إحياء الدين، القيم، المستقبل، التراث، دور المثقف وإخفاق هذا الدور في عالمنا، التكنولوجيا ومستقبل العلم، بعض من امور اساسية اهتم بها الدكتور زكي نجيب محمود الذي يعتبر واحدا من اخصب العقول العربية في القرن العشرين، يتفق على ذلك مؤيدو افكاره بكل تطوراتها وتبدلاتها، وخصوم تلك الأفكار. هنا في هذا القسم من »رحلة في العقل العربي« وبعد ياسين الحافظ، نقوم برحلة في افكار زكي نجيب محمود، الذي ظل حتى رحيله في شهر تشرين الاول (اكتوبر) من العام 1993، متابعا دقيقا لحياة الفكر في العالم العربي، ولحياة الفكر في »العالم الخارجي«، وهو كان دائم التعليق في الصحف والدوريات كما في كتبه العديدة (التي يتألف معظمها على أي حال من مقالاته المتابعة)، على الاحداث كما على الأفكار ولكن دائما من موقع المهتم بالمصير العربي وبالتساؤل حول العقبات التي تمنع المجتمعات العربية من دخول العصر والسير فيها قدما الى الأمام. زكي نجيب محمود ولد في مصر في العام 1905 تلقى دراسته الثانوية في الخرطوم ثم في القاهرة قبل ان يحصل على دكتوراه الفلسفة من كلية الملك بجامعة لندن في العام 1947. عرف في بداياته باتجاه وضعي خالص في الفلسفة، وبقناعة اهتمامه بالتراث الاسلامي والعربي، معطيا الاولوية للفكر الغربي وللمعاصرة، لكنه اواسط الستينيات راح يهتم اكثر بالتراث العربي وبالمصير العربي بشكل عام، فأصدر اهم كتاب له وهو »المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري« كما اصدر »تجديد الفكر العربي«. ولقد اصدر زكي نجيب محمود خلال ما يقرب من الاربعين عاما نحو 45 كتابا تناول فيها مختلف الشؤون الفلسفية والحضارية والفكرية، ومن بين كتبه البارزة »قصة عقل« و»قصة نفس« وهما اشبه بسيرة ذاتية له، و»موقف من الميتافيزيقيا« و»حياة الفكر في العالم الجديد«، و»نحو فلسفة علمية« و»في حياتنا العقلية« و»هذا العصر وثقافته« و»شروق من الغرب« و»مجتمع جديد او الكارثة« و»من زاوية فلسفية«.. والخ. والمختارات التالية جرى اقتباسها من العديد من كتب زكي نجيب محمود ومن مقالات له نشرت في مجلات، ولم يجمع بعضها في كتب، لحد علمنا، حتى الآن. إحياء الدين وتجديد الحياة } كيف السبيل الى إحياء الدين ليعود قوة دافعة كما كان أول عهده؟ هذا السؤال طرحته على نفسي منذ امد بعيد، ولم يزل يظهر في حياتي ويختفي الى يومي هذا، وكثيرا ما كان يراودني الطموح بأن انكب على هذا السؤال ملتمسا له جوابا أقتنع بصوابه، ولكنني كنت سرعان ما اجدني امام موضوع لا قبل لي به (...) انني مؤمن الآن اشد ما يكون الايمان بأن نهوضنا بعد الكبوة الحضارية التي طال بنا عهدها، وأعني نهوضنا الذي يتيح لنا ان نسير مع سائر الدنيا سير الشركاء لا سير الاتباع، لن يتحقق الا اذا جاءت الحوافز من الدين والوسائل من العلم، لماذا؟ لسبب ظاهر وهو ان الحوافز في صميمها قيم نريد لها ان تتحقق في دنيا الواقع، فمن اين نأتي بهذه القيم الحافزة؟ (...) انها اختصارا، ليست اشياء نعثر عليها بين سائر الاشياء، بل هي »صور« تتمثل امام الذهن، نشعر بأننا مكلفون بتجسيدها في شؤون الحياة الجارية! فما مصدر تلك الصور العقلية التي هي معايير السلوك؟ مصدرها الاول، وربما كان مصدرها الوحيد هو الدين. ما سبيلنا إذاً الى إحياء الدين؟ كيف أضع في رؤوس الناس مجموعة القيم التي يدعو اليها الدين بحيث تتحول تلك القيم الى حوافز لا يستقر صاحبها الا اذا اخرجها للناس ولنفسه عملا مرئيا مستمرا؟ وبحيث لا تظل في رؤوس اصحابها من قبيل المحفوظات التي نكتفي منها بأن نعيدها على الاسماع ميتة او كالميتة لا يهتز لها عصب ولا ينبض بها عرق؟ الحقيقة اننا بكل جهودنا في سبيل »التعليم« الديني لا نزيد عن كوننا نشير بأصابعنا للناس الى ثمرة عالقة في غصنها البعيد، لكننا لا نبين لهم كيف السبيل الى قطفها فنحن نعرض النصوص ومعانيها وكان الله يحب المحسنين(...). ولعلك قد لاحظت انني قد وضعت كلمة التعليم بين حواجز او اقواس، حين اشرت الى »التعليم« الديني الذي نؤديه، ولقد تعمدت ذلك لألفت انتباهك الى حقيقة الموقف الراهن، فما نفعله اليوم في هذا السبيل محضر كله في عملية التعليم التي اذا نجحت تزيد المستمع او القارئ علما بما هنالك، ثم لا نكاد نفكر بعد ذلك في الخطوة التالية المهمة، وهي خطوة التدريب التربوي على ان ينتقل »العلم« الى »العمل«، وفي هذا الانتقال يكمن الإحياء الديني كما الصورة. واننا اذ نتكلم عن الاحياء الديني، لا بد من ان يرد الى اذهاننا »احياء علوم الدين« للغزالي، فماذا أراد الغزالي ان يحققه بهذا »الاحياء«؟ اظنه اراد امرين: اراد ان يعود بالاسلام الى عهده الاول، ثم اراد ان يقاوم الذين حسبوا ان معرفة الحق وحدها تكفي، فقال في ذلك: بل لا بد الى جانب المعرفة من سلوك، وان يجيء ذلك السلوك محققا للشريعة. وعندما نقول ان الغزالي اراد بإحيائه لعلوم الدين ان يعود الاسلام الى عهده الاول، فمن الواضح ان هذه العودة لا تكون بمجرد »الحفظ« لما كان يقوله الاولون، بل ان هذه العودة لا تعني شيئا اذا لم تكن تعني ان أعود الى ذلك الضرب من الايمان الذي يحول العقيدة الى عمل. كان التحول الذي اسماه الغزالي »احياء« هو في عمقه تحول من الفكر مجرد الفكر، الى الارادة التي تخرج ذلك الفكر الى مجرى السلوك. فاذا لحظنا نحن اليوم ان جهودنا كلها تدور في دائرة »الفكر« وحده من دون ان تتعدى ذلك الى الارادة التي تعمل بناء على ذلك الفكر، فنحن على حق اذا زعمنا اننا بعيدون عن »الاحياء« المطلوب. بين المثقفين والجمهور } انظر الى السنوات الثلاثين الاولى من هذا القرن، والى الافكار العظيمة التي حاول »المثقفون« ان تنفذ الى عقول الناس وقلوبهم، ولو فعلت لتبدلت الحال غير الحال: الشيخ محمد عبده في دعوته الى الذهاب مع حكم العقل الى آخر مداه في فهم الدين، فاذا بقيت بقية تستعصي على العقل، اكتفينا في قبولها بمجرد الايمان، ويمكن القول بأن عباس العقاد سار على الطريق نفسه، ولطفي السيد في فكرته عن الحرية السياسية بمعناها الليبرالي الذي يجعل لكل فرد حسابه المستقل في كفة الميزان، وطه حسين في محاولته نزع قناع القداسة عن وجه الماضي لتخضعه للتحليل العلمي في غير تردد وخوف، وهكذا وهكذا.. لكن هل بلغت الرسالة غايتها؟ لو انها فعلت لما رأينا الناس وبينهم كثير جدا من المتعلمين غير المثقفين يسرعون الى تصديق كل ما يقال لهم عن الخوارق واللامعقول، فاذا قيل لهم ان اشباح الموتى ظهرت من قبورها واندست في زحمة الناس، صدقوا، واذا قيل ان ارواح من انتقلوا الى العالم الآخر اذا استحضرها خبير حضرت ونظمت شعرا وتحدثت نثرا ليسمع السامعون، صدقوا (...) ولك بعد ذلك ان تعجب ما شئت اذا رأيت هؤلاء الذين لم يترددوا في تصديق الخوارق غير المعقولة، يترددون الف مرة قبل ان يصدقوا ما يستطيع العلم في عصرنا ان يفعله (...) ومعنى ذلك كله هو ان حاجزا كثيفا يفصل فئة من »المثقفين« وجمهرة الشعب ومنها المتعلمون الذين لم يضيفوا »ثقافة« الى علمهم، ثم جاءت العقود الاخيرة فحدث خلالها تغير رهيب، اذ بينما لبثت جماعة »المثقفين« في عزلة وحدها دون سائر الشعب المتعلمين منه وغير المتعلمين انتقل محور الجذب، فبعد ان كانت جماعة المثقفين هي التي تحاول جذب الجمهور الى أعلى، وأعني جذبه الى ان تكون نظرته متجهة الى المستقبل، اصبح جمهور الشعب هو الذي يحاول شد المثقفين، اصحاب الفكر الجديد، الى اسفل، بحيث تتجه انظارهم الى الوراء. وواضح انه أفلح الى حد كبير في تحقيق ما أراد وبات الصوت الاعلى لأصحاب الدعوة لان يوكل الرأي في كثير من امور الحياة الى القلوب الطيبة.. محاكاة المراحل القديمة } .. ليس اقتل للانسان في موقفه الثقافي والحضاري، من ان يحاكي مرحلة تاريخية سبقت المرحلة التي يعيش فيها، محاكاة تفصيلية حرفا بحرف وفعلا بفعل. لا، بل ليس اقتل للنموذج السلفي نفسه من ان يظل الخلف يعيدونه ويكررونه بمثل هذه المحاكاة التفصيلية التي اشرنا اليها. فلب الحياة وصميمها انما هما في إبداعها الجديد الذي نتكيف به مع المواقف الجديدة. سر الحياة وسحرها وإعجازها، هي في ابداعها. فاذا كان السؤال العسير الملقى علينا هو: ما هي تلك القصة الكأداء التي وقفنا امامها عاجزين عن الدخول في القرن العشرين، مع انه يدنو من ختامه، ارجح الظن ان جوابنا سيكون بأن تلك العقبة انما كانت هي الوقوف عند نمط ثقافي حضاري لا نريد له ان يتغير مع الزمن، وقد ظللنا نمسي معه ونصبح، حتى اشبعناه تكرارا، وقتلناه محاكاة (والقتل هنا بمعناه الحرفي) وان الحياة نفسها بدفعتها الكامنة لتوشك ان تصيح بنا وفينا: هيا جميعا الى اقتحام العقبة، قاصدة بصيحتها ان نبدع ولا نحاكي. من المحلية إلى العالمية الحقة } اذا اتفقنا على ان العالم قوامه أفراد مع اتفاقنا على ان الفرد ينحل الى شبكة من علاقات تربطه بالأشياء والاحباء من حوله فقد اتفقنا في الوقت نفسه على ان لكل فرد محلا من مكان ولحظة من زمان، فمهما تتعين حدوده ويتحدد وجوده، فليس منا من يعيش خارج مكانه وزمانه، مهما شطح به الوهم وطاح الخيال، لان وهمه هذا او خياله هو حالة نفسية او ذهنية قائمة راهنة، فهو دائما »هنا« و»الآن« اذا اعاد الماضي بذاكرته فقد اصبح الماضي عنده حاضرا، واذا تشوف المستقبل بخياله، فقد ارتد المستقبل »حاضرا« كذلك. ومعنى ذلك اننا »محليون« ليس لنا من المحلية فكاك، فاذا تحدث منا متحدث، او كتب كاتب، جاء ما يتحدث به او يكتبه مرتبطا بمحله الذي يعيش فيه وبلحظته التي يحياها، والرابطة هي اللغة التي يستخدمها في حديثه او كتابته على اقل تقدير ان لم تكن كذلك هي المضمون الذي تحمله تلك اللغة في طيها(...). وانتقلْ من مجال الأدب والفن والفلسفة الى مجال العقل، تجدْ الظاهرة نفسها، ولنأخذ مثلا من ضروب الفعل ثورات الشعوب، فكم من شعب ثار داخل اقليمه على هذا او ذاك من اوضاعه التي اثارت فيه الغضب، ولكن ما كل ثورة تجاوز حدود اقليمه الى غيره من الاقاليم، وذلك لان من الثورات ما ليس يحمل من القيم الا ما يهم اهل اقليمه وحده (...) لكن من الثورات كذلك ما هو مشرع بالقيم الانسانية، التي من اجل تحقيقها قامت، والقيم الانسانية لا تخص اقليما دون اقليم، فسرعان عندئذ ما تطغى موجتها عبر حدود وطنها، لتجتاح غيره من الاوطان التي تتعطش للقيم الجديدة ذاتها، وكانت تنتظر القيادة لتفجر، ولا فرق في هذه الحالة بين ان تجيء القيادة الثورية من داخل او من خارج، وما الرسالات السماوية في الديانات الا من هذا القبيل، جاءت لتستبدل قيما بقيم، وضربا من الحياة بضرب، ولذلك لم تقتصر رسالة منها على اقليمها، بل امتدت كلها حتى شملت رقعة فسيحة من الارض، في هذا الاتجاه او ذاك، وكذلك الحال بالنسبة الى الثورات السياسية، فالثورة الفرنسية، والثورة الروسية والثورة المصرية كلها من ثورات القيم، التي لا تكاد تنبثق في مكان، حتى تجد الاشياع في كل مكان (...) ان من حقنا الطبيعي، اذاً، ان نثبت ذواتنا في انتاج يحمل خصائصنا المحلية، بكل ما فيها من ألوان تميز الأفراد من حيث هم أفراد، وتميزهم من حيث هم مواطنون، لكن خطوة تالية واخيرة لا بد من اجتيازها لتكون لنا رسالة فكرية وهي ان نطلع العالم على ذلك الجانب من ذواتنا، الذي يتجلى فيه »الانسان« من حيث هو انسان ذو فطرة عامة شاملة، وذو قيم ومبادئ تسعى الى تحقيقها الانسانية في سيرها الدائب نحو الكمال، لا تعرف نفسها في ذلك قيودا من مكان ولا حدودا من زمان. وذلك لان الجمع بين المحلية والعالمية ليس سرا ملغزا، فسره مكشوف واضح، وهو العثور على احد من اصول الفطرة البشرية، حيث يكفينا من المفكر او الأديب لمحة صادقة واحدة، يضيء لنا بها جانبا مظلما من هذا العالم الرحيب، فاذا ما فعل ذلك ووقف فيه اجتاز من فوره حدود مكانه وزمانه ليرحب به العالم اجمعين. بين الفكر العربي والفكر الإسلامي } متى يكون الفكر »الاسلامي« »عربيا« ومتى لا يكون؟ فالفكر الاسلامي في حالة جمال الدين الافغاني، مثلا، هو في الوقت نفسه فكر عربي بالرغم من انتماء الافغاني الى أمة غير عربية. ولنذكر هنا كيف ان الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتابه الرائد »تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية« وجد من الضروري ان يبدأ بالنظر في مسألة اساسية هي: أيكون من الصواب تسميتها بالفلسفة الاسلامية ام تسميتها بالفلسفة العربية، وذلك لان لكل من هاتين النظرتين انصارا ومعارضين(...). وفي ظني ان غموض الرؤية يزول، او يقل، اذا نحن صورنا الموقف بين الجانبين الاسلامي والعربي بخطين متعاقد أحدهما مع الآخر. فهنالك خط أفقي يتعاقد معه خط رأسي، اما الأفقي منهما فهو يصور مجال الأمة العربية في ما يربط ابناءها من صلات اللغة والاقتصاد والتاريخ والسياسة وما الى ذلك من روابط تتصل بالعيش هنا على هذه الارض، وأما الخط الرأسي فيصور لنا الجماعة الاسلامية على اختلاف اوطانها، اذ تلتقي كلها على دين سماوي واحد، ونقطة التلاقي بين