As Safir Logo
المصدر:

كنيجي ميازاوا شبكة اندرا(صورة×

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1998-04-03 رقم العدد:7963

كنت، في تلك الفترة، شديد التعب، وأعتقد أنني كنت مستلقيا على الأرض، بين الأعشاب البرية، في ملء الهواء. مخفقا وسط هواء الخريف هذا، مضيت أودع ظلي بلون القصدير، وداعا رسميا. ثم رحلت وحيدا، واطئا السجاد القاتم من العنبيّات الحمراء، أمشي على التلال العليا من بلدة تْسيرا. وفي الأدغال الفتية، كانت تُرى ثمار العنبيّات المتدلية، على صغرها واحمرارها. والسماء البيضاء تراءت لي ممتدة على المدى الفسيح فوق الهضاب العليا، من ذلك البياض الجليدي الأشد سطوعا من خزف كاو لينغ الصيني. وكان الهواء، الذي يهب خفيفا، يصر صريرا حادا، فأظن أن صريره هذا مرده الى دنو الغروب، وأن العجلة الشمسية التي راحت تجتاز، وحيدة، غيوم الخزف البيضاء، شرعت في الانحدار بين سلاسل الجبال السوداء والحادة، باتجاه الغرب من الهضاب العليا. وكنت ألهث، أشبه بالسمكة، وأشمل بنظري الأفق كله، وأعاود النظر إليه مرات عديدة. لم يكن ثمة حيوان واحد في حدود نظري، ولا أي إشارة إلى وجوده أنّى وجهت بصري. (في العمق، ما الذي دهاني لأمشي هكذا في هذا الهواء الذي أفاضني ألماً، وفي هذا المكان الشديد العلو والقاسي المناخ؟). رحتُ أسائل نفسي. كانت أدغال العنبيّات قد اختفت لحين، من الثرى الذي بدا مغطّى بالطحالب ذات الدمغات المائلة الى الرمادي الجاف، وقد أزهرت هنا وهنالك بعض من أزهار الطحالب الحمراء. مع ذلك، فإن الشعور بألم هذه الهضاب العليا الباردة، كان لا يزال يزداد في نفسي. ثم إن نور الغسق ما لبث ان تدجى رويدا رويدا، وباتت أزهار الطحالب بلون أحمر قاتم، أما السماء فقد خالطها الأصفر الباهت مخالطة تامة فوق الجبال الى الجهة الغربية. في تلك اللحظة، رأيت في البعيد، هنالك، بحيرة بيضاء تماما. (لم يكن ذلك ماءً، هيا، قد يكون من البلور، المصنوع ربما من الصودا. متّع نفسك ما أمكن، فحين تثوب الى رشدك، ينبغي لك ألا تفقد حماستك!). قلت هذا لنفسي، ثم حثثت الخطى. وكلما دنوت من البحيرة، ازدادت ألقا والتماعا. وسرعان ما أمكنني رؤية الرمال من البلور الأبيض اللماع، وفي الأبعد بدا لي الماء الحق، العديم الصوت، الذي يملأ البحيرة. كانت الرمال تصر صريرا خافتا ولطيفا. أخذت قبضة منها ورحت أتفحصها على أشعة السماء الرهيفة. كانت الحبات أهرامات شفافة ذات اثنتي عشرة قمة. (هذا النوع من البلور مكوّن من الأندسيت أو الدبقيات). تمتمت لنفسي بهذه الكلمات، مفكرا في ما تكون عليه الرمال، ثم اقتربت من الشاطئ. (إن مياه البحيرة في حالة الميوعة تحت درجة الذوبان، باردة برودة الجليد.) كانت تلك ملاحظة أخرى، أوجهها الى ذاتي. غمست يدي في الماء، فأحدثت راحتي فيه تفَسْفُرات مائلة إلى الزرقة. فجأة، تناهى إليَّ من الجوار، من موضع ما، عويل. (الريح! سنابل الأعشاب! هوو... هوو... هوو... هوو..) وراحت هذه الكلمات ترن في صميم رأسي محدثة أصداءً كثيرة. كل شيء كان قاتما تماما. كل شيء بدا قاتما مع قليل