موضوع رواية احمد علي الزين، هو العالم الداخلي للشخصية، وذلك فرض بالتالي شكلا معينا، وملازما لطبيعة هذه الشخصية وعالمها، مما حتّم أدوات كتابية، و»تقنيات« أسلوبية ذات وظائف محددة تفرضها هذه التجربة. وقد أثبتت هذه الوظائف فعاليتها بتمكين الكاتب بالإلتقاء بداخلية هذه الشخصية من دون وساطة تُذكر. رواية »معبر الندم« لا تطرح قضايا اجتماعية عامة. ولا تهدف الى تقديم شريحة اجتماعية معينة لذاتها. انما تنصّب على دواخل شخصية محورية واحدة. رؤية غير تسجيلية الا بقدر قليل يعي على انضاج، مما يجعل الخارج على سوية معقولة مع الداخل. هذا لا يعني أنها تتنازل عن طرح بعض من جوانب العالم المحيط، بل هي تفعل في سبيل الكشف التام، المتأرجح بين الحلم والواقع. يتدلل قليلا، احمد علي الزين، قبل ان يسمح لنا بدخول عالم روايته. حتى لتبدو البداية، او يبدو الاستهلال مرتبكا بعض الشيء، لكن هذا الاضطراب في قراءة السطور الأولى، ينجلي بسرعة ويستقيم في سرد تطهري. هذا السرد وان تخطى الواقع بجزئياته، يبقى سردا واقعيا متمايزا ومخالفا لنهج الواقعية الكلاسيكية الملتزمة. شخصية الجانب الاكثر وضوحا في »معبر الندم« هو الجانب النفسي. فالشخصية التي تحضر بأفكارها ووعيها وذكرياتها وأحلامها وتخيلاتها، تمتلك حضورا روائيا قويا، قائما على مدى تملك الشخصية من حرية في التعبير عن أفكارها. عبر »مونولوغ« داخلي، يرفع الحواجز بين القارئ والشخصية، ويتوازى مع السرد ويتداخل معه. غير ان هذا »المونولوغ« الممتد عبر الرواية بالكامل، وان أتى ضاجا احيانا، وخافتا في مطارح أخرى، جاء متصلا بأحداث واقعية سابقة حاضرة في متن الرواية التي استطاعت الفصل جيدا بين السرد، والصوت الداخلي. استطاع الكاتب تقديم أفكاره ممتزجة بالاحداث الراهنة والماضية معا. لذا ينتقل بحرية بين الأزمنة، من دون ان نشعر بعوائق الفواصل الزمنية. الكاتب في سعيه، عبر »معبر الندم« لتصوير وإكتشاف العالم الداخلي وتقديمه، يعتمد الحلم كأحد مكونات هذا العالم ومفرداته. بل هو مفتاحه كما تؤكد حادثة الانتحار التي يستهل بها الكاتب روايته. ثم ان اعتماد الحلم، يقدم خلفية ضرورية للقارئ للتعرف على الشخصية المركزية وباقي الشخصيات. ثم ان الرموز الحرة التي لا تقف عند حدود التأويلات الصريحة المباشرة، تحاول تحريك او إثارة وعي القارئ واشخاصه الى تأويلات كثيرة. طفولة يريد أحمد علي الزين، الكاتب، اعادة صياغة حضوره، انطلاقا من مصدر بريء وأمين هو طفولته ومرتعه الأول. وهو وان استهل الرواية بمحاولة انتحاره في خمسينيات عمره، يستدرج مؤازرة من القارئ تتيح له الغوص بعيدا في المسببات. الفصول القصيرة تقود الى قراءة اجتماعية شائكة، تتداخل فيها الأمور وتتشابك، بحيث يجد الزين نفسه تلقائيا، حيال مشاكل الحياة اليومية، الفكرية والاجتماعية والسياسية في خضوعه المتواصل لسيل هائل من التأثيرات والاتجاهات المتعددة المشارب والرؤى والغايات. غموض البداية يجري بدوره على لغة النص ورؤاه المضمرة. فالإيغال في الذاكرة، نحو بحث دقيق في الحياة الاجتماعية لقريته العكارية، والانتقال من الريفية البحتة الى فانتازيا الانتحار والمركبة الفضائية المتنقلة في المجرة ونيازكها أوجد هذا الارتباك الطفيف وان تجاوزه فيما بعد كما ذكرنا. حادثة الانتحار تقود الرواية الى معانيها اللغوية والمشهدية والثقافية بالضرورة، وهي المكوّن اللازم في علاقتها بالتربية. القرية بهذا المعنى ليست منطلقا سعيدا. بل مكان للمقارنة والإدانة. خارج منطقة ضبابية في الزمان والجغرافيا، يخوض فيها الزين راوياً تاريخ البداية والنشأة. تلك بيئة كسرها الخارج من دون اقتحامها (لحظة مغادرة حبيبته هند الى أميركا). الخارج يقتحم حياة على شفير الاستقرار فيدمرها. في حين يلعب دور الموازن لها في جزئه الفرانكوفوني اي في الكفة الفرنسية المقابلة لكفة الهجرة الاميركية. مفارق وتقاطعات وعِبَر قد تصل حد الخطابة احيانا (كما على لسان الجد). غير اننا نلمح في بعضها »فوتوغرافية« لطيفة، تنفلش في الورق القديم المصفّر، على شرف اضابير الذاكرة الواسعة (صورة الوالد تحت تمثال الشهداء، واحدة من هذه المحطات. ثم دخوله الى منزل والده، وان بدت محطته الاولى والأثرى، اللقاء الغرامي والجنسي الأول مع حبيبته هند). لغة مرنة لا تجد تقطعها الا في لفظة واحدة هي »أذكر« وكأنها مفتاح الجناس والطباق في رواية احمد علي الزين، في محاولة »أسلبة« الرواية بخاصية الكاتب وحده. هذه اللغة المرنة، تجد تجلياتها في مقاطع، اكثر مما تجدها في اخرى، من دون ان يؤدي ذلك الى صدع او تشقق في بنية الرواية، التي تغدو فعلا اجتماعيا ومفهوما شاملا، وكلا مترابطا يقيم علاقات التكامل والتوافق بين عناصره المختلفة، المفضية الى وحدة ثقافية متقدمة. عناية جابر