفيلسوف المتنور القائل بفصل الدين عن الدولة، حسب ما فهمه اللاتين، وفهمه رينان. ولم يسلّم له محمد عبده بالأمرين؛ فالإسلام لم يقف في وجه التقدم العلمي في تاريخه الوسيط، بل كان الدافع الأساسي لذلك أما المحن والاضطهادات التي نالت بعض المفكرين والعلماء فأسبابها سياسية وشخصية وليست دينية؛ بخلاف المسيحية التي وقفت كنيستها ضد العلم وحقائقه، واضطهدت الناس أواخر العصور الوسطى مما استدعى إزاحتها عن مجال الحياة العامة من أجل الحرية والتقدم. لذا لا داعي في نظر محمد عبده للفصل بين الدين والدولة في المجال الإسلامي، إذ لا مشكلة هنا في ذلك. أما الأمر الثاني والمتعلق بابن رشد؛ فإنه حسب فهم محمد عبده له (وكان يعرف كتابيه فصل المقال، والكشف عن مناهج الأدلة، كما يعرف: بداية المجتهد) ما قال بحقيقة شرعية، وأخرى علمية أو برهانية، ولا قال بفصل الدين عن الدولة؛ بل جُلّ ما ذهب إليه أن الحقيقة العلمية أو الفلسفية لا تجافي الحقيقة الدينية. أما ما فهمه الأوروبيون منه فيعود الى أنه كانت عندهم مشكلة مع الكنيسة دفعت الى هذا الإدراك المنافي للفكر الرشدي. وما غاب ابن رشد عن الاهتمام الفكري والتفسيري بعد هذا الحضور اللافت مطلع القرن. فاستخدمه النهضويون باعتباره عقلانيا تنويريا، واستخدمه رجال مدرسة مصطفى عبد الرازق (في الجامعة المصرية) باعتباره الأدنى الى فهم العقيدة الاسلامية (بخلاف المتكلمين وخاصة الأشاعرة)، واستخدمه الأكاديميون العرب وغير العرب نموذجا للأرسطية الصافية في مواجهة الأفلاطونية، والغنوصية المخرفة. وفي غمرة الاحيائية الاسلامية الصاعدة حاول الإسلاميون استعادته الى الاسلام الاصطلاحي الملتزم. ثم جاء الأستاذ محمد عابد الجابري فاستخدم مقولتي أرسطية ابن رشد وعقلانيته دعماً لأطروحته التي صارت شهيرة اليوم حول غنوصية المشرق، وعقلانية المغرب الإسلامي، التي تأسست عليها العقلانية الفلسفية الغربية! وقد قامت الباحثة الألمانية Anke von Kugelgen بمسح شامل لاستخدامات ابن رشد العربية الحديثة كلها، في عمل ضخم يستحق القراءة والاعتبار، صدر عام 1996. بيد أن همي هنا ينصب على عمل ابن رشد في تلخيص السياسيات الأفلاطونية، وإضافاته، ورؤيته السياسية بشكل عام؛ لمناسبة الذكرى المئوية الثامنة لوفاته (التي يحتفل بها اليونيسكو هذا العام)، ولمناسبة صدور الترجمة العربية (عن الإنكليزية للأسف!) لتلخيصه لتلك السياسيات. ما سبق للقراءات العربية لابن رشد حتى مطلع الثمانينيات ان اعتبرت فكره السياسي أو شرحه للسياسيات الأفلاطونية إضافة بارزة للفكر السياسي الاسلامي أو فكر الدولة العربي الوسيط. ويرجع ذلك الى حد ما الى عدم معرفة الكثيرين لترجمة روزنتال عن العبرية، أو عدم معرفة الدارسين للغة الإنكليزية. وقد كانت هناك طبعا تلخيصات وإيجازات للترجمة الانكليزية المذكورة في الستينيات والسبعينيات (ذكر العبيدي بعضها في مقدمته للنشرة التي بين أيدينا)؛ بيد أنها لم تعط لذلك التلخيص أهمية في النظام الفلسفي لابن رشد. وفجأة، في أواسط التسعينيات، بدأ الأستاذ محمد عابد الجابري يتحدث عن تلخيص ابن رشد للجمهورية باعتباره أهم الأعمال السياسية العربية الوسيطة. وأضاف لذلك في كتابه: »المثقفون في الحضارة العربية: من محنة ابن حنبل الى نكبة ابن رشد« الاعتقاد بأن