من الأحمر الباهت. فتحت عيني ثانية. ولما كنت غير مدرك أحوالي بعد، كان الليل قد أسدل ستاره على كل شيء، وكانت السماء آية في الشفافية. وفي مراعي الفلك الذي بدا بلون الفولاذ المسقيّ على نحو بديع، خافتة، حتى ليسع المرء أن يحصي كل حصباء صغيرة من الياقوت وكل حُبيبة من رمل وحوافها البراقة. على امتداد تلك الصفيحة السامية المجلدة، الآخذة لونَ الصفَيْر، كانت موضوعة بعناية بالغة، بدبابيس متقنة الصنع، مبعثرة وفق فن ناجز، دقاقات من الألماس، وقطيرات حادة من لازورد وقطع من حجر السترين الأصفر الشفاف، شبيهة بحبيبات غرسات التبغ، وكانت كل من هذه القطع الثمينة تتنفس على هواها، كل منها تنبض، وتهتز على إيقاعها. وحين عاودتُ تفحّص الرمل عند قدميّ، رأيت أن شُعَلاً طفيفة صفراء وزرقاء راحت تصدر التماعات. فاعتقدت، حينها، أنه ربما كانت ضفاف هذه البحيرة ذات المياه تحت درجة الذوبان، الآتية من هضاب »تْسيرا« العليا، إنما كانت جزءا من المجرة في السماء. غير أن الليل، في هذه الأعالي، كان يؤذن بالأفول. كان ثمة أنواع من الجزيئات، مما لا يزال يطفو في هذا الهواء، لم تكن حقا من زجاج، فأدركت حينئذ أن المنطقة القائمة أقصى الشرق، والمحاطة بتسع نجمات صغيرة زرقاء أشبه بينبوع سماوي، راحت تفقد بكثرة من قدرتها الإشعاعية، لأن تلك المنطقة من السماء سرعان ما تحولت من الأزرق الفولاذي الى لوينات خضراء، توحي بما تصير إليه أحجار الأمازون، وكانت هذه التحولات جرت متزامنة. وفي هذا الفضاء الفارغ الذي ينطوي على نورانيته في ذاته، وفي ذلك المناخ الشديد البرودة، ذي الألوان النامية إلى الصفير، رأيت كائنا سماويا يركض ركضا. (أخيراً، أفلحت في التسلل، إذ أمكنني، في آخر المطاف، الدخول دفعة واحدة، من فضاء الهضاب العليا في »تْسيرا« حيث الهواء يندر، من عالم الرجال، الى فضاء السماء الفارغ!) تلك هي خواطري وقلبي يطرق طرقا. كان الرجل السماء يركض، قويما أمامه. (وفي طرفة عين وجدته قد اجتاز عددا لا يحصى من الفراسخ! مهلاً، كلا، فأنا إن أمعنت النظر، أدركت أنه لا يتحرك بتاتا. دون أن يحرّك ساكنا، ودون أن ينتقل من موضعه، دون أن ينوِّع زواياه، تراه يجتاز، حقا، لدى كل جزيئة من ثانية، ما لا يحصى من الأميال! كم هو مدهش!) ذلك ما رحت أردده في سري. وكان ثوب الرجل السماء خفيفا خفة الدخان، أما عقده الثمين فكان يعكس بعض الأشعة الباهتة الصادرة من الفلك السماوي الغسقي. (آه... ها هنا، الهواء يبدو من الرقة حتى يكاد يكون الفراغ. والحال أنه لم يكن ثمة نفثة هواء واحدة لجعل ثنيات ثوبه الدقيق تتماوج...) تلك كانت خواطري. إذاً، كان الرجل السماء، يبقي عينيه اللتين من أزرق غامق مفتوحتين على وسعهما، ولم تكن رموشه لترف أدنى رفة. وجعل فمه يرسم ظلاً من ابتسام، ورأيته مندفعا على نحو مستقيم، نصب عينيه أبدا. مع ذلك لم يحرك ساكنا، ولم يتنقل، ولم يتحول عما كان. (ها هنا، كل الرغائب تصير مطهرة. وكل الأماني مشبعة. وعلى النقيض من ذلك، لا وجود للجاذبية ثمة، إنما عطور السفرجل الباردة تطوف وحدها من حوله. ولهذا السبب