قراءة الجنيد البغدادي وقفت منذ بدايات تفكري في أرض الحرف وصبَوْتُ إلى عالم المعنى، لذا تتبعت تجربة أي صوفي حاول اختراق الظاهر ليكتنه الباطن والرمز والإشارة، جهد في أن يُخرج البدن من البدن عبر اتصال باللطيف الكائن في الكثيف، وبالجوهر المحبوس في المرمر.. قلّبت نصوصا رفعت عن وجه ليلى البراقع، وأحضرتْ في حضرة الهوى وجدان القارئ أياً كانت اهتماماته وتوجهاته. كنت أرقب العالم الفقيه يدوِّن أحكام العبادة، ويرتب أفعال العباد فيها ويصنفها، وأرى الصوفي يكمل مشوار العرفان، فيأتي بالرمز المقابل لكل حركة بدنية دوّنها الفقيه.. فأظهر الأول صحة الفعل ولفتنا الثاني الى الأسس الإنسانية التي تجعله مقبولاً. ومن مواكب الحجاج، وأزمنة القرن الحادي والعشرين تكاد تنشر، تلفت الى زمان ومكان وإخوان، أفتش في دفاتر تخصنا عن رموز الحج وإشاراته، فانتصب أمامي عالمان يتطابقان، تطابق الروح ببدئها، وأسرني نصان وجدت فيهما زاد ترحالي هذا.. الأول في بغداد القرن الثالث الهجري، والثاني في يمن القرن التاسع الهجري. * * * دخلت بغداد، توجهت نحو مربّيها، سيد طائفة الصوفية، الجنيد.. رأيته وهو يزحزح الحرف ليتلامع المعنى.. قال لمن دخل عليه: من أين جئت؟ فقال الرجل: كنت في الحج. قال: وهل حججت؟ قال: نعم. قال: وهل رحلتَ عن جميع المعاصي منذ خرجت في البادية من بيتك ورحلت عن وطنك؟ فقال الرجل، كلا. قال الجنيد: لم ترحل. ثم قال: حين خرجتَ من البيت وأقمتَ كل ليلة بمنزل، هل قطعتَ في هذا المُقام مَقاماً من مقامات طريق الحق؟ قال: كلا. قال الجنيد: لم تقطع منزلاً. ثم قال: حينما أحرمتَ من الميقات، هل تجردتَ من صفات البشرية كما تجردتَ من ثيابك؟ فقال: كلا. قال: إذن لم تُحْرِم. ثم قال: حين وقفت بعرفات، هل لاح الوقت في كشف المشاهدة؟ فقال: كلا. قال: إذن لم تقف بعرفات. ثم قال: حين ذهبت إلى المزدلفة وحصل مرادك هل تركت جميع الرغبات؟ فقال: كلا. قال الجنيد: لم تذهب إلى المزدلفة. وقال: حين طفت (بالكعبة)، هل رأيت سرّك في محل تنزيه لطائف حضرة جمال الحق؟ فقال: كلا. قال: لم تطف. ثم قال: حين سعيت بين الصفا والمروة، هل أدركت مقام الصفاء ودرجة المروءة؟ فقال: كلا. قال: إنك لم تسع بعد. ثم قال: حينما جئت إلى مِنَى، هل سقط عنك مُناك؟ فقال: كلا. قال: لم تذهب إلى مِنى بعد. ثم قال: عندما ضحيتَ في المنحر، هل ضحيتَ برغبات نفسك؟ فقال: كلا. قال: فلم تُضحّ. ثم قال: عندما رميت الجمرات، هل رميت كل ما صحبتَ من المعاني النفسانية. فقال: كلا. قال فلم تلق الجمرات بعد، ولم تحج، فعُد وحج على هذا النحو حتى تصل إلى مقام إبراهيم. * * * سبّحت لمن تسبّح بحمده السموات والأرض.. عندما قفز من ذاكرة وجداني موسى والخضر عليهما السلام.. وشهدت كيف أنه عندما يظن الواحد منا أنه أحاط بعلوم عصره ليظهر له القهّار واحداً من عباده، مضنوناً به على الأغيار.. يلجئنه إلى إعادة النظر في نفسه والكون، ويحرسه عن اعتبار ذاته محور وجود الكائنات.. ها هو الجنيد على اتساع عرفانه يخرج للطواف ليلاً عندما كان مجاوراً بمكة.. يرى امرأة تطوف وتقول: أبى الحبُّ أن يخفى وكم قد كتَمْتُه فأصبحَ عندي قد أناخَ وطنَّبا إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره فإن رمْتُ قرباً من حبيبي تقرَّبا ويبدو فأفنى ثم أحْيا به له ويسعدُني حتى ألذَّ وأطربا فقلت لها: يا امرأة، أما تتقين الله، في مثل هذا المكان تتكلمين بمثل هذا الكلام؟ فالتفتتْ إليه وقالت: يا جُنَيد، لولا التُّقَى لم تَرنِي أهجُرُ طِيبَ الوَسَنِ إن التُّقى شَرَّدَني كما ترى عن وطَنِي أفِرُّ مِن وَجْدي بهِ فحبُّه هَيَّمَنِي ثم قالت: يا جُنيد تطوف بالبيت أم برب البيت؟ فقال: أطوف بالبيت. فرفعت طرفها إلى السماء وقالت: سبحانك، ما أعظم مشيئتك في خَلقك! خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار، ثم أنشأت تقول: يطوفون بالأحجارِ يبغون قُرْبةً إليك وهُم أقسى قلوباً من الصَّخْرِ وتاهوا فلم يَدْروا مِن التِّيه مَن هُمُ وحَلُّوا مَحلَّ القُرب في باطن الفِكْرِ فلو أخلصوا في الوُدِّ غابت صفاتُهمْ وقامت صِفاتُ الودِّ للحقّ بالذِّكرِ * * * اعترض الجنيد على هيمان هذه المرأة ومعجم مفرداتها في مناجاة طوافها.. أفزعه المقال في المقام.. ونسي يوم صعق لمعان سمعها من مغنية أنصت لها وهو يمر بدرب القراطيس.. المغنية تخاطب معشوقها الإنساني، والجنيد سمع القول كأنه خطاب قدسي موجه إليه.. جرياً على نهج الصوفية في السماع، إذ يأخذون كل قول يصل آذانهم على أنه خطاب إلهي من وراء حجب الأشخاص والكلمات.. يقول الصوت: إذا قلتُ: أهدى الهجرُ لي حُلَل البِلى تقولين: لولا الهجرُ لم يَطِبِ الحبُّ وإن قلتُ: هذا القلبُ أحْرَقه الهوى تقولين: بنيران الهوى شَرُفَ القلبُ وإن قلتُ: ما أذنبتُ قلتِ مجيبةً: حياتُكَ ذنبٌ لا يقاسُ به ذنبُ * * * قراءة عبد الكريم الجيلي يممت اليمن يرشدني صدى يلتصق بالصوت دون مسافات.. ووجه رجل مقدام جريء، خرج من حُجُرات الصمت الى ملأ القول.. أجْمَلَ وفصّل، طوى ونشر.. عرفه الناس باسم كتابه »الإنسان الكامل«.. هو عبد الكريم الجيلي. نثرت قصيدته العينية التي سار فيها على خطى ابن الفارض، فنظم حوالى الخمسماية وثلاثين بيتا في سيرته الذاتية، مجاهداته ورياضاته، تعاليمه وإلهاماته، أحواله ومقاماته.. فحظي الأدب الديني بقصيدة متماسكة، تكاد تكون يتيمة في وحدة موضوعاتها، مبدعة في جمعها بين جلال المعنى وجمال اللفظ. توقفت عند أبيات ثلاثين أتت بمناسك الحج كلها، على ترتيب مواقيتها.. ورافقنا الجيلي منذ دخوله »كعبة الآمال« في طواف القدوم حتى تحلله عن الإحرام، استعدادا لترك المسجد الحرام والتوجه إلى المقام النبوي... رأينا بدنه يُحْرم، يطوف، يقبّل الحجر، يستلم الركن، يسعى بين الصفا والمروة، يشرب زمزم.. يقف بعرفة، ينزل ليلاً للمبيت بمزدلفة، يقف في المشعر الحرام، يبيت