As Safir Logo
المصدر:

من ناخب الى المرشحين برنامج انتخابي لبلدية بيروت

المؤلف: الاسير مصطفى التاريخ: 1998-05-23 رقم العدد:8000

لما كانت الانتخابات البلدية لمدينة بيروت قد اقتربت، ولم أسمع او اقرأ برنامجا انتخابيا من اي مرشح يلامس المشاكل الاساسية للعاصمة على أسس علمية، وعلى ضوء ما هو حاصل في العواصم والمدن الكبرى في سائر البلدان المتقدمة. رأيت من واجبي كناخب بيروتي ان أطرح افكاري ورؤيتي هذه، لعلها تكون مجالا للمناقشة لدى المرشحين للانتخابات البلدية في بيروت، وكل مهتم بالشأن البلدي وسائر الناخبين الاكارم على اختلاف انتماءاتهم السياسية او الحزبية او العقائدية او الطائفية. اولا العمل على استرداد صلاحيات المجلس البلدي في بيروت الموزعة بين اكثر من مؤسسة كمجلس الانماء والاعمار ومجلس المشاريع الكبرى لمدينة بيروت وغيرها من المؤسسات، عدا عن الهيمنة المطلقة للسلطة الاجرائية ممثلة بوزارة الداخلية من خلال سلطتها الآمرة على محافظ المدينة الذي يتمتع بصلاحيات رئيس السلطة التنفيذية في بلدية بيروت. ثانيا انهاء هذه الهرطقة القانونية المتمثلة باقتسام صلاحيات رئيس البلدية من خلال النص الغريب العجيب في قانون البلديات رقم 118 الصادر عام 1977 والقوانين التي سبقته، الذي يجعل من محافظ العاصمة وحده بين سائر المحافظين في لبنان رئيسا للسلطة التنفيذية في البلدية، تاركا للرئيس المنتخب صلاحية ادارة المجلس البلدي ليس الا. اي انه لا يعدو كونه نصف رئيس بلدية في بيروت تاركا لرئيس المجلس النصف الآخر، في الوقت الذي يفترض فيه بحسب نصوص قانون التنظيم الاداري اي المرسوم الاشتراعي رقم 116 الصادر عام 1959، ان يكون رئيسا لجميع الوحدات الادارية المعنية بشأن مدينة بيروت في كل وزارة من الوزارات باستثناء وزارتي العدلية والدفاع. حيث جاء النص صريحا بقوله: (المحافظ يمثل جميع الوزارات في منطقته ويرأس جميع موظفيها باستثناء وزارتي العدل والدفاع). ولم يستثن هذا القانون ولا غيره من القوانين محافظ مدينة بيروت من هذه الصلاحيات وخصوصا الصلاحيات الامنية من قوى أمن وأمن عام وأمن دولة من خلال كونه بهذه الصفة رئيسا لمجلس الامن الفرعي لمدينة بيروت. هذه الصلاحيات هي في الواقع مغتصبة او قل مسروقة من قبل الوزراء بدون اي مسوّغ قانوني سوى العقلية الانانية والمتخلفة التي تعتبر ويا للأسف ان الدوائر المعنية بشأن مدينة بيروت موجودة في مبنى وزارة الوزير او على مقربة منه. وان فكرة اللاحصرية هي فقط للدوائر الاقليمية البعيدة عن العاصمة، علما بأن السبب الحقيقي في جعل محافظ العاصمة رئيسا للسلطة التنفيذية في البلدية يتمثل في الإبقاء على الامساك بزمام امور بلدية بيروت في يد الحكومة متمثلة بوزير الداخلية عن طريق موظف اسمه المحافظ يأتمر بأوامر الحكومة، ولا يحاسب امام المجلس البلدي بشكل قانوني آمر. وهذا الامر يتعارض مع البنية القانونية للسلطة البلدية ورئيسها، باعتبار انها سلطة مستقلة ماليا وإداريا وتتمتع بالشخصية المعنوية، وهي منتخبة مباشرة من الشعب ورئيسها جزء منها ومسؤول امام مجلسها الذي له ان يقيله إذا أساء. وخلاصة القول اننا نريد لمحافظ مدينة بيروت اكثر بكثير من كونه في الواقع نصف رئيس بلدية. بل ان يكون واليا حقيقيا او حاكما إداريا لمدينة بيروت لكونه بحكم القانون ممثلا لجميع الوزارات في