كان زياد نجيم متجرئا حين قرر تناول موضوع »متعة النساء« عند المسلمين، وكان الشيخان شرارة وميقاتي وصحبهما متسرّعين حين وافقوا على المشاركة في هذا الامر، وقبلوا الارتجال في مسألة فقهية خلافية يزيد عمرها على ألف وثلاثمئة سنة، ويستعصي حلها على مَن هم أكبر من زياد نجيم والشيخين الكريمين، ولا سيما اذا كان الامر يجري في حلقة تلفازية محدودة الزمن، ويشارك فيها كل من استطاع نجيم الاتصال به، او استطاع هو الاتصال بنجيم. ولم يكن بوسع المشاركين في الحلقة، مهما أبدوا من حسن النية، الا ان يحركوا عواطف مجانية بين البسطاء خاصة. هذا لا يعني امتناع البحث في هذا الموضوع، فليس لأحد ان يقفل باب العلم ولا ان يمنع حق المراجعة في الشؤون الدينية، لكن التلفاز ليس المكان اللائق بمثل ذلك البحث، لأن مكانه هو المؤتمرات العلمية والمجامع الفقهية، التي يشارك فيها أكبر الفقهاء لا متوسطوهم ولا أدناهم، والتي تتيح الوصول الى المصادر والمراجع الموثوقة وتحليل معطياتها تحليلا علميا رفيعاً، من غير تكرار آراء المتحيّزين إلى هذا الموقف المسبق أو ذاك مما مللنا سماعه، ومن غير ان يستحيل البحث مناظرة دفاعية او اتهامية مجتزأة الأدلة، ولا يُراد بها الا تغليب رأي على رأي، او نصرة فئة على فئة، مع ادعاء الموضوعية والحياد! ومما لا ريب فيه ان الحلقة المذكورة أوحت بخلاف الواقع الاجتماعي الذي تعيشه الغالبية العظمى من شيعة لبنان، وهو أنفتهم من زواج المتعة، من غير نفي شرعيتها الدينية، وفرقٌ بين القبول بشرعية رخصة دينية ما وبين استعمالها. إن المتعة لم تنشأ في الاسلام، خلافا لما أوهمه بعض المشاركين، بل كانت في الجاهلية أصلاً، وكان المجتمع المكي الذي ترعرع فيه الرسول محمد يرفضها ولا يقر الا زواج الصداق، الذي أصبح هو زواج الاسلام؛ وبعد الاسلام لم يطبق أهل مكة المتعة في مجتمعهم بل لجأوا اليها في حالة استثنائية حين خرجوا إلى الفتح. والشيعة يرون ان الخليفة عمر بن الخطاب هو الذي حرّم المتعة ولم يكن ذلك حقا له، وليس تحريمه بمُلزم؛ ويستشهدون لذلك بعض مصادر أهل السُنّة التي تشير الى خلاف الصحابة أنفسهم في تحليل المتعة وتحريمها، ولا سيما قول ابن عباس بها واختلاف عليّ وعثمان فيها. اما أهل السنة فيؤكدون ان الرسول هو الذي حرّمها؛ والطريف أنهم يستشهدون حديثا للإمام علي نفسه يذكر فيه ان الرسول نهى عن متعة النساء يوم خيبر؛ وقد روى مالك هذا الحديث في موطّئه وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم. وقد ذكر مالك فوق ذلك خبراً يصوّر عمر بن الخطاب مغضباً لسماعه بامرأة حملت بالمتعة، كما يورد النسائي أحاديث اخرى للامام علي وابي الربيع بن سبرة في النهي عن زواج المتعة. الى غير ذلك من الحجج والبراهين التي تجعل القضية من التعقيد بحيث لا يجوز ان تُتناوَل بخفة على التلفاز. لكن ليسمع المسؤولون الدينيون في لبنان بإلقاء التبعة في ذلك عليهم، لأنه لم يكن من الجائز ان يُعرض مثل هذا البرنامج قبل استئذانهم، وأعني في هذا الموضع دار الإفتاء والمجلس الشيعي الأعلى، لأن المسائل الفقهية من اختصاصهم، ولا يجوز تركها لكل عابر سبيل، وخصوصا الخلافية والحساسة منها، وإلاّ خاض في ذلك كل عالِم وجاهل، والجهل يغلب العلم اذا تفاقم الجدل. ليس هذا إذناً للفقهاء بالحجر على الفكر، بل هو طلبٌ لتحاشي الجدل غير العلمي واستغلال الخلافات الدينية، على ألاّ يشمل ذلك الأبحاث العلمية الرصينة سواء كانت موافقة لرأي هذه الجهة او تلك او مخالفة له. 2 الزواج المدني لكن الشيخ طه الصابونجي لم يكن متسرعا قط حين شارك في برنامج »كلام الناس« محاورا الوزير شوقي فاخوري في مشكلة الزواج المدني. وبمقدار سروري برؤيته متخذا سبيل الموضوعية في البحث، كان إشفاقي على الوزير فاخوري وهو يتوكأ على مخصرة الخطابة