البقاع الغربي شوقي الحاج: اعيد فتح بعض اقسام المتحف الوطني، وما زالت اقسام اخرى مقفلة، بانتظار الانتهاء من اعمال التأهيل والترميم.. لكن هذا ليس بيت القصيد، الذي يبقى هو الآثار اللبنانية، التي يتعرض الكثير منها للتبديد من خلال عدم وصوله اصلا الى قائمة موجودات المتحف. وما قضية الكنز المفقود، الا واحدة من الامثلة الدلائل التي تبقى شاهداً على ان الاهتمام بالآثار هو مجرد ادعاء فارغ. على ان الكنوز الاثرية لا تقتصر على ما يظهره بطن الارض في هذا المكان او ذاك، اذ هناك الكثير من الآثار التي لا بد من العمل على استعادتها، اضافة الى ان تأسيس المتاحف المناطقية مسألة حاسمة تفرضها نظريات »التنمية المتوازنة« التي لا تحد طريقها للتطبيق. وكامد اللوز، او كلها بالاصح هي منطقة اثرية على درجة بالغة الاهمية، الى درجة انها قلبت الكثير من النظريات رأساً على عقب، وجعلت من اقامة الفينيقية في المدن الساحلية؛ صور صيدا بيروت جبيل و... خطوة في سياق باعتبار ان »كاميدي« او كامد اللوز محطة اساسية في طريق الوصول الى الشاطئ وبناء المدن الساحلية المفتوحة على البحر المتوسط.. هنا تحقيق عن عالم كامد اللوز وما كشفته الابحاث الاثرية بشأنها: كشفت نتائج الحفريات التي اشرف على تنفيذها عالم الآثار الالماني »هاخمان غاتا لوغ« من جامعة السار، بالاشتراك مع علماء من جامعات المانية اخرى ومن بولندا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا وليبيا وتركيا والولايات المتحدة الاميركية، في تل كامد اللوز في البقاع الغربي بين عام 1963 1981 عن وقائع تاريخية في غاية الاهمية والخطورة على صعيد المرحلة والتطور الحضاري للمنطقة، وهي وقائع تستحق التعمق بدراستها، والبحث الجاد عن خفاياها، للكشف عن اسرارها ومكوناتها، كونها دحضت نظريات تاريخية قائمة، وقلبت مفاهيم ومقاييس معمولا بها حتى الآن، واضافت الى الارشيف المصري في تل العمارنة اسماء حكام ذوي اهمية كبيرة، واسماء مدن مجهولة حتى يومنا هذا، وطرحت نصوصاً، توجب الاستقصاء والتمحيص. كما اثبتت المكتشفات ان اول معالم التاريخ الحضاري القديم للفينيقيين، كان في سهل البقاع، وبالتحديد في مدينة »كاميدي« قبل ان يصلوا الى المدن الساحلية في صور وصيدا وبيروت وجبيل. والدلالة على ذلك كانت العثور خلال الحفريات في تل كامد اللوز على لوحتين فخاريتين، كتب عليهما بالحروف المسمارية المختصرة، في محاولة رائدة وجريئة لتقليص الحروف الهائلة، التي بدأت ب2000 مسمار كتابي، وتقلصت مع الوقت الى 500 مسمار كتابي، حسب ما اظهرت اللوحات الفخارية المكتشفة في اوغاريت، لاقدم محاولات الكتابة في تاريخ البشرية. واستناداً الى ذلك بات من المؤكد والثابت ان اختصار الكتابة ب28 حرفاً هي الحروف الابجدية التي اكتشفت في جبيل، سبقتها محاولة اقدم بكثير، كان مسرحها مدينة »كاميدي«، حيث استطاعت هذه المحاولة ان تقلص الحروف الى 48 حرفاً حسب ما دلت اللوحتان المكتشفتان هناك، ولكن لا يمكن التكهن بالمدى الزمني الذي تطلبته هذه المحاولة، وان كان الوصول الى هذه النتيجة، يتطلب ردحاً طويلا من الزمن، امضاه الفينيقيون في سهل البقاع قبل وصولهم الى الساحل. وقدمت المكتشفات صورة واضحة عن الحضارة الفينيقية القديمة واهميتها، والدور الهام الذي لعبته مدينة »كاميدي« (كامد اللوز) في العصر القديم بفضل موقعها الجغرافي المميز، حيث شكلت تقاطعاً هاماً