العاصمة ويرأس جميع موظفيها باستثناء وزارتي العدل والدفاع، شأنه في ذلك شأن سائر المحافظين في سائر المناطق اللبنانية. ثالثا اعادة النظر في هيكلية البناء الاداري لبلدية بيروت، وسأحصر بحثي ها هنا في نقطة واحدة، تتجلى بداية في توضيح نوع العلاقة التي يفترض ان تقوم بين السلطة البلدية والمواطن من اجل ان يستقيم العمل البلدي. فمن المحتم ان تكون هذه العلاقة من التلاصق والحميمية بشكل يشعر المواطن بأنه شريك فاعل في السلطة البلدية ومراقب حميم لأعمالها وقراراتها، ذلك ان طبيعة العمل البلدي تفترض ذلك. فإذا أخذنا مثلا على ذلك موضوع النظافة فإن وجود مئة ألف عامل تنظيفات، في الوقت الذي تسمح فيه اي سيدة لنفسها بأن تنظف منزلها ومن ثم تلقي بهذه الأوساخ على الطريق العام فإننا لن نلقى أي نتيجة ايجابية. لذلك، ومن اجل تأمين وجود مثل هذه العلاقة الحميمة بين السلطة البلدية والمواطن، لا بد من إنشاء دائرة بلدية في كل منطقة من مناطق بيروت بعد تقسيمها الى ثماني دوائر فيكون للمزرعة والطريق الجديدة دائرة ورأس بيروت دائرة والمصيطبة وتوابعها دائرة وعين المريسة دائرة والأشرفية دائرة والمرفأ دائرة والمدور وطريق النهر. فتكون هذه الدوائر عبارة عن مبنى يضم اجهزة للهندسة والشؤون المالية والصندوق والنظافة والشرطة اي عبارة عن بلدية صغيرة تعنى بكل الشأن البلدي في كل من هذه المناطق بدون الاضطرار للذهاب الى مبنى البلدية المركزي، ويفرز لكل من هذه الدوائر عضو او عضوين من أعضاء المجلس البلدي للإشراف على نشاطات كل من هذه الدوائر. يجهز هذا المبنى بالأقسام اللازمة ومكتبة وقاعة اجتماعات عامة يقصدها من يريد من مواطني هذه المنطقة او تلك في اجتماعات دورية كل خمسة عشر يوما يحضرها مندوب رئيس البلدية في هذه الدائرة مع عضوي المجلس البلدي المركزي المنتدبين لهذه الدائرة، حيث يُستمع الى شكاوى الناس مباشرة وتناقَش أفكارهم واقتراحاتهم بشكل مباشر وحميم ضمن نطاق منطقة صغرى يسهل معها تعميق العلاقة بين السلطة البلدية المركزية المتمثلة بالمجلس البلدي الواحد للعاصمة وبرئيسه، الامر الذي ينتج عنه اشعار كل مواطن بأنه شريك فعلي في نشاطات بلديته وأعمالها المختلفة. كما يؤدي الى شفافية النشاط البلدي في العاصمة وفي تفعيل الممارسة الديمقراطية بشكل اوسع وأعمق، على ان لا يؤدي ذلك الى شرذمة القرار البلدي، بل يبقى هذا القرار موحدا من خلال المجلس البلدي الواحد للعاصمة، مع وجود الدوائر التنفيذية المناطقية التي ذكرناها آنفا. علما بأن هذا الاقتراح الحل ليس بدعة نبتدعها في هذا المضمار، اذ ليس في العالم عاصمة واحدة او مدينة كبرى محكومة بجهاز بلدي مركزي واحد. فباريس مثلا فيها عشرون دائرة بلدية مناطقية، واسطنبول فيها ثلاثون دائرة، وجدة فيها ست بلديات موحدة بمجلس واحد. رابعا كيف يمكن زيادة الموارد المالية للبلدية. من المعلوم انه مع استمرار ارتفاع متطلبات الخدمات البلدية في اي بلد من بلاد العالم المتقدم، لم تعد الواردات المالية المتأتية من جباية الرسوم والمكوس كافية لتلبية هذه الحاجات. لذلك فإن قانون البلديات وقوانين التنظيم المدني اعطت للسلطة البلدية مجالات واسعة للقيام مباشرة او بمشاركة القطاع الخاص بمشاريع انمائية واستثمارية لمصلحة البلدية، كإنشاء الأسواق والمناطق الصناعية والبرادات والمناطق الحرة والمساكن