والاساليب الانشائية لتسويغ الزواج المدني، ولمدافعته أنياب الليث الذي كان »يضغمه«. وكنت أتمنى لو لم يجر هذا الحوار على التلفاز بل في مجلس الوزراء، إذن لتجنب الوزير ان يوضع كالهمبرغر بين مشطورين لا كامخ بينهما، ولا شاطر يحكي عنهما، ولتجنب الشعب اللبناني جدلا بيزنطيا سقيما سقم الكلمات المعجمية المهمة. أجل، فما من مثال يُضرب على الجدل البيزنطي أصح من ذاك الذي يدور اليوم حول الزواج المدني: الشعب يئن تحت أثقال البؤس والعوز والخوف من الداخل والخارج، والحاضر والمستقبل، والحكام حائرون في الطريقة التي ينبغي ان يتم بها دخول رجل بامرأة. ومع موافقتي الشيخ الصابونجي في اكثر آرائه، فإنني أسمح لنفسي بمخالفته في نفي المدنية عن الزواج الاسلامي، مع انني لا اجرؤ على مجادلته فقهياً. إنني أعتقد ان الزواج الاسلامي زواج مدني، تحت شروط، وذلك لأنه يصح ان يجريه اي عاقل راشد مميز، مسلما كان ام مسيحياً او يهودياً، عالِماً او موظفا مدنيا او حتى عسكرياً. فالمهم ان يستوثق من الإيجاب والقبول وصحة شروط العقد واهلية المتعاقدين، وقد يصح ان يجريه المتعاقدان بغير وسيط. اما الشروط فعدم مخالفته لأحكام الدين كأن تتزوج المسلمة رجلا غير مسلم، او ان يتزوج المسلم امرأة كافرة او مشركة وسوى ذلك مما تنص عليه كتب الاحكام. صحيح ان معرفة الاحكام الدينية من اختصاص علماء الدين، فلذلك يحسن ان يباشر عقد الزواج رجل منهم، لكن ذلك ليس شرطاً. وسواء كان الزواج الاسلامي مدنيا او غير مدني، فإن مسألة وطنية بخطورة الزواج المدني، وليس بضخامته، خليقة بألا تكون ملهاة عن القضايا المصيرية، فكيف اذا تقدمت على كل الامور المصيرية بعنف، وبطريقة يصح ان توصف بالقمعية؟ ان الاسلوب الذي أقر به مشروع قانون الزواج المدني سابقة خطيرة لم يشهد لها مجلس الوزراء مثيلا. وبغض النظر عن رأي الشعب اللبناني في الرئيس الحريري، فإن رئيس الحكومة ليس كسائر الوزراء ليمنع من الكلام بحجة ان الاذن له بالكلام سيقتضي منح حق الكلام لسائر الوزراء. ومثل هذا الموقف يعني العودة الى الوراء، الى ما قبل الطائف، زمن كان رئيس الجمهورية يسمي الوزراء ويختار منهم رئيسا. اما اليوم فرئيس الوزراء هو رئيس الحكومة والرئيس الأصيل لمجلس الوزراء، بينما رئيس الجمهورية رئيس ظرفي استثنائي لمجلس الوزراء، بمعنى ان رئيس الحكومة يرأس مجلس الوزراء الا اذا حضر رئيس الجمهورية. وترؤس رئيس الجمهورية بعض الجلسات لا يعني نفي صفة الرئاسة عن رئيس الحكومة. زد على ذلك ان رئيس الحكومة في النظام الطائفي اللبناني، ممثل لإحدى الطوائف اللبنانية الثلاث الكبرى، ولاعتراضه ثقل نوعي لا كمي يُعدّ تجاوزه تحديا خطيرا، يجعل حتى المبغضين له من طائفته يلتفون حوله، ويكون ذلك بمثابة انقاذ له، إن كان محل نقد، بدل فسح المجال لمحاسبته في اخطائه واخطاء حكومته. وشيء آخر، هو ان القوانين لا تصنع الحقائق الاجتماعية، بل الحقائق الاجتماعية هي التي تملي القوانين. والدليل على ذلك، وعلى سبيل المثال، زواج المتعة الذي سبق ذكره، فمع انه زواج شرعي في رأي الشيعة الجعفرية، فإنه لا يستحبه اكثر الشيعة الجعفريون انفسهم؛ ويروي لي احد زملائي في الجامعة اللبنانية ان قريبا له قال، بعدما سمع احد الشيوخ يحرّم عليه منع ابنته من ممارسة المتعة: »إذا صح تحريمك فأنا أفضّل ان أكون شيوعياً لا شيعياً«. فكيف بالزواج المدني الذي يره الفقهاء المسلمون مدخلا الى الزنا؟ وشيء ثالث، هو ان جعل الزواج المدني اختياريا لا يخفف من آثاره، ذلك لأن اختياريته تؤدي الى ان يصبح الزواج الديني اختياريا ايضا، وفي هذا مسّ بحقوق المسؤولين الدينيين التي يكفلها الدستور، او هو بقول آخر تعديل للدستور بطريقة غير مباشرة، ولا سيما للمادة الستين منه. وهو امر يفضي الى مفارقة غريبة هي جعل جميع قوانين الزواج في لبنان اختيارية، وهذا ما لا يعرفه اي بلد يحترم نفسه. والمفروض ان يكون القانون إلزامياً، وان يكون الاختيار في ما يخرج عن نص القانون ولا يتعارض معه. ثم ان تعايش القوانين الاختيارية سيفضي الى تنازعها، لا سيما اذا اختار صاحبا العلاقة ان يجمعا بين الزواج المدني والزواج الديني، كما يفعل كثيرون (**). ولا يجوز ان يكون المخرج في هذه الحال ان يُلزم الزوجان اختيار احد النظامين، فذلك اما ان يكون مطالبة بالتنكر للتعاليم الدينية، فهو اعتداءٌ على الايمان والعقيدة، واما ان يكون مطالبة بمخالفة القانون، فهو اعتداء على القانون. والامر سيكون اكثر تعقيدا اذا اتفق ان الزوجين من طائفتين مختلفتين. والمادة (110) من مشروع القانون الذي اقترحه رئيس الجمهورية، ويُراد بها حل مثل هذا الإشكال، لا تساعد على ذلك بل تزيده تعقيدا؛ فهي تحيل في شأن الإرث على نظام الاحوال الشخصية لكل زوج من الزوجين، اي تحيل على قوانين مختلفة يستحيل في الغالب تطبيقها معا. علاوة على ان في المادة المشار اليها ما يلغي اشياء من تلك الانظمة، وذلك حين يجيء النص بوجوب التوارث بين زوجين مختلفي الدين، وهو مما لا يقره نظام الاحوال الشخصية للدين الذي يعتنقه أحد الزوجين. ومع كل هذا الاعتراض، لا نكران ان مشكلة الزواج، في لبنان، أخطر بكثير مما صوّره بعض الوزراء حين زعم ان قانون الزواج المدني المقترح يريد ان يحل مشكلة واحدة هي زواج المسلمة بغير المسلم، وذلك امر محرّم اسلامياً ولا يمكن تحقيقه حتى بالزواج المدني لأن الدستور استثنى المسلمين من إقرار مثل هذا الزواج. والحق ان المشكلة عند الطوائف النصرانية أكثر اتساعا، وتشمل الطلاق والهجر وما ينجم عنهما من مشاكل اجتماعية وحقوقية، وغير ذلك. واذا كان الزواج المدني من الامور الخلافية المعقدة، فلعل الطلاق غير ذلك. ولهذا فأنا أقترح حصر الحق في إجراء الزواج بالمحاكم الشرعية والروحية، او بموظفين مختصين في السفارات والقنصليات اللبنانية لمَن يريد ان يتزوج خارج لبنان، على ان تُحال اوراق الزواج الى محاكم شرعية او روحية مختصة في البلد نفسه، إن أمكن ذلك، او في لبنان، وعلى ان يكون لتلك المحاكم حق الاعتراض، في مهلة محدودة، اذا وجدت مخالفةً للشروط الدينية. اما الطلاق فيعطى حق اجرائه للمحاكم الشرعية او الروحية وللمحاكم المدنية، سواء بسواء، شرط ان تلتزم المحاكم المدنية بنصوص العقد الذي أجرته المحاكم الشرعية او الروحية ومستلزماته. وزيادة في الايضاح والاحتياط، أقترح ان تنشئ المراجع الدينية والمدنية لجنة مشتركة لوضع نظام عام للاحوال الشخصية تذكر فيه الاحكام المشتركة بين الطوائف، والاحكام الخاصة بكل طائفة على حدة، ويصدر بقانون تطبقه المحاكم الشرعية والروحية والسفارات والقنصليات اللبنانية، في الحالات المشار اليها منذ قليل. ولعل هذا قريب مما أراده رئيس الجمهورية حين دعا الى قانون موحد للاحوال الشخصية. وحبذا لو يجاز اجراء عقود الزواج واحكام الطلاق وسائر الاحوال الشخصية في محاكم شرعية وروحية مختلطة، تنشأ بمقتضى هذا القانون، ويستطيع ان يلجأ اليها ابناء كل الطوائف، وتخضع لنظام اداري مشترك، فتمّحي كثير من الحدود بين الطوائف، ويكون ذلك مفيدا في الانصهار الوطني. لعلها خطوة معقولة وليس فيها ما في إقرار الزواج المدني من مخاطر، ولا تُعدّ تحديا لأحد. * أُستاذ في الجامعة اللبنانية. * * ومن هذا القبيل ما أشار اليه المطران بشارة الراعي في بعض محاضراته، وهو ان الذين يتزوجون مدنياً وكنسياً يستطيعون الطلاق مدنياً، ويمتنع عليهم الانفصال كنسياً. ونقول بالمقابل: إن المسلمة التي تتزوج في المحكمة الشرعية وفي المحكمة المدنية تستطيع إبطال الزواج مدنياً اذا تزوج زوجها امرأة اخرى، لكنها تبقى زوجة له، شرعياً، وملزمة بكل واجبات الزوجية.