لخطين تجاريين رئيسيين في العصور القديمة وحتى الحديثة، وهما: خط صيدا، جزين باتجاه البقاع الشرقي، الى كامد اللوز وصولا الى دمشق، اما الخط الثاني القديم فكان من مصر، الى الشمال، مروراً بفلسطين وغور الاردن، ومنه الى لبنان، مروراً بحاصبيا وراشيا الى كامد اللوز، ومن هناك الى بعلبك والهرمل بمحاذاة نهر العاصي، فسوريا حيث ينتهي في بلاد ما بين النهرين. قاد اكتشاف ارشيف رسائل الفراعنة في تل العمارنة في مصر عام 1887، والتي تعود الى ايام الفرعون امينوفيس الرابع اخناتون (1352 1336) ق.م. الى الكشف عن اسم مدينة مجهولة المكان تدعى »كاميدي«، وقد ورد ذكرها في اربع رسائل من خمس، الرسالة الاولى اتت على ذكر اسم »اراحوتو« ملك »كاميدي« اما الرسالة الثانية فركزت على »كاميدي« كمركز للحاكم او الوالي المصري »رابو«، اما الثالثة فذكرت اسم الملك »بوحورو« حاكم مدينة »كاميدي«، في حين ان الخامسة اخبرت عن حاكم سوري اسمه »بيريوازا« يطلب فيها المساعدة من فرعون مصر من اجل الدفاع والاحتفاظ بمدينة »كاميدي«. وبقيت هذه المدينة »كاميدي« مجهولة المكان، حسب ما جاء في محاضرة القاها الدكتور نجم حداد في الجامعة اللبناية (الفرع الرابع) بدعوة من نادي كامد اللوز، حتى صحت توقعات اللاهوتي الالماني »كوته« عام 1897، بأن كامد اللوز في البقاع الشرقي هي المدينة القديمة »كاميدي« التي تحدثت عنها رسائل تل العمارنة في مصر. واستناداً الى هذه التوقعات، ترأس البروفسور »كوشكي« اول بعثة من علماء الآثار الى كامد اللوز عام 1954، اكتشف خلالها (تلاً)، رجح من خلاله ان تكون هذه المنطقة قد شهدت مستوطنة في فترة تاريخية مبكرة. مع مترجم البعثة »السفير« استصرحت احمد ثابت الذي رافق البعثة الالمانية، التي تولت الحفر، كمترجم لسنوات عدة فأكد ان الحفريات بدأت عام 1963 باشراف عالم الآثار الالماني »هاخمان غاتا لوغ« من جامعة السار، يساعده فريق من العلماء والطلاب في عدة جامعات، واستمرت حتى عام 1981، ولكن تخللتها فترات انقطاع خلال الحرب اللبنانية. واضاف ثابت، اسفرت الحفريات التجريبية الاولى في تل كامد اللوز عن آثار استيطان، تعود الى 6 أو 7 آلاف سنة، وتعود اقدم الآثار الى العصر الحجري، اي قبل الميلاد بنحو خمسة آلاف سنة.. وثبت ان توسع بلدة كامد اللوز كان كبيراً في اواسط العصر البرونزي، بين عامي 2100 1550 ق.م. تقريباً، ولاسباب تعود الى طبيعة طبقات الارض، تركزت الحفريات على الفترة المتأخرة من العصر البرونزي اي ما بين 1550 و1200 او 1100 ق.م. واكد ثابت ان الكثير من الكنوز الاثرية في كامد اللوز لم يتم استكشافها بعد. واشار الى انه خلال احاديثه مع هاخمان غاتا لوغ كان الهم الاول له ضمان »الكشف عن الآثار المجهولة، وعدم الالتفات الى الآثار الرومانية والبيزنطية، كون الحفريات لن تؤدي الى الكشف عما هو اهم من هياكل بعلبك«. واشار ثابت الى ان اهمية تل كامد اللوز السكنية، تكمن في موقعه الاقتصادي الهام على مر العصور القديمة والحديثة، نظرا لما يتمتع به هذا الموقع من تقاطع لخطين تجاريين رئيسين؛ الاول يمتد من صيدا الى دمشق عبر جزين، والثاني من مصر الى الشمال نحو سوريا، وصولا الى الاناضول وآسيا الصغرى، مؤكدا ان هاخمان غاتا لوغ »اوضح من خلال احاديثه ان سهل البقاع في العصور القديمة كان مليئا بالبحيرات والمستنقعات، وتركز السكن فيه على التلال«. وهذه المقولة مؤكدة على لسان عالم الجغرافيا العربي »ابو الفدا«، الذي كتب عن بحيرة كبيرة في سهل البقاع في بداية القرن الرابع عشر، والتي كانت تقع بين الكرك وعنجر، كما اشار الى ان احد حكام دمشق امر في ذلك الوقت، بتجفيف بحيرات ومستنقعات في السهل، بنى عليها لاحقا عشرين قرية. ونقل ثابت عن غاتا لوغ قوله »ان »كاميدي« المدينة التجارية الهامة في ذلك العصر، كان يحكمها ملك يمثل الفرعون، هذا الحاكم المحلي الموفد، كان يدعى بالكنعانية "Rabisuس، وقد دونت هذه الكلمة بالحرف الاوغاريتي المسماري على قطعة من ابريق فخاري يخص احد الموفدين الى تلك المدينة«. واشار ثابت الى المرتفعات الصخرية التي تحيط ببلدة كامد اللوز من الناحيتين الشرقية والجنوبية للبلدة، والتي تحتوي على قبور بشكل غرف صغيرة منحوتة في الصخور، ويعود تاريخها الى العهدين البيزنطي والروماني، وبعضها »هيليني«، ولكن تم العبث بالكثير منها خلال فترة الحرب، بهدف التفتيش عن كنوز قديمة. وقال ثابت: ان هناك اشاعات لا يمكن تأكيدها مفادها أن بعض العابثين عثروا على آثار وكنوز لها اهميتها التاريخية، باعوها او احتفظوا بها. مقبرة كاميدي واشار ثابت الى ما ورد في محاضرة الدكتور حداد من ان العلماء تعرفوا سنة 1981 إلى موقع لمقبرة من العصر البرونزي الحديث فوق مرتفع جبلي، على بعد 5،2 كلم شمال غرب تل كامد اللوز، ربما كانت مقبرة مدينة »كاميدي« في ذلك العصر. كما ان هناك مرتفعا يدعى »تل الكروم«، يقع على بعد 300م. شمال تل كامد اللوز، يحتوي على مدينة اموات كبيرة "Nekropoleس، ترجع الى العهود؛ البيزنطي والروماني والهيليني. تراكم حضارات ويضيف ثابت: ان تل كامد اللوز هو المرتفع الاكثر ارتفاعا بين المرتفعات في المنطقة ويحتضن حضارات عدة، تراكمت فوق بعضها البعض على شكل طبقات اثرية، ربما اتاها الدمار بسبب الحروب او نتيجة الزلازل العنيفة التي كانت تضرب المنطقة وتحولها الى خراب. وتمتد تلك الطبقات الاثرية على مدى العصور اي الى 65 آلاف سنة قبل المسيح. واكد ثابت: ان التنقيب بدأ بالعصر الفارسي ومنه الى المصري ومنه الى العصر البرونزي الحديث، لاسباب تعود الى الغنى التاريخي والحضاري لتلك الفترة، وطمعا بكشف الاسرار التاريخية الغامضة. واضاف ثابت: ان الحفريات الاساسية والهامة تركزت، في القسم الشمالي الغربي منه، وشملت مساحة 5500م2 بأعماق مختلفة، وبلغت اعمق حفرة سبعة امتار ونصف متر تقريبا، فتبين ان الطبقات الاولى في التل تعود الى العهد الفارسي. وعثر على مقبرة فارسية تحتضن حوالى مئة قبر، كشف عن 93 قبرا منها، تحتوي على اوان خزفية، وفخاريات وزجاجيات. وتابع: اما تحت الطبقات الفارسية فعثر على آثار ترجع الى العصور الحديدية والبرونزية، واهمها معبد وقصر ملكي يرجعان الى العصر البرونزي الحديث. محتويات المعبد ويوضح الدكتور نجم في محاضرته ان المعبد تعرض اكثر من مرة للهدم، واعادة البناء والترميم، عازيا الاسباب الى الحروب والهزات آنذاك، وهو يضم قاعتين كبيرتين غربية وشرقية، وداخلهما منشآت عدة ذات مغزى يدل على عبادة الآلهة في ذلك الوقت. وتحتوي القاعة الشرقية على مكان لتقديم الذبائح، مملوء بالرماد والعظام، كما عثر على سكين، تحمل في طرفها شكل أسد، مصنوعا من البرونز، اما داخل الغرف فعثر على شكل مصنوع من العاج، وعلى احواض احدها مخصص لتقديم المشروب قربانا للآلهة، وآخر مخصص للتطهير المقدس من الخطايا، وثالث بني بمساواة الارض