الشعبية، ووسائل النقل والمساهمة في شركات عقارية تقوم البلدية بإنشائها بالاشتراك مع أصحاب الاملاك الخاصة. وذلك بموجب المادة 21 من قانون التنظيم المدني الساري المفعول. وغاية ذلك اعادة تنظيم بعض المناطق السكنية او التجارية او غيرها من جهة، وحصول البلدية على حصص استثمارية تساوي مشاركتها في هذه المشاريع. إذاً، ان من صلاحية السلطة البلدية القيام بعدة مشاريع في العاصمة شبيهة بمشروع (سوليدير) وإن لم تكن بحجم هذا الاخير. مع تأكيد ضرورة اعادة النظر في طرق استثمار الاملاك البلدية واسترداد بعضها كميدان سباق الخيل بعد نقله الى مكان آخر في ضواحي المدينة. وحرصا مني على تجنب الاطالة في بحث هذه النقطة بالذات اكتفي بإعطاء امثلة حاصلة في معظم المدن الكبرى في العالم. فإذا ما أردت ان تنتقل من رصيف إحدى الساحات الى الرصيف المقابل في مدينة (لندن) او (وارسو)، على سبيل المثال، فإنك ستضطر الى النزول تحت ارض هذه الساحات لتجد أسواقا او مكاتب او مرائب لإيقاف السيارات هي ملك للبلدية، يشكل استثمارها ريعا إضافيا هائلا للبلدية اضافة الى آثاره الانمائية على العاصمة. خامسا كيفية تمويل المشاريع البلدية. رب سائل يسأل كيف يمكن لأي بلدية الحصول على الاموال اللازمة لإنشاء مثل هذه المشاريع المذكورة في البند السابق يشكل مباشر ام بالاشتراك والقطاع الخاص. لا يمكن ان يتم ذلك إلا عن طريق إنشاء مصرف للإنماء البلدي، مهمته قروض طويلة الاجل وبفوائد متدنية تخصص لمشاريع مدروسة على الصعد الفنية والإنمائية والريعية (دراسات جدوى تقديم) يستعيد المصرف القروض التي قدمها من ريع هذه المشاريع. ومن المؤكد ان مثل هذا المصرف سيكون مدعوما من اكثر من مركز مالي عالمي كالبنك الدولي والبنك الاسلامي وغيرهما من المؤسسات المالية التي تدعم مثل هذه النشاطات الانمائية. الامر الذي يتأتى عنه حركة إنمائية شاملة في كل البلاد ومداخيل مالية هائلة للبلديات تمكنها من القيام بتغطية الحاجات والخدمات المطلوبة على أحسن وجه. سادسا ضرورة تعديل المخطط التوجيهي لمدينة بيروت وتعديل قانون البناء. في دوائر التنظيم المدني في لبنان تسود نظرية يرتكز عليها المخطط التوجيهي وقانون البناء خصوصا لجهة حق الاستثمار السطحي وحق الاستثمار العام. وتقضي هذه النظرية بالتساهل ضمن حد معين في الاستثمار السطحي والتشدد تجاه حق الاستثمار العام، خصوصا لجهة عدد الطوابق اي الارتفاع. ويظهر ان هذه النظرية مقتبسة من بلدان اخرى تختلف طبيعتها السكانية او الجغرافية عن بلدنا لبنان. فمساحة لبنان التي لا تزيد عن عشرة آلاف وأربعمئة واثنين وخمسين كيلومترا على أربعة ملايين نسمة تجعله من البلدان الاكثر اكتظاظا سكانيا. لذلك فإننا نرى ان زيادة عامل الاستثمار العام مع التشدد في الاستثمار السطحي او مساحة القاعدة للبناء، مع التساهل في ارتفاع البناء لعدة طوابق اضافية ينتج عنه في بيروت على الأقل ثلاث نتائج ايجابية: 1 ان زيادة عامل الاستثمار العام يعطي قيمة اضافية لمالك الأرض (أهل بيروت بشكل خاص). 2 يوفر من كلفة البناء مما يخفض من ثمن الشقة والمحلات على طالبي السكن والعمل في شتى المجالات. 3 يزيد من مساحة الفسحات بين بناية وأخرى وتتسع المساحة الخضراء في العاصمة، وتزيد فرص تأمين مرائب للسيارات. (*) محام.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة