نشرت جريدة »السفير« الموقرة بتاريخ 14/2/1998 مقالة تحت عنوان »ولاية فقيه لا ولاية الفقيه« للسيد حسين عبد الله وبسبب ما فيها من مغالطات فادحة في كثير من تفاصيلها ولأن المقام لا يتسع لمناقشة ما جاء فيها نكتفي بتسجيل الملاحظات الآتية: أولا مغالطات علمية واصطلاحية: في المقالة مغالطات عديدة في مادة البحث والمصطلحات على حد سواء، وحول هذه النقطة نسجل: 1 يقول الكاتب: (ان الشيعة يعتبرون منصب ولاية الفقيه هو ذات المنصب الذي خص الله به المعصومين من آل البيت...) فهو تارة ينسب للشيعة ان منصب ولاية الفقيه هو ذات المنصب الذي خص الله به المعصومين كما دلت عليه عبارته الاولى واخرى ينسب ذلك لبعض الشيعة كقوله »حسب مدرسة القائلين بولايته المطلقة«. ومن جهة ثانية فان فهم الكاتب الصلاحيات من خلال القول (بالولاية المطلقة) هو فهم بعيد عن فهم العلماء. فالولاية المطلقة التي يتحدث عنها الفقهاء انما تشير الى جهة الدليل الذي يعتمده الفقيه فان دل على جعل المنصب والموقعية للفقيه وجعله حاكما سواء على نحو العموم والشمول او باستثناء بعض الموارد فهذا قول بولاية الفقيه واذا كان الدليل قاصرا عن إفادة ذلك فهو لا يعني انه لا صلاحية له بل قد يثبت له بأدلة. 2 يقول الكاتب: (... والأئمة كالنبي معصومون عن الخطأ قولهم وفعلهم حجة عملا بالآية الكريمة (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) او (قل أطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) و(وما أتاكم به الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا...). ان جعل الكاتب هذه الآيات القرآنية دليلا عند الشيعة، حسب زعمه، على عصمة الأئمة ليس دقيقا اذ لديهم أدلة عقلية ونقليه كثيرة على عصمتهم. 3 يقول الكاتب: »كان... الإمام العسكري حاول وفي تدارك الوقوع في الفراغ على مستوى الإمامة قد قال في رواية تعريف بمقبولة ابن حنظلة. وهذا النص لكاتبنا يحتوي كما هو حال مجمل مقاله على مغالطات وشبهات كثيرة! أ إن الرواية المذكورة لا علاقة لها بمقبولة ابن حنظلة فالمغالطة هنا واقعة من عدة جهات: الأولى: ان هذه الرواية انما نقلها العلامة الطبرسي في الاحتجاج عن الإمام الحسن العسكري(ع) (ج2، ص511) اما مقبولة ابن حنظلة فمروية عن الإمام الصادق(ع) ولا تتعلق بموضوع المرجعية بل بالحاكمية والقضاء. الثانية: ان الكاتب قد شوه نص الرواية وهي: (أما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه) (الاحتجاج، ج2، ص511) فالقارئ لاحظ ان الكاتب قد عمد فضلا عن الإخلال بترتيب صفات الفقيه وحذف بعضها الى تغيير قول الامام (فللعوام ان يقلدوه) والتي تفيد معنى الرخصة والاختيار في التقليد، وجعل العبارة (فعلى العوام) والتي تفيد معنى الأمر والإلزام. ج قوله ان الامام العسكري حاول (تدارك الوقوع في الفراغ على مستوى الامامة) قول عجيب لأن غياب الامام المهدي عن الأنظار لا يعني الفراغ على مستوى الامامة وقوله هذا لا يقول به احد من الشيعة. 3 يقول الكاتب (ولأن عليا الأعلم اشترط في المرجع الاعلمية ولأنه من أطهر الموالد اشترط في المرجع طهارة المولد ولأنه رمز العدالة اشترط في المرجع العدالة وغيرها الكثير من الصفات) والحقيقة فقد جاءت هذه الشروط للأسباب الآتية: * الأعلمية: ان من أدلة وجوب تقليد الأعلم هو بناء العقلاء وذلك في خصوص مورد العلم بالتعارض بين الفتاوى وأما اذا لم يحصل العلم بالتعارض فلا أثر عمليا للبحث عن الأعلم لدخول الأعلم بين المتفقين على الفتوى. * العدالة وطهارة المولد: ان اشتراط الفقهاء في مرجع التقليد العدالة وطهارة المولد قد استند الى أدلة عديدة ليس من بينها ما ذكره الكاتب وقد جاء هذا الاشتراط لتحصين المرجعية. 4 قول الكاتب (فكان الامام الخميني يريد لرأس المرجعية الفقهية الدينية الدنيوية الشرعية الشيعية ان يكون الحاكم كاستمرار لحكم المعصومين وقائمهم المهدي (عليه السلام) ومما ساعد الإمام في ذلك صفاته القيادية والفقهية التي أهلته لتبؤ هذا المنصب من دون اعتراضات مهمة خصوصا اذا علمنا انه سوقت مقولات عن أعلميته الفقهية في زمن اكبر فطاحل عصره زعيم الحوزة الدينية السيد أبو القاسم الخوئي...) ويحاول الكاتب هنا إبراز بعض الضعف في الشخصية الفقهية للإمام الخميني ومن ثم إبراز التناقض في تصرفه (قدس سره) وتصرف قيادات الجمهورية الاسلامية عبر الإدعاء ان طرح الإمام الخميني يتعلق بتسلم الأعلم لمقاليد الولاية ويمهد الكاتب بطرحه هذا للطعن بولاية السيد الخامنئي حيث يقول بعد قليل »عادت الأمور الى ما كان الإمام الخميني يصبو اليه وهو ضرورة أن يكون الولي الفقيه هو ذاته المرجع الديني.. والا ما هو معنى الإصرار على مرجعية السيد الخامنئي اليوم وإظهار أهليته للتقليد وإنزال رسالته العملية ومخاطبته بلقب آية الله العظمى« وأمام هذا الكلام لا بد لنا من التوقف عند ملاحظات عدة: أ هل يوجد في لبنان وفي وهاد أفغانستان وغيرها من يضاهي السيد الخامنئي في مزاياه القيادية والفقهية وفي سعة وشمولية ثقافته. وقد روي عن الإمام علي عليه السلام (ان أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليهم وأعلمهم بأمر الله فيه) ويلاحظ هنا تقديمه عليه السلام الإقوائية على الأعلمية. ب ولنفترض جدلا وجود فرد نادر او حتى وجود أفراد ما في إيران مثلا لهم هذا الامتياز في مجموع ما ذكر مثلا، فما معنى إصرار الكاتب على شرط الأعلمية في حين ان الأعلمية الفقهية ليست شرطا في الولي الفقيه عند عموم الفقهاء بل هي ليست شرطا في المرجع عند بعضهم أيضا. ج هناك فريق من الفقهاء يشترط الأعلمية في الولي الفقيه الا انه اعتبر ان هذا وحده لا يكفي بل لا بد من توافر شروط اخرى كالاقوائية التي تحدثنا عنها وغيرها. د وفي جميع الاحتمالات فان تولي شؤون الأمة من قبل الأعرف بشؤونها وشؤون ادارتها هو الأولى حتى مع وجود الأعلم في الفقه، على انه لم يثبت وجود أعلم وأقدر من السيد الخامنئي في خارج إيران على إدارة شؤون الأمة بحكمة بالغة، فضلا عن الإمام الخميني في عصره، واما في داخلها فأهل إيران أدرى بمن فيها. ه ان الإمام الخميني لم يشترط الأعلمية في الولاية. و اننا لم نعرف وجها لمعنى قول الكاتب بوجود من يماثل السيد الخامنئي بالمستوى الديني والعقائدي؟ فهل هناك أعلمية بالمستوى الديني غير المستوى الفقهي والأصولي؟! ز ولا ندري كيف عرف وهو لم ينخرط في سلك طلاب الحوزات العلمية المستوى العلمي للسيد الخامنئي وكبار العلماء في إيران والنجف ثم قرر بعد المقارنة انه كآلاف الفقهاء الآخرين. اما من هو خارج هذه الحواضر العلمية (اي قم والنجف) فلا يستطيع ان يدعي لنفسه مضارعة هؤلاء فضلا عن دعوى التقدم الفقهي عليهم. ومن يدعي ذلك فعليه البينة ولسنا نظنه قادرا عليها. ح قول الكاتب: هل في إيران اليوم نظام ولاية فقيه أم ولاية الفقيه؟ الفرق شاسع بين معنى ولاية الفقيه مع »أل« التعريف التي فهمها »كاتبنا« بمعنى الأعلمية، وبين المعنى الحقيقي الموضوع لها والتي تعني أن الولاية للفقيه مقابل الانسان غير الفقيه.. ط يقول الكاتب: »فالساحة الشيعية من لبنان حتى إيران مرورا بكل حواضر التشيع مليئة بآلاف المجتهدين القادرين على استنباط الاحكام الشرعية لكن مراجع التقليد قلة خصوصا اذا علمنا ان تسعة وتسعين في المائة من مراجع التقليد يجمعون على شرط الأعلمية في مرجع التقليد. وهذا لا يحصل من هيئة المحافظة على الدستور.. بل بشهادة أهل الاختصاص والخبرة«. ونحن نسأل الكاتب: 1 كما ان اعلمية شخص ما لا تثبت الا بشهادة أهل الخبرة وهم من المجتهدين، فكذلك الاجتهاد، فكيف علم ان الساحة الشيعية في لبنان وغيرها من حواضر التشيع مليئة بآلاف المجتهدين. ومن الذي شهد ولمن؟ فهل هو أعلم من أهل الخبرة انفسهم. 2 ونحب ان ننبه الى خطأ فادح وقع فيه وهو يتحدث عن مجلس الخبراء، ولكنه يسميه هيئة المحافظة على الدستور وشتان ما بينهما.. علما بأن في هذه الهيئة أيضا علماء من أهل الخبرة. ثانيا: التناقضات: وفيما يأتي نماذج منها: 1 يقول الكاتب: »لكن اخطاء في التطبيق ومخاطر اعترت النظرية.. ينظرون لإمكان الفصل بين المرجعية والولاية وهم اعتبروا ان أمر الولي جار ونافذ على المرجع مهما بلغ من العلم والشأن العظيم«. كلام الكاتب هنا مناقض لما ذكره من قبل ان الأمور عادت الى ما كان »الإمام الخميني يصبو اليه وهو ضرورة ان يكون الولي الفقيه هو ذاته المرجع...« وهنا ندعو الكاتب للاستقرار على مقولة، فهل هو وحدة الولاية والمرجعية ام الفصل بينهما؟ ومن جهة اخرى، فان البحث المتعلق بحكم الحاكم وهل هو نافذ على المرجع أم لا، ليس بحثا جديدا، بل هو قديم قدم الأبحاث المتعلقة بولاية الفقيه. 2 يقول الكاتب: (نظام ولاية الفقيه... هذا النظام اذا أردنا تطبيقه بحق فلنأتي بأعلم المراجع ولو كان في وهاد افغانستان او العراق او لبنان او القوقاز ونقول له انت نائب الإمام المهدي حسب تقاليد مذهبنا فأنت رأس الدولة والنظام والمرشد والقائد، أوامرك ونواهيك كأوامر المهدي حبك فرض وطاعتك وجوب). فالأعلم عند كاتبنا هو نائب المهدي(عج) وطاعته واجبة حسب تقاليد المذهب مع أنه قال سابقا ان المراجع جميعا من دون تحديد الأعلم هم نواب المهدي. واذا كانت أوامر ونواهي الأعلم كأوامر المهدي وطاعته واجبه، فلماذا اعتبر ان مقولة امر الولي نافذ على المراجع من قبيل الأخطاء في التطبيق؟! ثالثا: مغالطات استدلالية: أما النموذج الثالث الذي نقدمه للقراء فيتعلق بقيام الكاتب بالاستنتاج من بعضها نتائج غير ظاهرة او حمل بعض النصوص على غير معناها. يقول الكاتب (لكن الواقعة وقعت بعد وفاة الامام الخميني من دون ان يعين خليفة له بنص واضح.. وكل ما يقال عن تعيينه للسيد الخامنئي لا يتجاوز إعجابه... وقوله« ان الخامنئي أهل للقيادة »او ما أوردته بعض الدعايات الحزبية من قبيل (ان الخامنئي شمس تبعث الضياء) غريب امر كاتبنا هذا كيف يجعل التقييم الواضح لمؤهلات السيد الخامنئي دليلا على عدم وجود نص واضح بنظره، ومن هنا نقول: 1 ان السيد الخامنئي كان دائما تحت نظر الإمام الخميني ورعايته، وكان الإمام اكثر الناس معرفة به، أليس هذا الإطراء دليلا على أنه (قده) كان يتحين الفرص للإشارة الى أهلية السيد الخامنئي للقيادة كما هي عادته (قده) بعدم فرض شخص معين على الأمة. 2 ثم ان كلمة الإمام الخميني »انه أهل للقيادة« لا تتجاوز الإعجاب. 3 ولماذا سلم الكاتب بهذه العبارة، بينما حاول التشكيك بالعبارة الثانية، وذلك عندما نسبها الى ما أسماه »الدعاية الحزبية« علما بأن كلا القولين صدر من الجهة نفسها. كلمة أخيرة لا بد منها: لا شك في أن عند كل منصف وعالم، ان السيد الخامنئي وكما وصفه الإمام الخميني »أهل للقيادة«. كيف لا وقد تجسدت به صفات القائد ومزاياه من القوة والعنفوان والثبت في مواجهة تحديات الاستكبار، والرحمة والحنان والعطف على المؤمنين والمستضعفين.