الخطين تصور موقف العرب المسلمين الذين يحيون »افقيا« مع مواطنيهم العرب من غير المسلمين، ويحيون »رأسيا« مع اخوانهم المسلمين من غير العرب. ويمكنك تصوير الحقيقة نفسها بدائرتين متداخلتين (لكنهما غير متطابقتين) فها هنا تجد امامك ثلاثة اقسام: قسم اوسط يدمج الدائرتين معا في مساحة واحدة، وهؤلاء هم العرب المسلمون، وقسم جهة اليمنى تنفرد به احدى الدائرتين دون الاخرى، فليكن ذلك هو للمسلمين غير العرب. وقسم ثالث جهة اليسار، تنفرد به الدائرة الاخرى، فهو للفئة الثالثة، أعني العرب غير المسلمين. ولقد كان لهذه الفواصل بين الجانبين اصداء قوية في التاريخ الاسلامي، حينما جاءت الدولة الاموية عقب عهد الخلفاء الراشدين، فجعلت مبدأها التمييز بين المسلم العربي والمسلم من غير العرب (اي الموالي) ولقد كان من أمر تلك التفرقة ما كان من حركات »الشعوبية« و»الزندقة«. ثم جاءت الدولة العباسية، وحاولت ان تغير من المبدأ بما يحد من خطورة تلك التفرقة، ولست في حاجة هنا الى ذكر ما قد ادى اليه ذلك كله من عصبيات »اتفاقية«؛ فهذا يتعصب للثقافة العربية الخالصة، وذلك يتعصب لغيرها، او على الاقل لمزيج منها ومن غيرها. والنتيجة التي اردت الوصول اليها، هي اننا اذا اقمنا ما اسميه جامعة للشعوب الاسلامية والعربية سنكون قد وضعنا الامور في نصابها الصحيح، اذا نحن اقمنا البناء على ركائز ثلاث، في صورة منظمات ثلاث تتفرع من الجامعة المنشودة: احداها للمجال الذي تلتقي فيه العروبة مع الاسلام، واخرى للشؤون التي ينفرد بها الاسلام دون العروبة، وثالثة للشؤون التي تنفرد فيها العروبة دون الاسلام، فتحقيق الاهداف مرهون دائما باستقامة السبيل. إحياء التراث لماذا؟ } اذا ما أردنا اليوم »احياء« للتراث، وجب ان يكون لهذه الكلمة »معنى«، بأن نخرج موروثنا الثقافي من غيبوبة المشابه، ولا يكون ذلك بإعادة طبع كتاب اصفرت اوراقه، في كتاب ابيضت فيه تلك الاوراق، ثم نكتفي بذلك فنقول »احياء«! وهل نحيي الدمية اذا ألبسناها ثوبا غير ثوب؟ ولن يغير من الأمر شيئا ان يضيف المحققون الى الطبعة الجديدة هوامش مثقلة برموزها، فيقولوا ان هذه اللفظة المعينة قد وردت في النسخة الفلانية كذا، وفي النسخة العلانية كيت، فهذا كله عمل اكاديمي له قيمته، لكنه لا يحيي كائنا بعد موت. واحياء التراث لا يتحقق الا اذا انتقل من كونه جملة مفردة تكتب او تقال ليصبح غذاء لكائن حي معين، فيجري في شرايينه دماءً مع الدماء(...). احياء التراث هو ان يخرج قارئه ودارسه بروح يستمدها مما قرأ او درس، ليبثها في حناياه فاذا هو مصطنع لنظرة جديدة، من شأنها ان تعقد الأواصر بينه وبين السلف الذي احيينا تراثه، حتى ولو وقف من مضمون تراثه موقف الناقد او المتشكك، فاذا قرأت ديوان المتنبي قراءة إحياء، خرجت منه وقد سرت في عروقي كبرياؤه، ثم لا ينفي ذلك ان أقف منه موقف الناقد، المهم هو ان اعيد شيئا من حياة المتبني في حياتي، او قل ان المهم هو ان »اتقمصه« ولو الى حين، وبعدئذ يترسب منه في نفسي ما يترسب ليبقى(...). اقرأْ شيوخ المعتزلة قراءة احياء تخرج منهم انسانا يعتد بإرادته الحرة التي اسبغت عليه كرامة الانسان، لانها ألقت على كتفيه تبعات الانسان، او اقرأ ابا الحسن الاشعري قراءة احياء، تجدك بعدئذ قد عرفت لعقلك حدودا، فعرفت ما له وما عليه، فله ان يذهب في التعقل الى آخر مداه لا حراج عليه ولا قيد، لكنه اذا ما بلغ ذلك المدى بقيت امامه بقية لا تدخل في نطاقه فتحيله الى منطقة الايمان(...). اننا في موقفنا من التراث يجب ان نتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود، فندرسهما معا، ولكن ندرس الابيض ليحيا في سلوكنا وندرس الاسود ليموت في ظلمته. بين العاطفة والفعل } نحن في حاضرنا الثقافي والعملي رومانسيون بمعنى الدفعة الغريزية والنفور من كل ما يحيط بالتفكير العقلي من ضوابط وحدود، فالرومانسية في جوهرها تضيق بالقواعد والقوانين، حتى لو كانت هذه القواعد والقوانين قد وضعت لضبط معايير الاخلاق ومعايير الفنون، فوسيلة الرومانسي في ادراك ما يدركه هي في وجدانه لا منطق عقله، ما ينبض له قلبه هو الحق، واقذف في جهنم ما قد يمليه عليك منطق العقل اذا جاء مخالفا لما قد مالت اليه العاطفة. المنظر الريفي متروكا على طبيعته هو عند الرومانسي خير من مدينة تعج بظواهر الحضارة، وذلك لان الريف هكذا جاء انبثاقة فطرية، واما المدينة بحضارتها فمن نتاج العقل وعلومه. ولما كان المنظر الريفي اكثر ملاءمة للشاعر، وكانت المدينة اكثر ملاءمة للباحث العلمي، كان للشاعر عند الرومانسي اسبقية على رجل العلوم (...) وليس هذا التعارض بين العاطفة والعقل مقصورا على اصحاب الفن والأدب، ولا على عامة الناس في حياتهم اليومية، بل انه ليظهر كذلك على مستوى الفكر الفلسفي(...). ونحن، من جهتنا، نعطي الصدارة لعواطفنا في احكامنا وسلوكنا ونفاخر الناس بأننا كذلك، وان عواطفنا تلك لتخطئ وكم اضلتنا عن سواء السبيل، فلو كنا نتعلم من اخطائنا كما تتعلم من اخطائها فئران التجارب العلمية، لجاز ان يكون لنا اليوم موقف آخر، لكننا نصر على الركون الى العاطفة اصرار الفراشة على النار الحارقة، ونترك عقولنا في ازمتها تنتظر لنا البعث الجديد. حول التكنولوجيا } ان »علم التقنية« اي التكنولوجيا بأدق معانيه، لا هو الفكرة العلمية وهي في رأس صاحبها، ولا هو الآلة المصنوعة التي نتجت بناء على تلك الفكرة، انما هو »طريق السير« بين الطرفين، هو طريق السير بين الفكرة من داخل والآلة المصنوعة المتجسدة في الخارج، فاذا كان في رأس العالم صيغة رياضية معينة لقانون من قوانين الطبيعة، فليس هناك تكنولوجيا، وكذلك ليست التكنولوجيا هي السيارة او الثلاجة او الطائرة او آلات النسيج في المصنع، لأن هذه الأشياء نتجت عن »علم التقنية«. التكنولوجيا منهج في التفكير العلمي. فلا هي الفرض العلمي الذي ينتظر التحقيق، ولا هي تطبيق ذلك الفرض في دنيا الاشياء، لكنها هي »المنهج« الذي افكر على اساسه في كيفية اخراج الفرض النظري الى دنيا التطبيق، ولذلك فليس من الدقة ان نقول عن التكنولوجيا انها مساوية في معناها للعلم التطبيقي(...). التكنولوجيا هي »منهج« علمي جديد، قوامه اعداد الاجهزة التي يمكن بها نقل العلم النظري الى التطبيق العملي، وليست اشياء مجسدة نضعها في المصانع او في البيوت(...) وليست المشكلة هي ان نشتري تلك المصنوعات من اسواق اوروبا واميركا ثم ننقلها الى بلادنا لنستخدمها بل المشكلة الحقيقية هي خلف المناخ الملائم لبعث روح الابتكار والاختراع لدى الدول النامية، او بعبارة اخرى فان المشكلة الحقيقية هي تعليم ابناء الدول النامية طريقة استخدام المنهج العلمي الجديد، وهنا اذكر عبارة قالها »وايتهيد« في كتابه »العلم والعالم الحديث«، الذي اصدره في عشرينيات هذا القرن، اذ قال عن التكنولوجيا انها منهج للاختراع وان »اعظم ما اخترعه العلم هو اختراع طريقة الاختراع«. ولما كانت العصور يتميز بعضها عن بعض، لا بمقدار المعرفة المتداولة، بل بمنهج التفكير في كل منها، كان لنا بحق ان نقول عن عصرنا هذا انه عصر التكنولوجيا، مفرقين في ذلك بين النتائج التي حصلنا عليها نظرية او تطبيقية وبين »المنهج« الذي استخدمناه في الحصول على تلك النتائج، وذلك المنهج هو ما نسميه بالتكنولوجيا. هل يمكن تجديد القيم؟ } اننا بحاجة دائمة الى تجديد في القيم التي تقبل التجديد، وأقول هذا لأشير الى التفرقة التي كثيرا جدا ما يفوت الناس ادراكها، وأعني التفرقة بين قيم متغيرة مع تغير الظروف، وقيم اخرى ثابتة لأنها اسس لا تقبل التغيير. هذه تفرقة لا نكف عن الاشارة ليها، لان عدم ادراكها هو الذي يقسم الناس الى جبهتين: احداهما تريد التجديد والاخرى تقاومه محافظة على القديم، ولو تبين لنا في وضوح ان من يريد التجديد انما يريده في الجانب المتغير من القيم القابلة للتغيير، لما رأيناه في الثغرة التي تفصل الجبهتين، ولو لم يكن المجتمع بحاجة دائما الى التغيير في القيم القابلة للتغيير لما رأيناه في تفكير لا ينقطع حول التربية وضرورة تطويرها، فما معنى ان نطلب تطوير التربية في الاسرة وفي المدارس والجامعات، اذا لم يكن معنى ذلك ان نظاما تربويا تعليميا قائما، ينطوي على افكار معينة، يراد تغييره لتغيير تلك الافكار بسواها؟(...) واذا قلنا ان الاجيال الداعية الى التغيير في مراحل الانتقال انما تدعو الى تربية جديدة تبث قيما جديدة، كان معنى ذلك انها تريد استبدال مجموعة من الاعتقادات بمجموعة اخرى، شريطة ان تكون من الاعتقادات القابلة للتغيير، كالمقاييس التي يقاس بها النجاح، ومكانة المرأة والعناية بالطفل، وطريقة التعرف في اوقات الفراغ، ومعنى التسوية بين الناس، وطريقة الحكم ومشاركة الشعب فيه، والنظم الاقتصادية وترتيب الاهمية بين الاشياء: الحاجات البيولوجية، والمجالات الثقافية وغير ذلك. ومن البداهة ان الداعين الى التغيير في مراحل الانتقال، لا يمكن ان يشملوا الناس جميعا، بل هم دائما قلة قليلة، هي التي تحس قبل سواها بضرورة ذلك التغيير، وعادة ما تكون هذه القلة الداعية من الكتّاب والأدباء والشعراء ورجال الفن، فهؤلاء هم صناع القيم، هؤلاء هم الذين يسبقون غيرهم الى تصور ما يمكن ان تكون عليه الحياة الجديدة، وبالتالي فهم يصدرونه لهم في ما يكتبونه وينظمونه ويعزفونه ويرسمونه، ومن امثال هؤلاء المبدعين لصورة الحياة الجديدة المأمولة، يتألف في مراحل الانتقال ما يسمونه بالجيل الحائر. نمو النمو وتخلف التخلف } ان عالمنا كما هو قائم الآن يشقيه الفقر الفظيع من ناحية، ويفسده البذخ والاسراف من ناحية اخرى، وان الموقف المأساوي الحزين ليضاف اليه جانب من السخرية اللاذعة، نسخر بها من انفسنا حين نكتفي بأن نطلق على القسم الاول وهو ثلث سكان الأرض البلاد النامية، وعلى القسم الثاني وهو ثلث السكان البلاد التي نمت بالفعل. ومصدر السخرية اللاذعة عندي هو في الايحاء بأن النامية في طريقها الى ان تلحق بالتي حققت نموها، مع ان الفجوة مع الزمن تزداد، لان المتقدم يسرع في تقدمه بنسبة اكبر جدا من سرعة المتخلف في سيره الى الأمام. على ان المتقدم والمتخلف في هذا التقسيم الحضاري، لا تحددهما الحدود الجغرافية تحديدا فاصلا، لان القسمين يتداخلان، بمعنى ان تجد داخل البلاد المتخلفة فئات من اهلها تعيش على المستوى العالي الذي يعيش عليه اهل البلاد المتقدمة، بل قد تزيد، فضلا عن وجود بلاد وضعتها ثروات ارضها في مقدمة الأغنياء، اما حضارتها فقد امسكت بها مع الاسرة المتخلفة، وكذلك لا شأن من تقسيم عالمنا بين تقدم وتخلف لاختلاف الانظمة الاجتماعية السياسية، وهي انظمة قد تتنوع بدرجة كبيرة الا انها تدور حول محورين رئيسيين هما محور الرأسمالية من جهة ومحور النظم الاشتراكية من ناحية اخرى، فمن الاولى ما هو غني ومتقدم، وما هو فقير متخلف، وكذلك من الثانية بلاد تقدمت واخرى تخلفت. وتعليل ذلك ليس ببعيد، فالتقدم الذي يصاحبه الغنى، مرهون بالعلم التقني (التكنولوجيا) والتصنيع، وليس من هذا المجال فرق بين ان يكون البلد رأسماليا او اشتراكيا، ومعنى ذلك انه اذا اراد العالم لنفسه نجاة من أزمته الراهنة، فلا بد له من تصور جديد لمجتمع جديد، وهذا التصور هو الذي حاول الباحثون ان يترسموه ليرسموه، فلأول مرة نلاحظ شيئا من التقاء الافكار بين ابناء البلاد المتقدمة وأبناء البلاد المتخلفة على السواء وذلك لان كلا الفريقين بدأ يحسب بأن العالم كله المتقدم منه والمتخلف، كأنما يقف على شفا حفرة من نار، فالمصير واحد بالنسبة للقسمين معا، ولا خلاص لهما من ذلك المصير الا ان يتعاونا على إقامة مجتمع جديد، لا يكتفى فيه بترميم البناء القديم، بل هو مجتمع يقوم على أسس اخرى غير التي كانت، لانه لا بديل لمثل هذا المجتمع الجديد الى كارثة تكرث اهل الارض جميعا. حسب الكاتب أن يكتب } أنظر الى العربي المعاصر واسأل: ماذا اصابه من جوانب الضعف حتى صار الى ما صار اليه من سلبية واسترضاء، برغم ما قد يدعيه لنفسه في ما يقول وما يكتب، لانك تعرف حقيقة الانسان من سلوكه وطرائق سعيه، لا مما يخطب به فوق المنابر او ما تجري به الاقلام في الصحف من مقالات وقصائد؟ لا اعلم بماذا يجيء جوابك، لكنني اجيب فأقول: ان علل الضعف كثيرة، من بينها اثنتان بارزتان، احداهما ما بين افراد الناس من تفاوت في ممارسة الحقوق والواجبات، والاخرى مجاوزة الواقع الى ما يخلقه الناس عن ذلك الواقع من اوهام، فكان من شأن الضعف الاول ان اهدرت كرامة البشر، وبالتالي غيض في انفسهم معين الابتكار والخلق، وكان من شأن الضعف الثاني ان اهتزت صورة العلم الطبيعي في اعيننا، وبالتالي سدت المصادر الحقيقية التي تنشأ عنها العلوم، فاستعرنا من تاريخ الفكر الانساني ثورتين، اولاهما من »اخوان الصفا« نعالج بها العلة الاولى، وثانيتهما من وليام الاولكامي نعالج بها العلة الثانية. وقصارى الكاتب ان يكتب، وليس في وسعه ان تتفتح له الأبصار والأسماع والقلوب.