على مرتفع في الحافة الغربية للقدس المحتلة تقف مجموعة من البيوت العربية الحجرية تستخدم اليوم مركزاً لعلاج الامراض العقلية.. أو هكذا يفضل ان يراها يهود محافظون يقطنون ضاحية كفار شاول. لكن الفلسطينيين يؤكدون انها قرية دير ياسين موقع المذبحة التي كانت عاملا أساسياً في تهجير الفلسطينيين من ديارهم قبل 50 عاماً من ناحية وقيام دولة اسرائيل من ناحية اخرى. في التاسع من نيسان قبل نصف قرن قتل عشرات النساء والاطفال والرجال عندما هاجم مقاتلون من حركتي »ارغون« و»ليحي« اليهوديتين قرية دير ياسين واستولوا عليها. وطوال خمسة عقود تقف رمزاً لفاجعة يسميها الفلسطينيون »النكبة« التي أدت الى تهجير نحو 700 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم وفقدوا ارضهم. بيد انه بعد مرور 50 عاماً على المأساة فإنها ما تزال تثير جدلا. يقول مقاتلون وأكاديميون فلسطينيون واسرائيليون ان عرباً ويهوداً على السواء لجأوا الى التهويل لأغراض دعائية. وقال شريف كنعانا استاذ الانتروبولوجيا في جامعة بيرزيت الفلسطينية الذي قام بأبحاث عن مذبحة دير ياسين: »يؤسفني ان اقول ان العرب كانوا من الغباء بحيث بالغوا في تصويرها. أسرفوا في الاعلان عنها لدرجة انهم أنزلوا الرعب بأنفسهم«. تختلف الروايات حول عدد قتلى دير ياسين. ولكن لا يوجد شك في ان رجالا ونساء واطفالا عزلا قتلوا. منهم 28 ماتوا من عائلة واحدة. ولكن يتزايد قبول تقارير تقول ان عدد القتلى بلغ اكثر من 120 قتيلا تبين لكنعانا انه نصف الرقم الذي ذكرته بعض التقارير. واكتشف كنعانا ان فظائع قيل انها ارتكبت لم تقع على الاطلاق. كان اول من بالغ في رقم القتلى قائد »ارغون« في القدس مردخاي رعنان الذي اعلن انه بمجرد انتهاء المعركة تم قتل 240 قروياً في محاولة لإثارة الرعب بين سكان فلسطين العرب. وقال يهودا لابيدوت الرجل الثاني في قيادة »ارغون« في دير ياسين »أدرك رعنان انه رقم مبالغ فيه ولكنه فعل ذلك كحرب نفسية«. واستغل حسين فخري الخالدي وهو زعيم فلسطيني في القدس هذا الرقم ليزيد عليه ويجعله 354 قتيلا وأضاف الى ذلك ادعاءات بوقوع جرائم مروّعة من اغتصاب وتمثيل بالضحايا أعلن هذا في بيانات بثتها الاذاعات العربية في فلسطين. كان الهدف تقوية صمود العرب. ولكن النتيجة كانت ان قرى بأسرها خلت من سكانها بدون طلقة واحدة خوفا من القوات اليهودية المتقدمة. يقول بيني موريس احد المؤرخين المحدثين في اسرائيل: »المفارقة ان مذابح أفظع من دير ياسين حدثت ولكن لا يتذكرها أحد«. وتتباين التقارير عن ذلك اليوم. هل تم اقتياد بعض سكان القرية بعد انتهاء القتال الى محجر وهناك أطلقت عليهم النار ام انهم أسروا ثم طاف بهم موكب في تجمعات يهودية وبعد ذلك قتلوا. في بداية 1948 كانت دير ياسين موطنا لنحو 750 شخصا من خمس عشائر في وقت احتدمت فيه الحرب بين اليهود والعرب باقتراب نهاية الانتداب البريطاني في 15 أيار من ذلك العام بموجب خطة تقسيم فلسطين التي وضعتها الامم المتحدة. وترجع اهمية دير ياسين الى موقعها الاستراتيجي على مرتفع يطل على المشارف الغربية للقدس والطريق الذي يربطها بتل ابيب على البحر المتوسط. وقال لابيدوت: »كانت المرة الاولى التي تقرر فيها الهجوم ليس من اجل الانتقام او العقاب ولكن للاستيلاء على المنطقة. كان تغييرا جذريا في حرب 1948. تغيير في الاستراتيجية. وكان القرار تجنب حدوث خسائر في الارواح«. ولهذا السبب تخلت القوة عن عنصر المفاجأة كما يقول لابيدوت وأرسلت مركبة بمكبرات صوت تدعو السكان لإخلاء القرية. وقعت المركبة في حفرة وأطلق حارس عربي النار عليها وعندئذ انفتحت ابواب جهنم كما يقول لابيدوت. قال لابيدوت: »غيّرنا التكتيك وقبل دخولنا اي مبنى كنا نلقي فيه قنبلة يدوية او ننسفه. وهذا سبب وقوع خسائر جسيمة في الارواح من الرجال والنساء والاطفال«. أضاف ان خسائر القوة كانت خمسة قتلى و35 جريحاً. ويقول اكاديميون فلسطينيون ان عدد القتلى لا يهم بقدر سبب قتلهم. قال كنعانا: »حددت دير ياسين الموقف بالنسبة لبقية الحرب.. كان عليك ان ترحل او تموت«. (رويترز)