لحرق الذبائح. اما القاعدة فهي عبارة عن تجويف في الارض، وقاعدة عمود، حيث كان يقف الملك فيها، للاشارة الى انه عمود الامة، والتجويف في قاعدة العمود يشبه كما يقول الدكتور نجم معبد الملك سليمان. اما القاعة الغربية، فتحتوي على الحائط الغربي، حيث المذبح، إضافة الى غرفتين صغيرتين، وقد بُني المذبح خصيصا لحفظ الأدوات المقدسة والثمينة، عبارة عن أربعة نماذج مصنوعة من الفخار. ويوضح الدكتور حداد ان قاعدتي العمودين على القاعة الغربية يذكران بهيكل سليمان في القدس، ويدعيان »بوعز» و»ياكين« (Boas, Yackin)، مستنتجا من ذلك ان المعبد مؤلف من بناءين مختلفين، ويدلان على أن الناس كانوا يعبدون إلهين مختلفين، اما الغرف فهي أمكنة لممارسة الطقوس الدينية المتعددة، أو انها تعود الى عدد من الآلهة التي كانت تُعبد آنذاك. القصر الملكي أما القصر الملكي، والجناح الخاص بالعائلة المالكة، فقد تم اكتشافهما عام 1972 كما يشير الدكتور حداد ويقول: ان البناء عائد الى العصر البرونزي الحديث وهو مؤلف من ثلاثة طوابق، كانت قد تهدمت كليا جراء هزة أرضية عنيفة، ويدلل على ذلك ما وُجد من مكتشفات بقيت تحت الأنقاض، من دون أن يبادر أحد الى رفعها. ويقول: »ان القيمة الأثرية التي خلفتها الهزة لم تتعد الاطار العلمي، وذلك لأن كل ما يحتوي عليه القصر من أثاث بقي مطمورا تحت التراب حتى البدء في عمليات التنقيب. وعن المكتشفات التي وُجدت فهي ثلاثة هياكل عظمية، يعتقد أن أحدها يعود الى الملك نفسه، إضافة الى آلات برونزية، وأوان زجاجية وفخارية وأشكال من عاج وقطع ذهبية وفضية. ويؤكد الدكتور حداد ان أهم المكتشفات في كامد اللوز كانت اللوحتين اللتين اغتنت بهما خزنة علماء الآثار، فأضافتا بُعدا جديدا يتعلق بالمحاولة الرائدة والجريئة لتقليص الحروف المسمارية الهائلة التي بدأت ب2000 حرف مسماري وتقلصت الى 500 حرف مسماري في أقدم محاولات الكتابة في تاريخ البشرية، حسب ما أظهرت مكتشفات أوغاريت. ويشار الى ان اللوحتين الفخاريتين المكتشفتين في كامد اللوز، المنقوش عليهما بالحروف المسمارية، تثبتان أولى محاولات الفينيقيين لاكتشاف أبجدية سهلة، تعطي الحرف الأول صوتا من الكلمة، وهذا ما يسمى في علم اللغة (Akrophonie). كما تؤكد المكتشفات الأخرى على أهمية حضارة الفينيقيين، الذين كانوا يسكنون هذه المنطقة أي »كاميدي« قبل وصولهم الى الساحل اللبناني. ويقول الدكتور حداد في محاضرته ان الحفريات في تل كامل اللوز، كشفت في القصر الملكي والمعبد لوحات فخارية مكتوبة بالمسمارية العائدة الى بلاد ما بين النهرين باللغة الأكادية التي كانت مزيجا من اللغتين البابلية والأشورية. ست من هذه اللوحات تعود لعصر العمارنة في مصر، اثنتان منها موجهتان من الفرعون »عمانوفيس الثالث« (1390 1352 ق.م.) الى أحد الأشخاص في الشرق الأدنى لكنها لم تصل الى صاحبها. ويبدو ان حاكم أو ملك »كاميدي« آنذاك احتفظ بها لسبب ما، اما الرسالة الثانية فموجهة من شخص مرموق يدعى »اشيرابي« الى الحاكم المعين من مصر من »كاميدي«، وهذا الشخص المرموق ربما كان حاكما لاحدى المدن، ويظهر انه كان في صراع مع مدينة أخرى اسمها حسب النص »محلا«، وهذه المدينة ما زالت مجهولة حتى الآن. نص الرسالتين ومن المستحسن في معرض هذا التحقيق ان نذكر نص الرسالتين المذكورتين كما وردتا في محاضرة الدكتور حداد: نص الرسالة الأولى: »أعطي الأمر بأن ترسل