أيا تكن طلعات ونزلات العلاقة التي ربطت بين السودان والعالم العربي في الاعوام الثمانية الماضية، اي على امتداد حكم الرئيس عمر حسن البشير الذي جاء الى السلطة على ظهر دبابة وعلى حساب حكم كان يوصف بأنه »ديموقراطي منتخب« بزعامة رئيس الوزراء يومها الصادق المهدي، فالمناخ السياسي العام في الخرطوم حاليا يشير الى ان رياح الحرارة في هذه العلاقات تهب بقوة وتردد صداها، وان لم يكن بالحرارة نفسها في كل مكان، العواصم العربية الاخرى. ففي تلك الاعوام التي حفلت بسلسلة لا تنتهي من التطورات على الساحتين العربية والاسلامية، بما فيها اجتياح القوات العراقية للكويت ثم حرب الخليج الثانية وبدء مؤتمر مدريد لتسوية الصراع العربي الاسلامي وصولا الى اتفاقي اوسلو ووادي عربة، وما تخلل ذلك كله من أنشطة حركات اسلامية اعتمد بعضها الدعوة الفكرية وبعضها الآخر اسلوب اللجوء الى استخدام السلاح، كانت العلاقة بين النظام السوداني الذي أعلن »اسلاميته« منذ اللحظة الاولى لتسلمه السلطة وبين الدول العربية الاخرى تهتز كلما شهدت المنطقة حركة جديدة في تلك السلسلة الطويلة من التطورات. ذلك انه بعد عام فقط من »ثورة الانقاذ الوطني« التي قادها البشير في شهر حزيران من العام 1989، والتي اعلنت بسرعة انتماءها الى الفكر السياسي الذي ترفع لواءه »الجبهة القومية الاسلامية« بزعامة الداعية الاسلامي الشيخ الدكتور حسن الترابي، كانت القوات العراقية تعمد الى اجتياح دولة الكويت لتجد النظام السوداني يعلن بصراحة، وبقوة ظاهرة، وقوفه الى جانب العراق ويدافع مع كل من الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية واليمن يومها عن الحق العربي في مواجهة التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الاميركية لاجتياح المنطقة العربية كلها سياسيا وعسكريا واقتصاديا تحت ذريعة »تحرير الكويت« من احتلال القوات العراقية له. ومع ان »الجبهة القومية الاسلامية« لم تكن، حتى من قبل ان تتسلم »ثورة الانقاذ الوطني« السلطة في السودان، مقطوعة الصلة المباشرة بالسعودية التي تقع كما يقولون على »مرمى حجر« منها عبر البحر الاحمر، فان الاحداث التي ذرت قرنها في المنطقة كلها من ناحية وفي السودان تحديدا من ناحية اخرى جعلت مثل هذه الصلة حبلا مشدودا من طرفيه... وجاء انتقال من يطلق عليه »الافغاني«، وهو المواطن السعودي، اسامة بن لادن الى الخرطوم في السنوات القليلة الماضية ليعمل على زيادة اشتداد الحبل المشدود اصلا بين البلدين. الا ان الموقف السوداني المتعاطف اولا مع العراق في اجتياح الكويت، والمعارض ثانيا ل»التحالف الدولي« في حرب الخليج الثانية، كان »الشعرة التي قصمت ظهر البعير« في علاقاته مع دول الخليج العربية. ونتج عن ذلك تدهور كبير، ثم شبه انهيار، في هذه العلاقات وفي المقدمة منها مع المملكة العربية السعودية فضلا عن الكويت طبعا بعد ان كانت القوات العراقية قد توغلت حتى وصلت الى الحدود السعودية مباشرة وهددت علنا باجتياحها بدورها استكمالا لاحتلال الارضي الكويتية. اضافة الى ذلك، ادى موقف السودان اياه الى توتير علاقاته مع معظم الدول العربية التي اشتركت، بهذا الشكل او ذاك، في »التحالف الدولي« لإنهاء احتلال الكويت.. خصوصا ان السودان كان في ذلك الوقت يمد جسورا متينة، ومن فوق مياه الخليج ودوله العربية، الى طهران والنظام الاسلامي فيها. في هذا المناخ الجاف من العلاقات العربية العربية، وفي ظل تهمة »الارهاب« التي لحقت بالنظام السوداني كما لحقت بالحركات الاسلامية على امتداد المنطقة العربية والاسلامية من فلسطين الى الجزائر الى إيران الى لبنان الخ.. جاءت محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في اديس ابابا على ايدي افراد من »الجماعة الاسلامية« في مصر، واتهم السودان بإيوائهم مع قادة وأفراد آخرين من الجماعة، كما جاءت مشكلة الخلاف حول منطقة حلايب الحدودية بين مصر والسودان، لتضيفا حبلا مشدودا آخر الى سلسلة الحبال المشدودة بقوة في العلاقات السودانية مع العالمين العربي والاسلامي. واذا كان طبيعيا ان تلحق هذه الانهيارات في العلاقات اضرارا سياسية كبيرة في الجبهة العربية التي يفترض ان تكون موحدة في هذه المرحلة التاريخية الصعبة للامة العربية، وكذلك في الجبهة الاسلامية التي تتعرض بدورها الى حرب شرسة على مساحة الكرة الارضية كلها، فالطبيعي ايضا ان تكون هذه الاضرار اكبر وأقسى في السودان نفسه الذي يحتاج الى قوى العرب والمسلمين جميعا لمساعدته وشد أزره في الظروف القاسية، سياسيا واقتصاديا وماليا، وحتى عسكريا في حربه المستمرة منذ سنوات مع التمرد في الجنوب، التي يمر فيها. في ذات الوقت كانت الولايات المتحدة الاميركية تفرض طوقا من الحصار السياسي والاقتصادي على السودان، من قبل اجهزتها مباشرة وعبر المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووكالات الاغاثة الدولية، وتدرجه على لائحة الدول »الارهابية« برغم محاولات السودان لنفي التهمة عنه من خلال تسليمه »المناضل الثوري« حسب الوصف العربي، و»الارهابي« حسب الوصف الاميركي، كارلوس الى السلطات الفرنسية وبدء محاكمته فيها بسلسلة تهم تتصل بعمليات ثارت الشبه حول دوره فيها في الستينيات والسبعينيات. وعندما وجد السودان نفسه وسط هذا الحصار الغربي والاميركي، جنبا الى جنب مع ليبيا والعراق وإيران، وجد نفسه يزداد ارتباطا بالمعنيين النظري والعملي بهذه الدول. كذلك عندما رفضت حركة »حماس« و»الجهاد الاسلامي« في فلسطين اتفاق اوسلو واعلنتا الجهاد لإسقاطه، وعندما صعد »حزب الله« في لبنان مقاومته لقوات الاحتلال الاسرائيلية، وبدأ الصراع يشتد بين المنظمات الاسلامية في الجزائر والسلطة فيه، فان السودان وجد نفسه عمليا في قلب ذلك كله... وان يكن في حدود قدراته، وهي لا تعدو كونها قدرات سياسية. الآن، وعمليا منذ العام الماضي 1997، لم تعد علاقات السودان مع الدول العربية تعيش ذلك الجو من التأزم الذي تميزت به على امتداد الفترة السابقة، بنفس القدر الذي لم تعد فيه علاقاته مع الغرب عموما باستثناء الولايات المتحدة طبعا تقف عند حدود ترديد التهمة الاميركية له وللمسؤولين فيه ب»الإرهاب«. واذا كانت زيارة نائب رئيس الجمهورية السوداني السابق الزبير محمد صالح الى القاهرة، في الصيف الماضي، مؤشرا مهما على مرحلة جديدة من العلاقات بين قطري وادي النيل، مصر والسودان، فوصول وفد مصري رفيع برئاسة رئيس الوزراء كمال الجنزوري الى الخرطوم قبل اسبوعين للتعزية بوفاة الزبير في حادث تحطم طائرته، وبدء التحضير رسميا لزيارة يقوم بها البشير نفسه للقاهرة في الاسابيع المقبلة، يكفيان للقول ان ملفا ضخما من العلاقات المتأزمة بين الدولتين قد طوي الآن ليفتح ملف جديد. ولا يتحدث المسؤولون السودانيون، في لقاءاتهم الصحافية، عن الملف القديم ولا عن العوامل التي ادت الى تمزيق اوراقه وفتح صفحات جديدة في ملف جديد، الا ان الهتافات التي كانت تدوي في الخيمة الضخمة التي اقيمت في الباحة الخارجية لمبنى »قاعدة الصداقة« في الخرطوم لاستضافة اجتماعات »المؤتمر الوطني« عندما يذكر اسم مصر او وادي النيل، كانت تلفظ عمليا العبارات والكلمات التي لا ينطق بها هؤلاء المسؤولون. كذلك هو الأمر مع السعودية التي عادت العلاقات بينها وبين السودان، ومنذ فترة من الزمن، الى ما كانت عليه في الايام الاولى ل»ثورة الانقاذ الوطني« في الخرطوم، كما مع الامارات العربية