بمنى ويرمي ابليس بالجمار، يرجع إلى الكعبة لطواف الإفاضة.. ويستعد لترك المسجد الحرام.. ولكن ما هي الرموز المخبوءة في هذه الأفعال؟! سنترافق والجيلي لنرى شريعة العشاق الإلهيين في حجّهم.. علّها تكون علامات على طريق متعة القراءة ومنفعتها.. * قبل العزم على حجة الهوى يغتسل، يطهر بدنه.. وفي الباطن يتطهّر، يفرد قلبه لله بحيث لا يمازجه وجود كون. * إذا نادى منادي الحج، سارع بدنه لطواف القدوم. وفي الباطن كان وجه الحق قبلته وكعبة آماله، وعمرته هي عين ولوعه وعشقه. * يلبي بلسانه فيقول: »لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك...«. وفي الباطن يخضع، وينعم بعبوديته أمام تجليات الحسن الملتمعة في ذاته. * يُحرِم بدنه أي يمتنع عن لبس المخيط والمحيط، يترك الطيب والنكاح، وقص الشعر وتقليم الظفر.. وإحرام الباطن، الإحرام الحق، هو ترك شهود المخلوقات، وخروج عن صفاته الشخصية وعن ذاته أيضا، لأن صفات الإنسان وذاته هما على الحق.. وترك حلق الرأس يقابله ترك الرياسة، لما بين الرأس والرياسة من تشابه لفظي، وترك الرياسة شرط العشق.. أما ترك تقليم الظفر، فيفهم منه الجيلي إشارة إلى الفعل، للعلاقة بين الظفر واليد والفعل، فإن ترك في الظاهر تقليم الظفر ترك باطنه كل ما تصنع اليدان. * يطوف بدنه بالكعبة، والطواف دوران، والدوران رجوع.. فيفهم الجيلي الإشارة بأن الغاية من الطواف رجوع الباطن في كل طوفة من ذاته إلى الله. * يطوف الجيلي ببدنه سبعاً حول الكعبة، ويسعى سبعاً بين الصفا والمروة، وباطنه يرجع من صفاته الذاتية السبع إلى صفات الحق السبع. * تقبيل الحجر الأسود في الظاهر، إشارة إلى تماثل بينه وبين النفس البشرية.. فالحجر هبط من السماء أبيض ناصعا وفيه أسرار وودائع، ثم سوّدته خطايا البشر، وكذا النفس فطرها الحق على صورة الحقائق الإلهية ثم اسودّت من هبوطها إلى الطبائع والعادات والعلائق والقواطع. * يختم الجيلي تطواف الغرام بركعتين خلف مقام إبراهيم، وفي باطنه يختم ما بدأه من الخروج عن صفاته الإنسانية في الطواف بركعتين يمحوان ما بقي من آثار بشريته. * شرب ماء زمزم يقابله في الباطن تمنِّ بألا يُحرم قلبه رضاع العلوم الإلهية وشربها من منبع اللقاء. * يسعى الجيلي ببدنه بيين الصفا والمروة، وفي باطنه يصفّي صفاته ليرتوي من الشرب بكاسات الأسماء الإلهية.. يسعى بروحه بين الصفاء والمروة. * حلق الشعر إشارة الى ترك كل ما يقطع عن الحق. * يقف الجيلي في أرض عرفة ببدنه، ويقف بروحه في مقام المعرفة بالله. * يقف الجيلي ببدنه أمام وادي محسّر الفاصل بين مزدلفة ومنى، ويقف بأعماقه الملتهبة يتحسّر على ما يفصله عن تحقيق أمانيه في القرب الإلهي. * عندما يرجم الجيلي إبليس، فإنما يرجم أصنام نفسه الثلاث، يرجم نفسه وطبعه وعادته بقوة آثار الصفات الإلهية السبع. * يطوف طواف الإفاضة، وفي باطنه يرى أن هذا الطواف إشارة الى دوام الترقي والفيض الإلهي.