عدة »بيريديا« وهي جعبة مع 30 سهما برونزيا وقوس نشاب من أرض »ماتا« اMetaب وخمسة مثاقيل ذهب بشكل أساور وحزام جلدي«. ويعلق حداد على ذلك: انه ربما كان ملك »كاميدي« غنيا بالذهب والسلاح، وربما كان يصنعه في المدينة نفسها. ويشير الى ان هاخمان العالم الألماني برهن ان شعب »كاميدي« كان الأول في صهر الحديد قبل كل المدن الفينيقية الأخرى. أما نص الرسالة الثانية: »سيدي الكبير اليك التالي من عبدك؛ إنني أركع أمام رجلي سيدي، أسألك من هم الناس في »محلا«، فهل هذه مدينة الملك سيدي؟ أرجوك أن ترسل لنا جوابا، وأن تخلصني من ذلك الصراع. أطلب من الله أن يمنحك اعتبارا عند الملك«. ويؤكد حداد ان مدينة »محلا« ما زالت مجهولة حتى اليوم. واستنادا الى ذلك بات من الثابت القول ان هذه الرسائل واللوحات قد أضافت الى الأرشيف المصري الذي وُجد في تل العمارنة بعض الخطوط العريضة، كما كشفت عن أسماء بعض الحكام المهمين، وأسماء بعض المدن غير المعروفة، وطرحت نصوصا وأسئلة، توجب البحث والاستقصاء والتمحيص. ولا بد أيضا من الاشارة الى ان الإله الذي كان يُعبد في المعبد المكتشف، ربما كان »بعل« الذي وصف بإله العواصف والسحب، كما ان المكتشفات تسمح بتكوين صورة عن أن المعبد يشبه المعبد الذي استخدم فيه الملك سليمان بعض بضع مئات من السنين مهندسين وسباكي البرونز الفينيقيين لبنائه في القدس، والذي تعطي التوراة عنه وصفا مفصلا... وتميزت بعض الآثار المكتشفة بالأشكال الهندسية الخالية من الصور، ويقدر الأثريون انها تعود الى القرن الثالث عشر أو الثاني عشر قبل الميلاد، أما كتابة أوغاريت المسمارية فإنها تعود الى نفس الفترة، اما الكتابة الفينيقية، فيعتقد انها تعود للقرن السابع عشر ق.م. وترجيح ذلك يعود الى نوعية الحروف وهي واضحة: ت.م.ل.ك. وكأنها جزء من كلمة »بيت الملك«. آثار وأسئلة مطروحة والدكتور نجم حداد يشير في محاضرته الى ان متاحف العالم افتقرت الى الاشكال الفينيقية المصنوعة من العاج، لكن في كامد اللوز اكتشفت اشكال عدة أضافت الى علم الآثار ما يستحق تقديره، وأعطت افكارا جديدة عن الشعب الفينيقي وما تميز به عن باقي الشعوب وخاصة الفراعنة الذين كانوا يحكمون هذه المنطقة في ذلك العصر. وطرح حداد مجموعة أسئلة توجب البحث والكشف عن اسرارها: هل ما يميز حضارة الشعب الفينيقي عن غيرها هو فقط استنباط الحروف الابجدية؟ أليس هناك من اختراعات واكتشافات أخرى أخذها عنهم اليونان ونسبوها اليهم أي انهم لم يعترفوا لهم بها؟ ألا ينبئ الشكل العاجي بذلك، ال ينبئ بأشياء فينيقية هامة جدا، ما زالت مطمورة في باطن الأرض في كامد اللوز؟... ويعلّق حداد على الشكل العاجي الجالس بأنه ذو مغزى يدل على »التفكير الحر« أي انه الانسان الفرد ذو الشخصية الخاصة المتحررة من الشخصية العامة المرتبطة بالمجموعة والمستفيدة منها. وتطرق الى تأثير الفن المصري على الشكل العاجي لناحية غطاء الرأس والحاجبين البارزين والصدر المبروم، ولكن الكثير فيه غير مصري وغير معروف في الحضارات الباقية مثل الوجه المدوّر، المليء بالابتسامة الناعمة، حيث تظهر الانسان المنفتح والحيوي والطموح. ويشير الى أن هذا الفن يقلب اتجاهات الفن المصري الذي كان سائدا، المبني على الرهبة والقساوة، والجدية الفائقة. واعتبر ان هذا الفن المكتشف شكّل بداية متواضعة للديموقراطيات السائدة اليوم في عالمنا... كامد في ألمانيا كما التقت »السفير« أمين سر نادي كامد اللوز بسام طه، فأكد ان حفريات كامد اللوز أثبتت وقائع تاريخية جديدة، ودحضت بعض النظريات، وغيّرت مفاهيم ومقاييس كان معمولا بها، وبات من الثابت ان الفينيقيين سكنوا مدينة »كاميدي« قبل الوصول الى الساحل في مرحلة انتقالية لا يمكن تحديد مداها الزمني، استطاعوا خلالها تقليص الحروف الابجدية الى 48 حرفا، قبل ان يصلوا في جبيل الى 28 حرفا وفي ناووس احيرام. وقال طه: ان هذا التعليل يرتكز على المنطق، والعقل، ويجب الأخذ به »إلا إذا كانت الفينيقية صفة وليست عرفا«... وتحدث طه عن عشرات الكتب التي الفها علماء الآثار في المانيا، تتناول آثارات »كاميدي«، ولم تكلف الدولة نفسها بتعريب هذه الكتب، او الاهتمام بالاماكن الأثرية، وبالمكتشفات، برغم اهميتها الحضارية والتاريخية، والتي كشفت اسرارا ومكنونات لم تكن معروفة ابدا، وأضافت الى خزائن علماء الآثار وثائق في غاية الأهمية. وأشار الى المعرض الأثري الهام الذي أقيم في متحف ولاية الراينيه في مدينة بون في (المانيا الغربية) عام 1984، وتضمن مجموعة من القطع الأثرية زادت على 120 قطعة، والصور الوثائقية، وافلام الفيديو مع شروحات ومحاضرات علمية، غيّرت النظريات حول الفينيقيين. وقال: تجوّل المعرض في متاحف عدة في مدن المانية (برلين، ميونيخ، هانوفر، كيل، ومنستر)... واشار طه الى بعض الحفريات التي قام بها بعض العابثين خلال فترة الاحداث، فخربت الكثير منها، وعبثت بكنوز أثرية هامة، طمعا ببعض المال. وطالب الدولة ببناء متحف مكان الحفريات التي جرت، وعرض مكتشفات مدينة »كاميدي«، واثبات نظرية فينيقيي »كاميدي« قبل فينيقيي الساحل. ودعا أيضا الى استرداد بعض المكتشفات التي نقلها العلماء الالمان الى بلادهم، وحفظها في المتحف الوطني اللبناني، واستعادة كل الآثار والكنوز الأثرية التي تم بيعها او الاحتفاظ بها ممن استغلوا الفرصة للحفر خلال الاحداث. وتحدث طه ايضا عن بدء حفريات جديدة الى جانب الحفريات القديمة في تل كامد اللوز والتي بدأت هذا العام والتي ستمتد الى سبع سنوات باشراف عالمة آثار المانية بمساعدة فريق من طلاب لبنانيين. وأشار الى مشكلة عدم وجود حراس على مكان الحفريات مما يهددها بالعبث. ولم ينس دور قوات الاحتلال الإسرائيلية في تخريب الاماكن الأثرية، ولا سيما تل كامد اللوز، حيث حوّلت الموقع الى موقع عسكري، فعبثت به وغيرت معالمه. كما زارت »السفير« منزل محمد واكد في كامد اللوز، المسافر في المانيا، وشقيق السيدة نهاد واكد، التي كانت »ساقية« للمياه في الورشة التي تولت التنقيب عن الآثار، وتزوجت من عالم الآثار الالماني المشارك في الحفريات عام 1969 (غينتر كراوري)، فأكد ان صهره ما زال يقوم بالابحاث في مدينة »زار بروكن«، ويتمنى ان يحقق برهانا عن وجود تاريخ ما قبل الفينيقيين. ونقل عن صهره قوله: انه يتحسر نتيجة العبث بالآثار نظرا لقيمتها التاريخية والحضارية. هذه قصة آثار »كاميدي« توضح أن الحضارة الفينيقية الداخلية القديمة، كانت نواة للحضارة الفينيقية الساحلية التي عُرفت في الألف الأول قبل الميلاد، وانتشرت منها الى عالم البحر المتوسط. صور عن اختام وعملات وفخاريات مكتشفة في كامد اللوز ثابت واكد طه مدرجات في محيط كامد اللوز مغاور قديمة في احد التلال بقايا عمران في حفرية مدرجات ومغاور تماثيل عاجية ل»الملك« ويبدو الشبه واضحاً مع المكتشفات الفرعونية أوان منزلية وللزينة