عاودت مؤسسة روز اليوسف إصدار سلسلة الكتاب الذهبي الشهري، بعد توقف طويل، وأصدرت قبل أيام للكاتب »سيد خميس« كتابا بعنوان »الشعر العامي في مصر« وهي قضية تفتقد الى الدراسة البحثية الجريئة، حيث لا تزال الغالبية المثقفة في مصر تنظر إلى الشعر العامي نظرة استعلاء وتجاهل، نافية إياه خارج أسوار الأدب المعترف به إبداعا ونقدا ودراسة، وان كان الجميع على حد تعبير سيد خميس يأخذون حظهم الكامل من »الاستمتاع السري« بهذا الشعر العامي في اشكاله الفنية المختلفة والواسعة الانتشار، وأقرب مثال لهذا الموقف الفكري المزدوج، هو ما حدث تجاه »رباعيات« صلاح جاهين و»مسحراتي فؤاد حداد« وظاهرة الشيخ إمام واحمد فؤاد نجم، و»جوابات حراجي القط للأبنودي« واشعار سيد حجاب. ويضيف سيد خميس: ان هذا الموقف المزدوج أرسى قواعد ثابتة لدى مفكري إحياء النهضة وجعل القديم هو ما أجمع القدماء على قداسته، واستبعد من هذا القديم الأساطير والخرافات والسير الشعبية وفنون القول، وكل ما يكوّن الآداب الشعبية بحيوياتها الدافقة ومذاقها الدافئ الحنون، فباستثناء الدكتور احمد ضيف في مقدمته لكتاب »تاريخ أدب الشعر«، والأديب يحي حقي في دراسته عن رباعيات صلاح جاهين، وأمين الخولي في دراسته عن الأدب المصري، وتكريسه عددا خاصا من مجلة (الأدب) عن بيرم التونسي. فان احدا من النقاد او الكتاب الكبار لم يكرس دراسة واحدة عن الشعر العامي وشعرائه مع انهم عاصروا عمالقته الذين أوصلوه بمفهومه الخالص الى ذرى انسانية وفنية لم يصلها من قبل، واحتفت الثقافات الاخرى بإبداعها الشعري ترجمة ودراسة. ويعلق د. صلاح فضل على انشغال المستعرب الاسباني »بدور مارتينث مونتابث« بترجمة رباعيات صلاح جاهين بقوله: كلمات صلاح جاهين كانت ولا زالت ممنوعة من دخول قاعات الدرس في مصر، بينما أشعاره اللماحة تهزنا في الشارع والمنزل والمقهى. شعر البطولة ويناقش الكتاب قضية »الشعر العامي في مصر« عبر ثلاثة فصول بالإضافة الى ملحق يضم نصوصا من هذه الفنون الشعرية مع تسرحها وتقريبها لذوق وثقافات القارئ المعاصر. وهذا الملحق مرشح على الأرجح لإثارة ضجة كبرى، خاصة في أوساط المحافظين والمتدينين، بما انه يشتمل على قصائد وعبارات جنسية ووصفية صريحة، لم يألف القارئ المصري المعاصر رؤيتها مطبوعة وان كان يحفظها ويرد ما هو اكثر جرأة منها وصراحة. يرصد الكتاب اصل مصطلح »شعر العامية المصرية« ويعيده الى أوائل ستينيات القرن العشرين، حيث كرسته وأشاعته نقديا وإعلاميا جماعة ابن عروس، وهي جماعة صغيرة ركزت جهدها الفكري والإبداعي والاعلامي لبلورة وترسيخ هذا الشكل الشعري الجديد، الذي كان قد بدأ قبل سنوات بأشعار فؤاد حداد في سجنه و»ابن عروس« اسم يرمز للحكمة الشعبية الشعرية التي راكمتها أجيال المبدعين الشعبيين المجهولين في صعيد مصر، ضمن الشكل الشعبي المعروف هناك ب(الواو) او (المربع) والذي يتشابه مع الشكل الشعري العامي المعروف ب»الدوبيت« اي البيتين، وقد استحدثه البغداديون نقلا عن الفارسية، ثم شاع في الأقطار العربية وخاصة السودان، حيث يعرف ب(الدوباي) ويعامل كشعر قومي في السودان الشرقي والأوسط وبعض جهات الغرب؟ وهو يتشابه من حيث الوزن الموسيقي ببحر الزجر مع اختلاطه احيانا بوزن البحر الكامل، وهو من ناحية المضمون يمثل شعر البطولة العربية بجوانبها المادية والأخلاقية والعاطفية. شعر جديد وُلد ويضيف الكتاب ان المبدع صلاح جاهين ادرك ان ثمة شعرا عاميا جديدا قد ولد، واختار ان يكتب اشعاره بالعامية بعد ان اختار الانحياز فكريا واجتماعيا للطبقات الشعبية المصرية التي برز حضورها الاجتماعي بعد ثورة تموز 1952 وقيادة عبد الناصر شخصيا، ومن الجنوب جاء عبد الرحمن الأبنودي ومحمد عبد النبي وأبو الوفا القاضي وحجاج الباي