المتحدة وقطر التي قام وزيران منها بزيارة العاصمة السودانية في الاسبوعين الماضيين للتعزية بالزبير من ناحية، وللاشتراك في معرض الخرطوم الدولي من ناحية ثانية. اما عن العلاقات مع سوريا، فيتحدث المسؤولون السودانيون عن ود دائم بينهم وبين المسؤولين السوريين وعن تعاون في مجالات عدة يأتي في مقدمتها تبني نظام التعليم في السودان عملية واساليب التعريب التي تطبقها سوريا خاصة في مجال العلوم والفيزياء والطب. وفي المجال السياسي، العربي والدولي، فان السودان يرى الموقف السوري في مواجهة الخطط الاميركية والاسرائيلية الموضوعة للمنطقة، موقفه هو من دون اي تحفظ. ولقد كانت القرارات الخاصة التي اصدرها »المؤتمر الوطني« السوداني، في بيانه الختامي، حول العراق وليبيا وإيران وسوريا ولبنان وفلسطين، في مواجهة الحصار الاميركي وضد الاحتلال الاسرائيلي ومن اجل الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، دليلا جديدا على طبيعة النظرة السودانية الرسمية والشعبية للوضع العام في المنطقة العربية الآن. * * * ما يبقى هو السؤال: ولكن ماذا عن المعارضة السودانية بتياراتها وأحزابها ووجوهها المتعددة، والمتواجدة في الدول العربية او التي تتنقل بينها من فترة الى اخرى؟! يقول السودانيون انهم يرحبون بإقامة هؤلاء، او بتنقلهم، في الدول العربية، كما انهم يرحبون بأي دور تقوم به اية دولة عربية او اية دولة اسلامية لإصلاح ذات البين السودانية، ولإقناع المعارضين بالعودة الى بلدهم والعمل من الداخل من اجل صالح الشعب السوداني وصالح العرب والمسلمين والأفارقة بدلا من ان يقيم هؤلاء في الخارج، وخصوصا في دول غير عربية كما هو الحال بالنسبة لزعيم حزب »الامة« الصادق المهدي ورئيس »الحزب الاتحادي الديموقراطي« محمد عثمان الميرغني وغيرهما ممن يقيمون في كينيا او اوغندا او اريتريا وينسقون مواقفهم مع الحرب المسلحة التي يشنها »الجيش الشعبي لتحرير السودان« بقيادة العقيد جون قرنق. ويقول السودانيون ايضا ان اقامة الرئيس السوداني الاسبق جعفر نميري في القاهرة منذ اقصائه عن السلطة في منتصف الثمانينيبات لم يكن في جوهره الا عونا للسودان في سعيه من اجل الاستقرار، ففيها لن يستطيع حتى لو أراد او حتى لو كانت له القدرة على التدخل ان يتدخل في شؤون السودان من الخارج. كذلك فان زيارة قرنق للقاهرة في العام الماضي ومحادثاته فيها لم تكن الا في صالح السودان والاستقرار فيه. ولم يختلف الامر عن ذلك بشيء عندما تنقل الصادق المهدي بين القاهرة والرياض وابو ظبي ودمشق، او عندما أقام امين عام »الحزب الاتحادي الديموقراطي« الشريف زين العابدين الهندي في العاصمة المصرية لسنوات ثم عاد منها مباشرة الى الخرطوم للمشاركة في »المؤتمر الوطني« وانتخابه في الدورة الاخيرة نائبا لرئيس المؤتمر. اكثر من ذلك، يقول السودانيون انهم سيرسلون مبعوثين خاصين الى الخارج من اجل الاتصال بالمعارضين تمهيدا لبدء حوار صريح وجدي معهم حول الدستور الجديد للبلاد، وحول مستقبل العمل السياسي في السودان، وانهم يعلقون آمالا كبيرة في ان تكون علاقات السودان المتجددة مع الدول العربية خطوة على طريق الاستقرار في داخل السودان ايضا. * * * ولكن: الى أين من هنا؟!. لم تكن العلاقات العربية العربية في يوم سوى علاقات هشة ترتفع في لحظة الى الذروة ثم تهبط في لحظة اخرى الى الحضيض، من دون اي تفسير استراتيجي او حتى منطقي، سواء للارتفاع المفاجئ او للهبوط المفاجئ. والعلاقات السودانية المستجدة مع العالم العربي لن تكون استثناء في حال، لا في الماضي القريب ولا في المرحلة الحالية، ولا طبعا في الايام المقبلة. الا ان هذا هو الوضع الآن، كما يبدو على السطح على الاقل.