As Safir Logo
المصدر:

مريد البرغوثي رأي رام الله صاغ المذاق الاول وتعددت الجسور

المؤلف: شبانة عمر التاريخ: 1998-03-12 رقم العدد:7944

اذا كان لكل شاعر غربته، اغترابه، فان للشاعر المنفي اغترابا مزدوجا او مضروبا بأعداد خرافية. وللشاعر (والفنان عموما) اغترابات ومناف كثيرة لا حصر لها، أقلها عمقا ربما الاغتراب عن الوطن والأهل، وأشدها وطأة الاغتراب عن الذات في سياق تحولاتها وتطورها غير المنطقي، هذا التطور مرتبط بظروف وخيارات مفروضة، حيث يجد الشاعر نفسه مضطرا لتذكر وفصل الاحوال والوقائع وفرز المراحل وتقسيم العمر الى »ما قبل« و»ما بعد«. وفي حال الشاعر المنفي الفلسطيني الحال التي لا تختلف عن احوال الشعراء المنفيين الآخرين، عربا كانوا أم من جنسيات العالم، سوى في السبب او في فاعل النفي (النافي/ الجلاد)، وتتشابه معها في كل ما تبقى تبدو الذات، ذات الشاعر في اقصى درجات العري والتمزق، ليس على صعيد الشكل والمظهر وحسب، بل على مستوى الأعماق البعيدة الغائرة أساسا. في مقطع من كتابه »رأيت رام الله« يجد الشاعر مريد البرغوثي ان حال الشتات والتمزق التي يعيشها الفلسطينيون تبلغ حد الفضيحة! فضيحة من؟ هو لا يقول. لكن »الكوكتيل من وثائق السفر« الاردنية والسورية والاميركية والجزائرية والبريطانية »ومن دولة بيليز ايضا« تحمل كلها أسماء تدل على انها من عائلة واحدة، »فالكل برغوثي« إضافة الى اميل حبيبي بجواز سفره »الاسرائيلي«.. هذه كلها تجمعت في لحظة عبور أصحابها الى جنيف من باريس، ما جعل الضابط الفرنسي يطلب شرحا لهذي الحال. وعندما بدأ احدهم يشرح له الامر قاطعة الضابط ضاحكا »لا أريد اي شرح! لا أريد ان أفهم.. وتمنى لنا مشوارا سعيدا في جنيف.. (و) قال احدهم: والله احنا فضيحة عن جد يا جماعة«. مؤكد ان هذه ليست سوى واحدة من فضائح اكبر وأشد مأسوية من هذه، الامر الذي يبرر كتاب »رأيت رام الله« في صورته التي تنطوي على تفاصيل »سيرة« تراوح بين الذات والجماعة، الأنا والنحن، والآخر الذي يظل في حدود (الهم) دون أية تفاصيل غالبا. يبدأ الشاعر سيرته من لحظة وقوفه على الجسر الذي يحمل أسماء عدة: فيروز تسميه جسر العودة، الأردنيون يسمونه جسر الملك حسين، السلطة الفلسطينية تسميه معبر الكرامة، عامة الناس وسائقو الباصات والتكسي يسمونه جسر اللنبي. امي وقبلها جدتي وأبي وامرأة عمي أم طلال يسمونه ببساطة: الجسر. لحظات اللقاء من لحظة عبور »الجسر« يتخذ الشاعر منطلقا للتأمل في »سيرة« اكثر من ثلاثين عاما تبدأ من مغادرته هذا »الجسر« متوجها الى القاهرة، وبدء اغترابه عنه في العام 1967، حيث ستكون هزيمة حزيران الشهيرة نقطة ارتكاز أساسية، لها ما قبلها وما بعدها. وسيكون ترحيل الشاعر عن القاهرة الذي »كان ترحيلا وقائيا ونتيجة وشاية... لفّقها زميل لنا في اتحاد الكتاب الفلسطينيين«، نقطة ارتكاز هامة في هذه ال»سيرة«، بل مفصلا اساسيا في حياة الشاعر. ثمة بالطبع نقاط ارتكاز اخرى، أقل اهمية ربما، وليست لها شخصية وهوية هاتين اللحظتين في السيرة. فمن لحظة الهزيمة بدأ الاغتراب عن الوطن وامتد ثلاثين عاما تقريبا ومن لحظة »الترحيل« ابتدأت رحلة الانفصال المتقطع عن رضوى زوجته وعن تميم الله الذي لم يكن بلغ شهرة الخامس. اما لحظة عبور الجسر وما يتلوها من لحظات اللقاء بالأرض وبالأهل