وعبد الرحيم منصور، مواهب وحشية لم تصقل بعد، ولا يوجد في واقعها الجنوبي ما يدفعها الى الانشغال بهذا الشعر الجديد، وجاء سيد حجاب من الدقهلية مصقولا منذ البداية، وجاء فؤاد قاعود ابن البلد السكندري المتمرد على الزجل والواقع، ومن القاهرة محمود عفيفي وفريدة إلهامي، ثم سمير عبد الباقي الذي غيبه السجن سريعا. فكان الأمر ظاهرة ثقافية وفنية جديدة تحتاج إطارا لها وإجابات على أسئلتها، وتنظيرا لقضاياها الفكرية والفنية، وكانت جماعة (ابن عروس) هي الإطار المقترح، وقد ضمت جاهين وسيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي وسيد خميس، والأربعة شركاء ايضا في الايمان بالماركسية، وكونوا معا ورشة عمل شبه دائمة في مكتب صلاح جاهين في مجلة (صباح الخير) ثم الأهرام ثم في مساكنهم، ثم على مقاهي إيزائيفيتش ومقاهي ميدان التحرير وباب اللوق والكيت كات وبارات القاهرة ومكتباتها التي حولها عصر الانفتاح الى محلات للأحذية. وتوصل الأربعة الى ان الشعر العامي الجديد ينطلق من حيث انتهى عبدالله التديم شاعر الثورة العرابية، وبيرم التونسي ثم بديع خيري، وذلك لتخليص القصيدة الزجلية من الركاكة والسطحية والدونية تجاه القصيدة الفصيحة، فالشعر لا يرتبط بلغة معينة او لهجة محددة، بل حيث يكون الشعر شعرا حقيقيا، والشعر العامي يمكن ان يصل الى أعلى مستويات الإبداع، والشعر الفصيح يمكن ان يكون ممجوجا ومكرورا ورديئا الى أقصى حد، كما ان العامية في الشعر مستوى من مستويات اللغة العربية في مصر مثله مثل المستويات الاخرى في القصة القصيرة والمسرح والرواية والسينما والإذاعة والتلفزيون والصحافة. ظاهرة ثورية ويضيف سيد خميس في كتابه: لقد كانت ظاهرة الشعر العامي المصري ظاهرة ثورية بكل المقاييس وعلى مختلف الأصعدة، وكان أبرز مظاهر تلك الثورية، هو تحقيق وتأكيد ما يمكن تسميته بالعدالة الشعرية، فلم يعد الشعر إبداعا وتلقيا مرتبطا بالصفوة من ذوي الجباه العالية والياقات البيضاء، بل أصبح حقا للجميع. ويتناول الفصل الأول من الكتاب، الأشكال الشعرية الجديدة التي طرأت على الأدب العربي في عصر تفكك الدولة العربية المركزية في الأندلس ومصر والعراق، وانقسامها الى دويلات وإمارات مستقلة كانت مصر أبرزها إذ بدأ استقلالها منذ حكم الطولونيين والاخشيديين ثم أصبحت خلافة فاطمية ورثها الأيوبيون ثم المماليك، وفي ذلك العصر عرف الأدب المصري عن طريق المهاجرين الأندلسيين شكلين شعريين جديدين هما الموشح والزجل، ويعرض هذا الفصل لنشأة هذين الشكلين في الأندلس، واللذين كانا ثورة شعرية شكلا ومضمونا. يستعرض الفصل الثاني موشحات القاضي السعيد ابن سناء الملك والتي تضمنها كتابه »دار الطراز في مصادر الأدب المختلفة« وتعود أهمية الكتاب الى جمعه العديد من الموشحات المتفرقة في مصادر الأدب المختلفة. أما الفصل الثالث فهو دراسة في فنون الشعر العامي او الشعر الملحون كما كان يسمى، بمعنى الشعر الخارج على قواعد النحو والصرف والبلاغة وألفاظ المعجم، وهذه الفنون الشعرية كما يقول الكاتب وان كانت قد طردت من ديوان الشعر العربي التقليدي فان تاريخ الأدب العربي لم يعدم نقادا ومؤلفين منصفين لم يربطوا بين الشعر والاعراب كما فعل ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، وكما فعل ابن الأثير في كتابه »المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر« والذي يقرر ان الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة. كتاب »الشعر العامي في مصر« والذي يقع في أكثر من 200 صفحة يعيد طرح قضايا، ويفجر قضايا تدفعه دفعا ليكون مثار جدل النقاد والشعراء والمهتمين بما سوف يثري المكتبة العربية الفقيرة إلى مثل هذه الأبحاث في هذه القضية. عمرو ناصف (القاهرة)