عينه لم تكن شُرطان هذا الثوب السماوي لتتحرك أو لتهوي في خط عمودي.). بيد أن السماء المصبوغة بلون حجارة الأمازون، تحولت تلك اللحظة إلى صفيحة من عقيق وقد خالطها ما لا يحصى من تلاوين العنب حتى لم أعد أتميز طيف الرجل السماء الراكض. (لطالما كانت هذه هضاب »تْسيرا« العليا. وكنت ظننت، ولو لهنيهة، أنني نجحت في العبور الى العالم الآخر، ولكني أدركت أخيرا، أنني لم أفلح في ذلك.). وهكذا رأيتني ساعيا الى إلزام نفسي جادة الحق. مع ذلك، فقد عاينت أمرا غريبا، إذ لبثت عطور السفرجل الندية التي راحت تصدر من الفلك السماوي، تجول على نحو غامض في الهواء المحيط. وعاودني الشعور، دفعة واحدة، وكما لو أنني في حلم، بأني أجول في الفلك الفارغ للعالم السماوي المدهش والأزلي. (حقا، إنه لآية العجب، إذ يبدو لي فضاء السماء الفارغ أقرب إليّ من أحاسيسي. وكلما تقدم المرء في السبيل حيث يلقى المزيد والمزيد من حتات الطلق ذات التلاوين الصفراء المذهبة، يزداد يقينه بدنوه من الصخور الصوانية. ولو أن صدفة سعيدة تكررت للمرء مرات متتالية، لخلص إلى اعتبارها شأنا طبيعيا.. وبالتأكيد، سوف يسعني، مرة أخرى، إمعان النظر في عالم السماء ذاك، عبر الهضاب العليا!) وبقيت ههنا، واقفا، وخواطري لا تزال إياها. ثم أشحت بنظري عن السماء وأملته شطر الهضاب العليا. فبدت لي رحابة الرمل، للحال، بيضاء بتمامها. وكانت البحيرة قد اكتست بالزنجار الأخضر المائل الى الرمادي كما لو أنها صارت هرمة، لتوها، حتى كاد الأزرق المطفأ فيها يرعبني في الصميم. وفجأة رأيت أمامي أبناء السماء الثلاثة. كانت ثيابهم الصوف الشفاف تبدو لناظريّ منسوجة من ملاّح، وكما لو أن صناديلهم شفافة، إذ عاينتهم واقفين أمامي لدى الضفة وأنظارهم شطر السماء إلى الشرق، وكأنهم ينتظرون بزوغ الشمس. وفي هذه الأثناء، رأيت السماء ناحية الشرق تتألق بياضا. وأدركت، لما رحت أتفحص ثنية الثياب التي ارتداها أبناء السماء، أنهم إنما كانوا يرتدون على طراز »غاندهارا«. كما اتضح لي أن هؤلاء الأبناء الثلاثة، كانوا يشكلون، بلا أدنى شك، جزءا من الرسوم الجدارية التي تمت في خرائب المعبد الكبير بمنطقة »خوتان«. اقتربت من الأبناء الثلاثة على مهل وحييتهم بصوت شديد الخفوت لئلا أخيفهم. »صباح الخير، أنتم يا أطفال الرسوم الجدارية في معبد خوتان الكبير!«. التفت الأطفال إليّ كلهم في آن معاً. كانت عقدهم المقدسة تلتمع، وعيونهم السوداء كانت تبدو خفيضة. ورحت أردد، وأنا لا أزال أتقدم: »صباح الخير! أنتم يا أطفال الرسوم الجدارية في معبد »خوتان« الكبير! »أنتَ، مَن تكون؟«. كان الابن الواقف إلى اليمين مَن طرح عليّ هذا السؤال، وهو ينظر إليَّ نظرة صريحة، دون أن يرف له جفن. »أنا أدعى هيكارو أوُكي، واشتركت في التنقيبات التي كان لها الفضل في إخراج معبد خوتان الكبير من رمال النسيان«. »ماذا تفعل هنا؟« رد عليه الابن ذاته. وكانت قسمات وجهه توحي بالبرودة التامة، وراح يحدق بعينيّ تحديقا نفاذاً. »أردت أن أتعبّد للشمس معكم. آه...! فليكن ذلك حالاً!«. فما كان من الأبناء الثلاثة إلا أن التفتوا الى الناحية الأخرى. وجعلت عقدهم الثمينة ترسل ما يشبه الابر القصيرة من الضوء الأصفر، البرتقالي أو الأخضر، في حين راحت ثيابهم الخفيفة ترفرف وهي تكتسي تلاوين قوس قزح. ثم إن شيئا سرعان ما ظهر، في ما وراء البحيرة والبراري ذات اللون الهزاري، شيئا ظهر في السماء التي أضناها الذهب الأبيض، وكان في حالة من الانصهار، شيء من الذهب العتيق، قطعة من ضوء، أشبه بالزنجفر الخارج من فرن الصهر، لتوِّه. بدا أبناء السماء الثلاثة واقفين منتصبي القامة، ينظرون في التجلي، وقد شبكوا أيديهم للصلاة. كانت تلك هي الشمس. كانت الشمس، كوكب العالم السماوي، والتي كانت حركت بأبهة جسدها المذاب في استدارة رائعة، والتي سرعان ما ارتفعت الى الفلك الأعلى ارتفاعا قائما. وأينما انتشر شعاعها، أشبه بحزمة ابر أو برزمة نباتية، تلألأ الهواء، وطقطق، وفرقع. ولما عاين أبناء السماء هذه الرؤية، وهم في حال أشبه ما تكون بالانبهار، راحوا يقفزون ويركضون على الرمال الصوانية، على امتداد ضفاف البحيرة الزرقاء القاتمة، التي يرين عليها سكون تام. فجأة صدمني أحد الأبناء، وإذ فوجئ بالصدمة، قفز الى جانبه وصرخ مشيرا الى السماء. »انظُر، هنالك! إنها شبكة إندرا!«. نظرت الى السماء. فكانت، من السمت الذي بات الآن أزرق برمته، إلى الزوايا الرئيسية الأربع وبلوغا حتى الأفق الباهت، تمتد شبكة، هي طيف »إندرا«؛ كانت أليافها أدق من خيوط العنكبوت، وكان نسيجها أعقد وأشد من التشبيك الزهري الخيطي للفطريات؛ إذ رأيتها على شفافية وإنارة مذهبية، حتى ليصدر آلاف وآلاف من الأشعة المتشابكة، في نوع من التوهج المهتز. »انظر، هنالك! طبول الهواء الكبرى!« مضى يصرخ فتى آخر بعد أن صدمني ونأى عني مسرعا. وفي الواقع، لقد كان ثمة، في مناطق من السماء متفرقة، شمس سلبية، تبدَّت في ألوان قاتمة وزرقاء، مذهبة، وخضراء ورمادية، وجعل يتردد هدير قوي كأنما كان مغمورا في قرارة السماء، فلا يسع أحد مهما يكن، أن يهزها هزاً، وراحت طبول هذي السماء التي لا تحصى تدق على نحو متواصل. وهي إذ تدق، لا يبدو أنها تدق. ولشدة رغبتي في أن أرى هذا المشهد، وجدتني أرتعش للحظات طويلة، وعيناي مبهورتان بما تبصران. »انظر، الطاووس الأزرق!« دعاني صوت الابن العذب الذي بات يقف على يميني، بعد أن التقاني. كان ذلك هو حقاً، في ما وراء شبكة إندرا السماوية، في تلك المناطق البعيدة حيث أعداد لا تحصى من الطبول تدق، كان يشرئب طاووس أزرق فارداً على الفلك الأوسع ريشاً من حليّ ذيله، وصائحا صياحه الضعيف »كو.. و.. كو.. و...«. كان ذلك الطاووس هنالك، دون أدنى شك، في السماء، رغم ذلك، فقد كان غير مرئي تماما. كان ينشد، بلا شك. في السماء. برغم ذلك، فقد كان غير مرئي تماما، كان ينشد، بلا شك، إلا أن نشيده كان عصياً على السمع تماماً. ومن ثم، لم أعد أرى أبناء السماء الثلاثة أو أتميزهم. وبالعكس من ذلك، فقد استعدتُ الذكرى الملتبسة لشكل ذاتي، وهي ممددة بيضاء وسط العشب وقد راح الهواء يضربه فيلويه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة