صدر عن »رويات الهلال« في القاهرة روايتان الأولى »اهبطوا مصر« لمحمد عبد السلام العمري، والثانية »خرائط للموج« لسهام بيومي، هنا قراءة لهما. يروي محمد عبد السلام العمري، الكاتب المصري، رحلة متخيّلة لمواطن مصري الى أحد الاقطار العربية الغنية، التي تُجزل الاجور وتستأهل الغربة عن الوطن في سبيل المادة وتحصيلها. هي رواية عن رحيل متشوّق الى الأحلام الكبرى، وعودة خائبة لم يوجدا الا في خيال الكاتب بحسبه وهي ذات نكهة مصرية صميمية كدلالة أولى، تعرض الى شريحة واسعة من المصريين، تضطرها الحاجة والأمل، الى الخروج من رحم مصر المكتظ بناسه الى ناس حيوات أخرى وبلاد أخرى. ثمة في الرواية، تلك البساطة التي تُقارب البديهية احيانا، والتي تلقي بظلها على النص والمتلقي والكاتب. وهذه، تفرض وعيا مضاعفا من القارئ، وعيا عادلا وحساسا، بغية عدم الوقوع في وجهة نظر الكاتب البالغة الخصوصية، المتمكنة على مدى الرواية بالكامل، في طرح إشكالية مصرية استعلائية بعض الشيء، في تناولها للبلدان العربية الغنية، الامر الذي يتيح لها استقدام الأيدي العاملة من أي مكان أتت، تعِدها بالثروة والوفرة وتأمين الاقامة اللائقة وكل ما يلزم لغريب فإذا وقع عقد عمل واضحا، انقلب المُستقدِمون (بكسر الدال) على شروط العقد وأخلّوا بها تاركين خيبة عميقة عند كل طالب عمل ووافد جديد. خصوصية هذه الخصوصية البالغة في السرد، تتطلب الكثير من وعي القارئ، لغربلة تجربة الكاتب، سواء كانت حقيقية ام متوهمة، ليتميز على خصوصية النص، الذي هو لصالح الكتابة في الاساس، وثانيا، التأكيد على اختلاف التجربة، وملابساتها، نقدا ووعيا ونصاً. هذه الدعوة، تحمل الكثير من المشروعية. فالنص يعاود حياته عبر المتلقي، لذا فإن لكل قارئ أسلوبه في بعث الحياة، من خلال العوم قليلا على سطح الرواية، او ترك بصمات مميزة، تؤرخ لكاتبها. كلاسيكية محمد عبد السلام العمري يغوص في ثقافة تفارق المعاصرة، ويعرض في »اهبطوا مصر« الى كثير من الاسبقيات المتعلقة بفن الرواية الحديثة وطبيعتها ودورها. اننا كقراء، امام »حكاية« عاودنا قراءتها مرارا ومداورة علها تكشف لنا جديدا، غير يوميات مسافر عادية، تُدين اكثر مما تُخبر، وتسلّط الضوء على خصوصية عربية للبلد المضيف، بدل ان تكون محطة دافئة مفتوحة على رحاب الحوار والنقاش. »اهبطوا مصر«، وإن بدت نظرة سوداء على كل ما هو خارج مصر، تحرّض بعض الشيء على نوع من الاجتهاد الوطني، والتعلق والانتماء، وإن بدت غير عادلة، من احباطات مهندس تلازمه من لحظة سفره حتى عودته »موسيقى خفيفية وناعمة، وقفت الطائرة، نزل جميع الركاب، خائفا من القيام، فما زالت ساقاه ترتعشان، ثم استعاد هدوءه، همّ واقفا، آخذا حقيبة يده، ودّع شاكراً المضيفة وزميلاتها، قرأ وهو على سلّم الطائرة، اهبطوا مصر«. (ص 320). أجناس إن عددا من عناصر »اهبطوا مصر« الأولى، غائبة تكاد (عاطفة تخييل واقع مقولة) لأن كل من هذه الاجناس سار في طريق خاص به، وخلق مجموعة من العوامل والعناصر التي لم تعرف سبيلا الى التوافق. بدت جميلة من جهة، علاقة الكاتب بجذوره، وإن أتى انفصاله عن خارجها، جارحا أحيانا. مع محمد عبد السلام العمري و»اهبطوا مصر«، نقترح دعوة الى كتابة جديدة، ونص مفتوح، والاستفادة من عناصر فنون أدبية اخرى كالفن التشيكلي والسينما والخبر الصحافي. ليس بالضرورة طبعا، حضور كل التقنيات والعناصر في النص الواحد، او الرواية الواحدة، ولكن غياب الركن الاساس وهو برأيي رحابة الكتابة وشموليتها ومنطقها الحاكم، قد يكون سببا لتعريض البناء للسقوط. خرائط للموج في رواية سهام بيومي، يلفتنا تقديم العالم الخارجي، بشكل يفوق، بل ينفصل عن تقديم العالم الداخلي للكاتبة. اي ثمة تباين بين العالمين. بيومي تكتب الخارج فقط، وكأنها في صدد تقرير تعده عن مدينتها مصر. هذا الخارج في طغيانه في »خرائط للموج« تتخلله بعض الاحداث الهامشية المحيطة بالشخصية، فتأتي الصور العقلية او الذهنية على شكل اجزاء أضاعت محوريتها، لتبقى على تشتتها، او عدم اكتمالها. وهذا لأن الوصف العيني المسترسل، الذي يقارب الهذيان احيانا، يصطبغ نوعا ما، بإرباكات الحبكة الروائية، المتلخصة في عزل الشخصية، عن الاحداث الجارية حولها. كما ان هذه الاحداث لا يمكن تقديمها من دون تشتت، لأنها تُقدَّم من خلال وعي الشخصية ذاتها. سياحة »خرائط للموج« سياحة في أحوال مصر، بناء وبشراً، ماضيا وحاضرا متوهمين وحقيقيين وزائلين في الوقت نفسه. هذه الرؤية الكبيرة مادة لرواية دسمة، لم تزخّرها الكاتبة في كتابة مقتضبة تقول وجهة نظرها بوضوح، بل تبقى على حياديتها في العزوف عن الخاص، الى التقريرية البحتة. واذا بحثنا عن رؤية الرواية الخاصة وجدنا »خرائط للموج« لا تفعل، سوى التسلح بالمنطق العام الذي يعتمد على التنظيم والترتيب، من دون الاخذ في الحسبان طبيعة جريان هذا العام وعدم منطقيته. ثم ان سهام بيومي في تقديمها الافكار ممتزجة بالاحداث الآتية والاحداث الماضية معا، لا تدعنا نلمس حرية الحركة بين الازمان هذه. بل ان ثمة ازمانا واقفة عندها، في ما يشبه عملية استبطان ذاتي يتوقف معه زمن الرواية. ما بين ليلى وخالد ومديحة ويوسف وعصام ومصطفى وعادل نضيع وسط شذرات كلام غير ذي بال، يتأرجح بين الحقيقي والمتخيّل عن حال اهل مصر وما آل اليه، الذين استهدوا اخيرا الى السفر الى »الخليج« والعودة محمّلين بالذهب والثروات. كمٌّ من الصفحات أفردتها الكاتبة، هو خليط لا يكفي ولا يوضح، السياحة اللامتناهية للكاتبة في طرقات تملأها الطمي، وبنايات شُيّدت حديثا وأخرى زالت. شغور جغرافيا مصر القديمة والحديثة، عجزت بيومي عن شغلها بالحضور الانساني الذي هو من صلب عملية البناء الدرامي في الرواية، سواء حضورها هي، ككاتبة وانسانة، او وقع حضور الآخرين المشتتين في الذاكرة والمكان. »علامات تتحرك على الخارطة، تنزلق على تضاريسها، تغيب في خطوطها، تظهر وتختفي، تتناثر وتتصادم في كيانات غير مرئية، تبدو آثارها بقع مكشوطة على الخارطة، أُمسك عدسة مكبّرة، وأُمعن النظر اليها، تنطلق أسهم في كل الاتجاهات. حي جديد بدأ إنشاؤه كمنطقة جذب سكاني، مساكن زهيدة الاجر، ينمو الحي سريعا، خليط من السكان من أماكن شتى، تقذف بهم المدينة الى الاطراف التي أصبحت منافي، بلامبالاة، شباب باحثون عن سكن رخيص يتناسب مع امكانياتهم المحدودة، وأُسر هُدمت بيوتها او تصدعت، وجيوب لأحياء داخل المدينة لأصحاب ممهن هامشية، وخارجين على القانون، ارتفع ثمن الأرض التي يقيمون فيها، منازعات بين السكان داخل المساكن وخارجها، فِرقٌ من البلطجية يساعدهم ذوو النفوذ ويساندونهم«. (ص 246). دراسات لعل بيومي في »خرائط للموج« لم تفارق بعد، على المستوى الأدبي الروائي، الدراسات التي قامت بإعدادها عن أحياء القاهرة، والدراسة التاريخية عن شارع قصر النيل التي تحوّلت الى فيلم تسجيلي، بالاضافة الى دراسات عن بورسعيد. غير ان الرواية كمحصّلة، لا تُعدم إثارة القضايا حول الهوية والتراث والتاريخ والحاضر الذي تعيشه، وحول الاختيارات من منظور الجيل الذي تفتّح وعيه، وخرج الى الواقع في فترة السبعينات. البطلة، المهندسة المعمارية في »خرائط للموج« رصدت معمار المدينة، وفاتتها سخونة العلاقات الانسانية التي عليها تُبنى الأعمال الأدبية. عناية جابر