تلخيصه هذا (هو يعتبرها: جوامع)، كان السبب الأساسي في نكبته على يد المنصور الموحدي عام 593ه، لما عبّر فيه عن آراء تتعلق بإدانة دولة الموحدين وسياساتهم في تعليقاته على النص الأفلاطوني، ثم لعلاقاته الطيبة بأبي يحيى أخي المنصور، الذي كان واليا على قرطبة، ويمكن أن يهدد سلطة المنصور الضعيف والمريض. ولست هنا في معرض التحقيق في أسباب نكبة ابن رشد القصيرة الأمد، بل أود التعليق على أمرين: أهمية تلخيص ابن رشد باعتباره عملا في الفكر السياسي، ومدى دقة ابن رشد في فهم الفكر الأفلاطوني، وعلاقة ذلك بالفكر أو النظام الفلسفي والسياسي الأرسطي. فالواقع ان ابن رشد بالعودة الى التلخيص ومقارنته بنص الجمهورية فهم أفلاطون (مجردا من بنيته الأسطورية) بشكل جيد. لكنه برغم ذلك ظل مثل الفارابي مقتنعا بأنه لا تناقض في الرؤية الفلسفية أو السياسية بين أفلاطون وأرسطو؛ بدليل انه يشرح العديد من آراء أفلاطون بالعودة الى الأخلاق لأرسطو أو الخطابة له. وقد سبق أن ذكرت انه قام بتلخيص الجمهورية بعد تلخيصه لأخلاقيات أرسطو باعتبارها مكملة لها للافتقار الى سياسيات المعلم الأول. فهو على رغم فهمه الجيد لأرسطو بشكل عام، وفهمه المقبول للجمهورية على الخصوص، ما رأى هناك اختلافا يستدعي الملاحظة أو الذكر بين الرجلين في رؤيتهما الفلسفية أو فكرهما السياسي. وقد يمكن أن نلتمس له عذرا حين نلاحظ أنه حذف المقدمة الأسطورية، والخاتمة الأسطورية أيضا للجمهورية. فعمل أفلاطون مقسم إلى عشرة كتب، وقد تجاهل ابن رشد الكتاب الأول ونصف الثاني، والكتاب العاشر، لأن هذه الكتب (المغفلة) تحتوي على أقوال جدلية أو خطابية أو شعرية أو أسطورية، وهو يريد استقصاء الأقوال العلمية البرهانية دون غيرها، حسب ما قال. لكن الأجزاء الباقية (المدينة الفاضلة ودستورها، وخصال رئيس المدينة، والمثل والمآثر المستخدمة في بناء المدينة الفاضلة ومضاداتها أعني المدن الناقصة: التيماركية والأوليغاركية والديموقراطية والاستبدادية) فيها من الاختلافات مع أرسطو في أخلاقياته (الجانب السياسي منها) ما يستدعي الذكر والتعليق، وهو ما لم يفعله ابن رشد، بل فعل عكسه، إذ عمد الى استخدام أخلاقيات أرسطو تارة تقديما لآراء أفلاطون، وطورا شرحا وتعليقا عليها. وقد حاول العبيدي فهم ذلك باعتباره تطويعا من جانب ابن رشد للفكر الأفلاطوني لصالح الفكر الأرسطي. لكن التطويع يتضمن إمكانية التوفيق لعدم وجود تناقض داخلي في اقتناعه بين النظامين الفلسفيين. ولو كان الأمر غير ذلك لعمد الى كشف التناقضات الداخلية لاستعصائها على التطويع أو التوفيق كما فعل في نقده لتهافت الفلاسفة للغزالي، عندما اتهمه في »تهافت التهافت« بأن توفيقاته وتلفيقاته شكلية وخطابية ولا تثبت أمام آليات البرهان. وهناك أمر آخر يدعم فرضيتي في عدم قدرة ابن رشد ومن قبله الفارابي على تمييز التناقضات العميقة بين النظامين الفلسفيين الأفلاطوني والأرسطي. فهو في تعامله مع نص أفلاطون يسلك أحد خمسة مسالك: الاستحسان والتأييد، أو العرض المجرد، أو المعارضة من وجهة نظر الشريعة، أو المعارضة (له أو لجالينوس) من وجهة نظره الخاصة (وهذا نادر)، أو محاولة إثبات انطباق التوصيفات الأفلاطونية (أو الأرسطية) على الأوضاع المعاصرة له في دار الإسلام. ويعني هذا بالنظرة الأولى انه