لعب المفكر والباحث الفرنسي الراحل جيل دولوز دورا كبيرا في انفتاح الفكر الفلسفي على الفن السينمائي، من خلال مجموعة من المقالات والدراسات التي طرحت العديد من المعطيات التحليلية، عبر مقولة رأى فيها ان السينمائيين الكبار الذين قارنهم بالرسامين والموسيقيين والمعماريين الكبار ايضا طرحوا افكارا من خلال الصورة الحركة والصورة الزمن. عن الشق الاول، صدرت الترجمة العربية لكتاب دولوز »الصورة الحركة او فلسفة الصورة«، التي قام بها حسن عودة، عن منشورات وزارة الثقافة السورية والمؤسسة العامة للسينما، ضمن سلسلة الفن السابع. وهو يتضمن اثني عشر فصلا: يبحث الاول في ثلاثة اطروحات حول الحركة، من خلال قراءة الحركة واللحظة، ولحظات مفضلة وحركة وتغيّر الكل... في حين ان الثاني يعالج موضوعات الكادر واللقطة وضبط الكادر والتقطيع الفني. يتوقف دولوز في الفصل الثالث عند المونتاج، وفي الرابع يناقش الصورة الحركة وتنوعاتها، كتعليق ثان لبرغسون بعد الاول (في الفصل الاول)، وفي الخامس هناك الصورة الاحساس، والسادس حول الصورة العاطفة، والسابع يعالج المركبات المتنوعة مستعينا بنماذج من برغمان وستيرنبرغ ودريير وبريسون وغيرهم. في الثامن، هناك قراءة في الصورة الغريزة، والتاسع عن الصورة الفعل (الشكل الكبير) والعاشر عن الصورة الفعل (الشكل الصغير)، والحادي عشر عن دلالات التحويل او تحولات اشكال العقل، والثاني عشر عن أزمة الصورة الفعل. يقول دولوز ان كتابه هذا ليس تاريخا للسينما، بل محاولة في تصنيف الصور والدلالات، في حين ان هذا الجزء من الدراسة »ركّز على تحديد العناصر«. يضيف دولوز: »عالجنا في هذا الجزء الاول، الصورة الحركة وتنوعاتها. اما الصورة الزمن فستكون موضوع الجزء الثاني. بدا لنا ان من الممكن مقارنة المؤلفين السينمائيين الكبار ليس فقط مع الرسامين والمهندسين المعماريين والموسيقيين، وانما مع المفكرين ايضا. فكروا من خلال الصورة الحركة والصورة الزمن، بدلا من ان يفكروا من خلال المفاهيم والتصورات. غير ان المقدار الهائل من الضعف، وعدم الكفاءة في الانتاج السينمائي ليس اعتراضا على ذلك. هو هنا ليس أسوأ منه في اي مكان آخر، على الرغم من نتائجه الاقتصادية والصناعية الفادحة«. يرى دولوز ان المؤلفين السينمائيين العظام »هم فقط أكثر قابلية للجرح والتثبيط من غيرهم. ما من شيء أسهل من احباطهم والحؤول دون إنجازهم لأعمالهم. تاريخ السينما حافل بقائمة طويلة من الشهداء. ان السينما لم تكن أقل اسهاما في تاريخ الفن والفكر من غيرها من الفنون، وفي ظل اشكال مستقلة فريدة لا تضاهى، ابتكرها هؤلاء المؤلفون، وقاموا بنشرها رغم كل شيء«. وينتهي دولوز من تقديم كتابه بالقول ان غايته »لن تعدو ان تكون اشهارا وتوضيحا بالأمثلة والشروح لأفلام عظيمة، لا شك ان كل واحد فينا يحمل عنها ذكرى، تأثرا او إحساسا«.