الذين كانوا يتتبعون كتابات الدكتور طه حسين ومحاضراته داخل مصر وخارجها كان انتباههم مشدودا بالدرجة الاولى الى روعة أسلوبه الأدبي في السرد والنقد والتحليل، وقلما كانوا ينتبهون الى الجانب التاريخي و»الاجتماعي السياسي« منها وما كان يستخلصه من قواعد حياتية باعتباره اديبا في المقام الأول ناسين انه بالاضافة الى كونه دكتورا في الأدب كان ايضا دكتورا في التاريخ وعلم الاجتماع من جامعة »السوربون« و»الكوليج دي فرانس«. لذلك نجد انه في جميع كتاباته التي كان يتناول فيها أدب السلف بالنقد والتحليل كان يتناول بإسهاب ايضا مجمل أوضاع العصر الذي عاش فيه هذا الأديب او ذلك الشاعر وأثر هذا العصر على أدبه وشعره ليخلص بعد البحث والتنقيب الى استخراج الحقائق التي تتحكم بمصائر الأفراد والشعوب، متأثرا في منحاه هذا بمنحى من سبقه من كبار فلاسفة التاريخ وعلم الاجتماع أمثال ابن خلدون و»أوغست كونت« و»دوركهايم« وسواهم وكذلك كبار المستشرقين الذين اهتموا بتراثنا وكشفوا خباياه ومندثراته اكثر مما فعلنا نحن بكثير. ساقني الى الخوض في هذا الحديث ما عثرت عليه في قراءتي الثانية الجديدة لكتابه »مع المتنبي« الذي أصدره عام 1937، ذلك ان قراءتي الاولى له تعود الى أواخر الأربعينيات عندما كنت أحضّر نفسي لنيل شهادة البكالوريا. فقد كان اهتمامي منصبا في ذلك الوقت على فهم شعر المتنبي من خلال شروحات »عميد الأدب العربي«. اما في قراءتي الثانية الاخيرة فقد وجدت نفسي مشدودا الى التحليل التاريخي الرائع للعصر الذي ولد وترعرع فيه المتنبي منذ بداية القرن الرابع للهجرة حتى أواسطه وما تخلل هذه الحقبة من فتن وثورات بسبب إرهاق الرعية بالضرائب والأتاوى من اجل تغطية نفقات قصور المترفين من حاشية الخليفة وبطانته ووزرائه وأقربائه وأنسبائه وخدمه وحشمه وجواريه بالإضافة الى قادة الجند الذين كانوا في غالبيتهم من الأعاجم (أي من غير العرب). فكانت النتيجة ان نشبت الاضطرابات في مدينة الكوفة، مسقط رأس المتنبي، ثم امتدت منها الى عاصمة الخلافة بغداد، ومن بغداد الى سائر المدن والحواضر العباسية. ثم ما لبثت هذه الاضطرابات ان تمخضت عن ثورات دموية رهيبة قام بها القرامطة وصاحب الزنج (علي بن محمد) و»بابك الخرّمي«. فسادت اعمال السلب والنهب والقتل والسحل واستباحة كل القيم والحرمات الدينية والأخلاقية. كما راح حكام الأقاليم، وجُلّهم من »الموالي«، يتفردون بحكم مقاطعاتهم وينصّبون أنفسهم ملوكا وسلاطين وأمراء معلنين استقلاليتهم عن الحكم المركزي في بغداد وتمردهم على أوامر الخليفة بجباية الأتاوى والضرائب لصالح الخزانة المركزية مؤثرين تحويلها الى خزائنهم الخاصة. مما حمل المتنبي على ترك مدينة الكوفة والانتقال منها الى بغداد ثم الرحيل عن بغداد والتطواف في كافة ارجاء الخلافة وأقطارها. فاذا به لا يجد في هذه الأقطار والأصقاع سوى ما كان قد فرّ منه في الكوفة وبغداد، بل وأسوأ مما كان يجري في الكوفة وبغداد. وقد عبّر عن هذا الوضع في إحدى قصائده قائلا في بعض أبياتها: بكل أرضٍ وطِئّتُها أُممٌ تُرعى بعيدٍ كأنها غنمُ يستخشنُ الخزّ حين يلمُسُه وكان يُبْرى بظفرهِ القلمُ فما هي النتيجة التي خلص اليها الدكتور طه حسين بعد دراسته التحليلية الطويلة المعمقة لعصر المتنبي وبداية انهيار الخلافة العباسية؟ في الصفحة السابعة والعشرين من كتابه »مع المتنبي« يقول: »... فالسلطان محتاج دائما الى المال. وهو يعتقد ان الرعية قادرة دائما على إرضاء حاجته الى هذا المال، والرعية سيئة الظن في السلطان لأنها ترى ظلمه وبطشه، كما ترى عجزه وعبثه بهذا المال الذي تدفعه اليه فلا تطيب نفسها عن شيء. لذلك تجهد في إظهار الفقر وإعلان الشكوى وإضمار البغض للحكم، وتجدّ في إخفاء ما تملك عنه. فالعداء إذن مستحكم بين الراعي والرعية. وكل يرى نفسه خصما للآخر وينتهز الفرصة ويتربص به الدوائر. وعبث أعوانه به يدفعه الى شيء آخر غير ظلم الرعية، يدفعه الى ظلم أعوانه أنفسهم. والأمر ليس مقصورا على هؤلاء فقط وإنما يتجاوزه الى أصحاب المناصب على اختلافها، فهم ايضا لا يتقاضون أجورهم بصورة منتظمة. لذلك فهم مدفوعون الى إساءة الظن بالسلطان، كما ان السلطان يجد نفسه مدفوعا الى إساءة الظن بهم. وهم مدفوعون الى شر من هذا، مدفوعون الى ان يأجروا أنفسهم على حساب الرعية، فيظلمون ويغصِبون، ويسرقون ويرتشون، والرعية ترى هذا كله وتتقيه ما استطاعت وقلما تستطيع فهي تنكر السلطان وأعوانه. وهي ايضا تريد ان تعيش، وان تعيش في لين ان وجدت الى ذلك سبيلا. والسلطان يضرب لها المثل وينصب لها القدوة. فما لها لا تظلمُ كما يظلم السلطان! وما لها لا تغصب كما يغصب السلطان! وإذن فقوام الأمر كله الظلم والغصب، وإفلات المرء بما يستطيع ان يفلت به من نعيم الحياة ولذاتها. ومن هنا يوجد الأغنياء الذين لا تُحصى ثروتهم، والفقراء الذين لا يتصوّر فقرهم، والمضطربون بين الغنى والفقر الذين قد يواتيهم الحظ فيبلغون أقصى النعيم، او تُخلفهم الأماني وعودَها فيهبطون إلى قرارة البؤس. وما أظن القارئ بحاجة الى ان أؤكد له ان هذه الصور التي أعرضها عليه ليست صورا من اختراع الخيال، او انني اؤلفها تأليفا، مؤثرا في هذا التأليف الغلو والإغراق. وانما هي صور متواضعة. أقل ما توصف به انها أيسر وأهون وأقل بشاعة وسماجة مما نقرأه في كتب التاريخ الذي يعرض علينا فساد السياسة والاقتصاد مفصّلا أقبح تفصيل وأشنعه، يعرضه علينا مكتوبا بالدم لا بالمداد...«. هذا الكلام عن مسيرة الدول والمجتمعات البشرية وإشكالية العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وان كان قد ورد عرضا في سياق الحديث عن عصر المتنبي، الا ان أهداف قائله ومراميه لا تخفى على القارئ. فهو كلام موجه أساسا، وبصورة غير مباشرة، الى ما كان سائدا في عهد الملك فاروق حيث كانت حكومات »الباشوات« ترهق ذوي الدخل المحدود بالضرائب والرسوم وبطرق عشوائية مرتجلة من اجل سد نفقات القصور الملكية والدائرين في فلكها واللاهثين على أعتابها من اجل الاستئثار بالمناصب الوزارية والادارية الرفيعة. كما ان هذا التحليل العميق لمسيرة المجتمعات البشرية يتعدى في مضمونه عهد فاروق ومباذله ليطال في بُعده النهائي جميع أنماط الحكم المشابهة لخط حكم فاروق. ولم يكذّب التاريخ استنتاجات الدكتور طه حسين وتوقعاته. اذ لم تكد تمرّ خمس عشرة سنة على صدور كتابه »مع المتنبي« حتى قامت ثورة »الضباط الأحرار« في مصر فأطاحت بفاروق وعرشه وحاشيته و»باشواته« وصادرت قصوره وأطيانه وباعت محتوياتها في المزادات العلنية... وما حدث في مصر عام 1952 لم يكن حدثا فريدا. فقد سبقته وتلته احداث وأحداث، ودائما لنفس الأسباب التي عددها الدكتور طه حسين: انعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم نتيجة إرهاق المواطنين بالضرائب والرسوم وعدم قدرة هؤلاء على تحمّل كل هذه الأعباء. بالاضافة الى عدم اطمئنانهم الى ان ما يدفعونه من كدهم وعرقهم سوف يعود عليهم بالنفع، وانما سوف يذهب معظمه الى جيوب الذين يحكمونهم ليزيد ثراؤهم ثراءً وبذخهم بذخاً ونهمهم نهماً وفجورهم فجوراً... وعندها يصبح المخرج الوحيد للخلاص من هذا الوضع انفجار الثورة وكتابة تاريخ جديد »بالدم لا بالمِداد« كما أشار الى ذلك أديبنا الكبير في نهاية تحليله لعصر المتنبي. فهذا ما حدث في فرنسا عام 1789 عندما أطاحت الثورة بعرش »البوربون« وبرأس لويس السادس عشر. وهذا ما حدث في روسيا القيصرية عام 1917 عندما نشبت »ثورة اوكتوبر« وأطاحت بعرش »آل رومانوف« وبرؤوس جميع أفراد العائلة القيصرية. وهذا ما حدث لعرش »آل عثمان« عام 1923 عندما أطاح أتاتورك بالسلطان وحيد الدين (محمد السادس) ونفى جميع أمراء وأميرات العائلة المالكة الى مختلف أنحاء أوروبا وآسيا. وهذا ما حدث في الصين عام 1949 بعد انتصار ثورة ماوتسي تونغ على حكم »الكومانتنغ« وزعيمه »شان كاي شك«. وهذا ما حدث في كوبا عام 1959 عندما أطاحت ثورة فيديل كاسترو بدكتاتورية باتيستا. وأخيرا هذا ما حدث في إيران عام 1979 عندما أطاح الإمام الخميني بعرش »آل بهلوي« منهيا بذلك حكما »شاهنشاهيا« دام أكثر من ألفي سنة بدءا بداريوس وانتهاء بالشاه الأخير محمد رضا بهلوي. وسوى ذلك كثير... فهل سيقرأ المسؤولون عندنا ما قاله الدكتور طه حسين؟ وهل إذا قرأوه سوف يتعظون بما ورد فيه قبل خراب البصرة؟! (*) سفير لبناني سابق.