لو رأى تعارضا حقيقيا بين أفلاطون وأرسطو لذكر ذلك أو لانتصر لمعلمه أرسطو، كما فعل حينما انتصر للشريعة أو لمقتضيات تعقله الخاص. وهكذا فما أراه أن ابن رشد بوصفه أرسطيا ما كانت العقلانية البرهانية »الصافية« رائدة وموجهة كما زعم محسن مهدي ومحمود قاسم والجابري ومحمد عاطف العراقي وآخرون، وأنه ما كان يرى تناقضا بين نظام أفلاطون ذي البنية الأسطورية ونظام أرسطو ذي البنية البرهانية المنطقية. ولا أرى في ذلك عيبا ولا اتهاما؛ فالعقلانية التنويرية للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر (التي ما يزال العلمانيون والتنويريون العرب يتشبثون بها) تقوم على مجموعة من الأساطير والأيديولوجيات والأفكار المسبقة التي لا تثبت أمام نقد النقد، شأنها في ذلك شأن شقائقها المعتبرة غير عقلانية وغير منطقية. فابن رشد شأنه في ذلك شأن الفارابي وابن سينا والغزالي وابن باجة وابن طفيل متعدد الأوجه، وقابل للقراءات المتعددة، ذات المستويات المختلفة؛ دون أن أدعي أنه ليس للواحد من هؤلاء وجه أو طابع غالب. لكن: ماذا عن أهمية فكر ابن رشد السياسي؟ أنا أرى أن ابن رشد في شروحه على أرسطو، وفي تلخيصه للجمهورية، قام بعمل فلسفي من طراز رفيع، كما قام بعمل حضاري رائع في مجال التعقل المقارن للنظم السياسية المختلفة. أما إضافاته في الفكر السياسي (من خلال تعليقاته على أفلاطون التي تتطرق أحيانا لأحوال عصره، ولدولة الموحدين) فلا أرى أنها تشكل مذهبا أو رؤية سياسية تشبه في ذاتيتها أو بعدها التحليلي والبنائي ولو من بعيد العمل التركيبي الذي قام به الماوردي أو ابن خلدون. لقد عددت أحد عشر موطنا علق فيها ابن رشد على أفلاطون مخالفا من وجهة نظر الشريعة، أو مستطردا للحديث عن أوضاع عصره. وأهم تلك المواطن تتعلق بأشكال الفساد التي تعرض لنظم الحكم (المدن الناقصة أو الجاهلة عند أفلاطون)، والتي استطرد ابن رشد لذكر تطبيقات وشواهد عليها من أحوال عصره. وقد رأيت في »الحكمة العروضية« لابن سينا قبل خمسة عشر عاما عبارة طويلة منقولة عن أخلاقيات أرسطو في أشكال الحكومات وتحولاتها، طبّقها بحذافيرها على أوضاع عصره مطلع القرن الخامس الهجري؛ ومع ذلك لم يقل أحد ان ابن سينا بسبب تلك الملاحظات الناقدة أنتج رؤية سياسية رائعة لتطورات نظام الحكم في العالم الاسلامي آنذاك. فعمل ابن رشد الملخص هذا جيد في عرضه للنص الأفلاطوني، وفي فهمه التقني أو الظاهر له؛ وقد يكون عملاً فلسفيا مهما بهذا الاعتبار، لكنه ليس عملا سياسيا تحليليا أو بنائيا لقيام النظم وتحولها وانقضائها، ولعلاقة السلطة بالمجتمع. إنه شرح فاهم لا أكثر، وتخالطه أحيانا تعليقات ذكية أو جريئة. ولهذا، وعلى الرغم من كل عمل ابن رشد الشارح لأرسطو؛ فإنني ما أزال أرى أن »فلسفة« ابن رشد ينبغي أن تُلتمس بالدرجة الأولى في: تهافت التهافت، وفصل المقال، والكشف عن مناهج الأدلة. وعلينا أن لا ننسى في مجال التعقل الفقهي: كتابه: بداية المجتهد. (*) ابن رشد: تلخيص السياسية لأفلاطون (محاورة الجمهورية). نقله الى العربية حسن مجيد العبيدي، وفاطمة كاظم الذهيبي. دار الطليعة للطباعة والنشر. بيروت، شباط 1998. وعلمت أن ترجمة أخرى على وشك الصدور، قام بها الأستاذ محمد عابد الجابري وتلامذته، من ضمن مشروع لإصدار النص الرشدي كاملاً.