وب»الوطن« غير المكتمل، الوطن الذي ما يزال محتلا، فهي لحظات ذات محتويات عاطفية سياسية ثقافية، تتداخل عناصرها وتتشابك فيما يشبه الزمن القابل لاحتواء الكوميديا والتراجيديا (الملهاة والمأساة) في زمن واحد. تنفتح ذاكرة الشاعر، راوي السيرة، على فضاءات التجربة الشخصية، كما على شيء من الذاكرة الشعبية في محطات ومراحل وتجارب يختلط فيها الحب بالحرب، الطفولة بالكهولة، واكثر ما يشد في السرد هو أسلوب في الربط والتأمل يجعل من أبسط الاشياء ومن أعظمها امرا جللا. فالشاعر/ الراوي، حتى وهو يهتف، بطريقة »وجدتها«، غير مرة، منذ العنوان ومرورا ب»انا في رام الله«، او »هنا رام الله«، يظل وفيا لقدر كبير من الهدف الذي نتوقعه في أي »سيرة«: تقديم تجربة شخصية او جماعية، في صيغة انسانية ذات امكانية جمالية. وهو وان كان يصرخ من الاضطهاد والوجع، يظل يرى الى الأمر في إطار ما يحدث على صعيد العالم من اضطهادات وجلد وتغريب! يظل حريصا على القول مثلا إن »تجربة الموجوعين العرب علمتني ان وجعي كفلسطيني هو جزء من كل. وتعلمت ان لا أبالغ فيه«. حنين مباشر ويحضر الشعر في صور عدة، حينا مباشرة عبر مقاطع من قصائد للشاعر، وحينا آخر في صورة ذكرى امسية ما خصوصا الأمسية التي قرأ فيها شعرا لأهل قريته، مسقط رأسه »دير غسانة«، حين كان الحضور من الشيوخ والأطفال و... كان هو أول شاعر يقف على ذلك المنبر المقام حديثا. ثمة لازمات تتكرر غير مرة في فضاء السيرة. لازمة الأخ الاكبر منيف، والأم التي تشبه انيتا جياكوسيتي كما تبدو في كتابة إيف بونفوا، فهي المركز، والحارس المتنبه الصامت »تصون تقاليد حياة بأكملها بمجرد وجودها فقط..«، ولازمة »الحياة تستعصي على التبسيط كما ترون!« التي تتكرر بعد كل حكاية لا تقبل التبسيط، ولازمة تأخذ صيغا مفادها انه »لا يوجد جمهور محايد« في الشعر و»لا يوجد جمهور بريء تماما« التي تشبه المسلمات. وكما في شعره، فهو في سيرته ايضا يكثر من استخدام الصور والأمثال الشعبية والدارجة، حتى انه يستدعي مثلا شعبيا مجريا (من المجر) قاله صديق مجري حول »طنجرة الملفوف التي يمكن تسخينها اذا بردت لكن مذاقها الأصلي لا يعود ابدا« في سياق تذكره كيف »ضاع المذاق الاصلي لتلك الأيام«، عندما يكون الحديث مقارنة بين الأمس واليوم او استذكارا لحادثة او حكاية او واقعة ما، وحيث الحياة »لا شغل لها الا إسقاط رومانسية البشر«. ان ذكريات الأحياء والموتى، الشهداء والأعداء، الضحايا والجلادين، الفرح والحزن، اللقاء بين ذكرى الزواج وعيد الميلاد وبين استشهاد احد الأصدقاء، الذكريات التي تحتل المساحة الأوسع، تاركة الهوامش للتأملات والأحلام المستقبلية، تشكل نسيجا روائيا تنقصه نية الكتابة الروائية، وتضفي عليه اللغة الشفافة شفافية الرؤية الشاعرية الى الأشياء. لكن الرؤية الواقعية لا تخلو من »لطخات« سياسية هنا وهناك. انه كتاب لما هو اكثر من السيرة، لكنه ليس كما يصفه خيري الشلبي مكتفيا بثلاث كلمات »بديع، عظيم، رائد« (الغلاف الاخير)، فهو أقرب الى ما قالته فريال غزول »عمل يحكي رحلة عذاب الفلسطيني ليحوّل هذه التجربة الى عمل انساني فذ. مريد البرغوثي يستدعي ذكرياته بحميمية، لكن دون رومانسية، ويستحضر الوطن بعاطفة مشبوبة، لكن دون مرارة«. عمر شبانه

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة