مع إطلالة على بعض افكار ياسين الحافظ، تبدأ سلسلة »رحلة في العقل العربي« نشر نوع من »حوار الغائب« وهو عبارة عن استعادة لبعض الافكار الاساسية التي لا تزال ملائمة لزماننا وقادرة على المساهمة في تفكير مستقبلنا، وهي افكار صاغها على مدى العقود الاخيرة من السنين مفكرون عرب رحلوا باكرا عن عالمنا، وكان من شأن سلسلتنا ان تتوجه إليهم بأسئلتها، لو انهم لا يزالون على قيد الحياة. ومن هنا، بسبب حداثة تفكيرهم، وياسين الحافظ في مقدمتهم، لأنهم كانوا من الذين تنبهوا باكرا الى المآزق التي تجابه الانسان العربي والوعي وعملية البناء الفكري لمستقبل الامة، لم يكن ممكنا بالنسبة إلينا ان تخلو رحلتنا مع العقل العربي من طرح اسئلتنا عليهم. بعد ياسين الحافظ سيكون هناك آخرون يأتون في الوقت المناسب لرفد حركية الفكر العربي بما عندهم. وما عندهم تستقيه في عملية اختيار مدروسة، من مجمل كتبهم وأفكارهم. ياسين الحافظ من أبرز المفكرين العرب السوريين، ساهم بشكل اساسي في دراسة الواقع العربي وحركته الثورية، وكان من اوائل الذين حاولوا المزاوجة بين الفكر الماركسي الواعي والمتقدم وبين حركة التقدم القومية العربية كما عبر عنها الفكر والممارسة الناصريان بشكل اساسي. وضع الحافظ، قبل رحيله المبكر اواخر سنوات السبعين، العديد من الكتب والدراسات التي جمعت في دمشق مؤخرا عن دار الحداثة في خمسة اجزاء ضمت كتبه المعروفة ومن ابرزها »حول بعض قضايا الثورة العربية« و»الهزيمة والايديولوجيا المهزومة« و»اللاعقلانية في السياسة العربية« و»التجربة التاريخية الفيتنامية« كما ضمت دراسات ومقالات لم تنشر قبل الآن في كتب، والى مجموعة الاعمال الكاملة هذه استندنا في هذه المختارات التي نفترض انها تحمل بعض إجابات ياسين الحافظ الثاقبة الى تساؤلات مرحلتنا الراهنة الاساسية. البناء من فوق والبناء من تحت { سأبدأ هنا بإعطاء مثل واضح، لقد حقق النظام الناصري في عصره الذهبي تغييراً كبيراً في البنيان الاقتصادي لكنه لم يستطع ان يصنع ثورة اشتراكية، لأنه عجز عن تحطيم البنى الاجتماعية والايديولوجية للمجتمع التقليدي. وفشله في هذا الميدان هو الذي جر الى تعثره وفشله النسبي في الميدان الاقتصادي، لان تحطيم بنى المجتمع التقليدي يشكل العلة التي تنسف اسوار التخلف. لقد انهار الاقطاع في القطر المصري على الصعيد الاقتصادي، ولكن القيم الايديولوجية للاقطاع ما تزال موجودة وقوية، وأطر وبنى المجتمع التقليدي، التي تتميز بضرب من التصلب والتسلسل وعدم المساواة الاجتماعية الرهيبة وعيش الانسان بدلالة الماضي، ما تزال تثقل الشعب المصري والشعب العربي عموما (...) ها هنا المعضلة، ومن هنا يبدأ الحل ايضا، ولكنه حل ثوري اولا وسياسي ثانيا. ان القول بأن حل مشكلة التخلف يبدأ من تدمير بنى المجتمع التقليدية ليس اجتهادا نظريا، بل حقيقة عيانية أثبتتها التجارب الاشتراكية العلمية الآسيوية. لقد أثبتت هذه الممارسة انه ما ان تصبح الهياكل التقليدية للمجتمع ركاما حتى تغدو عملية التقدم مجرد مسألة وقت وحسب. بل اكثر من ذلك فإن التقدم التكنولوجي سرعان ما يغذي البنى الثقافية الايديولوجية، ويأخذ معنى جديدا مختلفا عن تقدم تقني مفترض ومزعوم ينبت في دغل المجتمع القديم. ان الانعتاق من اطر المجتمع التقليدي يحول الانسان من مجرد كائن حي يعتبر العالم أمرا قائما معطى يعانيه ويتكيف معه، يخضع للطبيعة ويرضى بها كما هي، الى انسان يعمل للهيمنة على العالم وعلى الطبيعة، ويجهد لتغييرها وتحسين ظروفه عبر هذا التغيير. الانعتاق من اطر المجتمع التقليدي يحول الانسان من مجرد كائن حي يعيش بدلالة الماضي وطراز الحياة التي تقدمها له العادات والاعراف الصلبة الموروثة، الى انسان يعيش بدلالة المستقبل، انسان يتأهل دوما لإحلال الجديد محل القديم. ان التكنولوجيا والتصنيع اذ تنتقد جذرها الثقافي والايديولوجي وتربتها الانسانية، اذا تسللت الى المجتمعات التقليدية، تبقى مجرد قشرة لاصقة على سطح المجتمع، مما يحول دون اندياحها، فتصبح لطخة على جسم المجتمع، مجرد رقعة جديدة على ثوب قديم. دور أساسي لفكر ديني متطور { على صعيد الفكر الديني، وهو جزء من عملية تحديث الفكر العربي عموما، يمكن عمل الشيء الكثير لجعله مستقبليا، عمل يساهم في توجيهه نحو حل مشكلات الانسان العربي الراهنة والمستقبلية ويحافظ في الوقت نفسه على القيم والمثل الدينية. ان عمل تركيبة توليفية بين القيم الدينية والمفاهيم العصرية والقومية ليس امرا ممكنا فحسب، بل ضروريا ايضا. ومن هنا فإن مهمة عظيمة تنتظر هؤلاء المثقفين المؤمنين المسلمين والمستوعبين التراث الاسلامي والمتمثلين ثقافة ومناهج العصر الحديث: تحديث الفكر الاسلامي وجعله مستقبليا. { لماذا ترانا، في الوطن العربي، لم نمارس، بعد، السياسة على الصعيد الداخلي؟ وعلى الصعيد الخارجي؟ لماذا نفتقر الى سياسة عقلانية، اي الى سياسة تلبي، موضوعيا، المصلحة القومية؟ وبالتالي لماذا لم نستطع ان نبني حتى الآن الدولة العصرية؟ لماذا ما زال الطابع التقليدي غالبا، بهذه النسبة او تلك، على تكوين الدولة العربية برغم تنوع أغلفتها الخارجية واختلاف اتجاهاتها السياسية والاجتماعية؟ للاجابة على هذا السؤال، من المناسب بادئ ذي بدء ان ننوه بالرواسب التاريخية التي تسهم في عرقلة تحديث الدولة العربية والسياسة العربية. فالايديولوجيا التقليدية السائدة في المجتمع العربي، والسائدة بخاصة لدى الكتلة الاكبر من الامة، الكتلة الراقية. فضلا عن المرأة، ما تزال ترى الى السياسة بوصفها شأنا من شؤون الحاكم، وهذا الحاكم وان لم يعد، في نظرها، ظل الله على الارض إلا انه يبقى المرجع الذي أوكل إليه الامر والحكم. والحال ان الديموقراطية الحديثة، كتصور لعلاقة اجتماعية يكون بموجبها كل فرد من المجتمع عضوا في الدولة ومسؤولا عنها، مغايرة لهذه الرؤية، فبالتالي فإن الاولى ما زالت بعيدة عن ايديولوجيا ومنظورات تلك الكتلة الساحقة من مجتمعنا العربي بل ما تزال بعيدة الى هذا الحد او ذاك حتى عن جماعات تعتبر نفسها طليعية وعصرية. فضلا عن ذلك فإن الرواسب او البنى ما قبل القومية، كالعشائرية والطائفية والقبلية والعائلية، رواسب عرقلت اندماج الامة القومي، ما تزال قوية وتزحم عملية تكون رأي عام فاعل من جهة، وعلى وعي مناسب من جهة اخرى. لا شك في ان تقدما ما قد أحرز في طريق بناء مقدمة وارضية لديموقراطية حديثة، لكن بقدر ما يزال قاصرا جدا، غير كاف البتة لإرساء اساس لديموقراطية حديثة. وما يجعل هذه الرواسب أشد كؤدا هو كون الكتلة الرئيسية من الانتلجنسيا العربية محافظة بالاحرى، ولا تملك وعيا مطابقا لحاجات تغيير الواقع العربي باتجاه المعاصرة. الديموقراطية وعقلنة السياسة { اذا كانت الدولة الحديثة (البورجوازية) قد انبثقت مع، وبموازاة، حركة عقلنة الحضارة الحديثة (ماكس فيبر)، واذا كانت عملية عقلنة السياسة قد سارت، اجمالا، متواكبة هنا ومتقدمة هنا مع/ وعلى عقلنة بنى المجتمع الاخرى، يصبح تأثير السياسات العربية امرا مفهوما (ولكن ليس مبررا تماما) ويبقى علينا لتجاوز ذلك، ان نكتشف لم استطاعت شعوب اخرى متأخرة إعداد مقدمة سياسية وايديولوجية للتحديث ولم نستطع نحن ذلك. لكن تأملا أعمق للسياسات العربية، او للبنية السياسية العربية يدفع الى مرارة اشد، البنية السياسية اشد تأخرا من سائر بنى المجتمع الاخرى. والمثال اللبناني، وهو ليس الوحيد ولا الحالة القصوى، يقدم عينة على هذه الحقيقة الواقعة. الحزب الواحد والنضال الشعبي { يعيش العالم، الآن، في تناقض جديد على مستوى دولي. وهذا الواقع ضاعف من تعقيد التناقضات القائمة بين الجماهير الكادحة المستغَلة، وبين الطبقات المستغلة. ان ثلثي الكرة الارضية يعيش في حالة تخلف مزرية، اما الثلث الآخر فيعيش في بحبوحة مطردة النمو والتزايد (...). والحال ان مشاكل التطوير الاقتصادي قد أثارت في بعض الدول المتخلفة (التي يتضمن سير تطورها عنصرا ايجابيا متقدما، ولكن دون ان تكون حركة الجماهير قد بلغت درجة عالية وكافية من النضج) مشاكل سياسية ما تزال تنتظر الحل، وتلقي بظلالها السلبية على التطور الاقتصادي نفسه. ففي هذه البلدان لم تتوفر الشروط الملائمة لتركيز أسس موضوعية لقيام ديموقراطية على النسق البورجوازي الغربي، وفي الوقت نفسه فإن التطور الاقتصادي بحاجة الى ضرب من الثبات النسبي والتمركز في السلطة. وعلى هذا الحيز العنيف، او بتعبير آخر، على هذا الجدار الذي تسير فيه حركة التطور انزلقت تلك السلطات الى ضرب من الوصاية على الجماهير، تشل تحركها وتمنع امكانيات نضجها، وتحد انطلاقها الحر المبدع. وهذه الوصاية تستهدف تسوية الرأي العام الشعبي، اما بالاقناع الديماغوجي دون الدخول في عملية تفاعل حميمية حرة مع الجماهير، او بالقوة والارهاب. هذه الوصاية قد ينفذها زعيم شعبي، وقد ينفذها الحزب الواحد حيث الظروف الموضوعية لم تكن قد نضجت لانبثاق سلطة ذات مضمون ديموقراطي واشتراكي عبر هذا النظام. لقد أكدت التجارب ان اسطورة الزعيم في البلدان المتخلفة بشكل خاص، تعكس بالضرورة وجود فراغ في تنظيم الجماهير ونقص في وعيها، كما ان هذه الاسطورة أصبحت بالتالي وفي اغلب الاحيان وسيلة لاستمرار وتثبيت هذا الفراغ. كما أكدت التجارب ان نظام الحزب الواحد، اذا لم يأت عبر انبثاق طبيعي للنضال الشعبي، اذا لم يأت حصيلة لنمو طبيعي ديموقراطي في حركة الجماهير، اذا لم يستمر الحزب الواحد بعد استلام السلطة في اقامة صلات ديموقراطية مع الجماهير اذا لم تتوفر هذه الظروف مجتمعة لا بد ان ينحط حكم الحزب الواحد الى حكم عصابة تمارس الطغيان على الجماهير، ويتحول اما الى دكتاتورية البورجوازية الصغيرة، او الى دكتاتورية البيروقراطية. إيصال النضال الشعبي إلى نهايته { بالنسبة الى شعبنا العربي، تعرف ان هذا الشعب قد نجح في تصفية الاحتلال العسكري الاستعماري المباشر، وأفلت ايضا من طوق الاحلاف العسكرية والاتفاقات السياسية التي تكرس التبعية بصورة رسمية. إلا ان نجاحات النضال العربي بقيت في حدود دفاعية سلبية، ولم يستطع النضال العربي، حتى الآن، تصفية المصالح الاساسية للاستعمار الدولي عامة والاميركي خاصة. فالاحتكارات البترولية ما تزال تنهب ثروات الشعب العربي، والنفوذ المعنوي والسياسي للولايات المتحدة ما يزال ماثلا للعيان، يلف بدرجات متفاوتة الوطن العربي بمجمله. ان النضال العربي ضد الامبريالية لن يأخذ شكله الجذري ما لم يتخذ شكلا هجوميا. ولكي يأخذ النضال العربي هذا الطابع، ينبغي ان يكسب أبعادا جديدة شاقة وطويلة. ان الاستقلال السياسي الذي تقوده قوى وسيطة، لن يستطع توفير الظروف الموضوعية لوقف تسلل الاستعمار الجديد، كما ان متابعة الحركة ضد الامبريالية حتى نهايتها الجذرية يفترض ترتيبا جديدا وفرزا مبدئيا للقوى الطبقية، بحيث تصبح جبهة الكفاح ضد الامبريالية متينة متراصة. لكي تصعد بالنضال الشعبي نحو نهايته الحاسمة. لقد تحقق الاستقلال السياسي في معظم البلدان العربية، في وقت كانت فيه الحركة العربية الوطنية تحت قيادة الارستقراطية البورجوازية، لقد تحقق الاستقلال السياسي للاقطار العربية قبل ان يبلغ النهوض الثوري للجماهير الشعبية المدى الذي يتجاوز الاستقلال السياسي الى ما هو ابعد مرمى واوسع افقا، اي الى الثورة التي تحقق انقلابا جذريا في البنى التقليدية للمجتمع، الثورة التي لا ترى في الاستقلال السياسي سوى الجسر الذي ينقل الشعب الى مجتمع اشتراكي عصري جديد. فالقيادات التقليدية للحركة الوطنية، بسبب تركيبها الطبقي، دفعت بالحركة الوطنية في طريق المساومة والتسوية واعتبرت الاستقلال السياسي خاتمة المطاف، تستطيع ان ترث بواسطته بعض مواقع الاستعمار، وتحقق ضربا من التوفيق بين المطامح الوطنية للجماهير وبين مصالح الاستعمار ومصالحها الطبقية في نفس الوقت. ولهذا السبب فإن تلك القيادات قد حالت دائما دون إعطاء النضال الوطني أبعاده الثورية، وذلك بإبقاء الريف، وجماهير الفلاحين بالتالي، بمعزل عن حركة الكفاح ضد الاستعمار. وهكذا استطاعت القيادات التقليدية ان تحصر النضال الوطني في أبعاد سياسية محضة وان تفرغه من مضمونه الاجتماعي وان تحوله بالنهاية الى مجرد نضال سياسي وطني ضد الاستعمار، بدلا من ان يسير في طريقه الطبيعي... الديموقراطي الى نضال ضد قواعد الاستعمار في الداخل، اي ضد الاقطاعية ايضا. قضية فلسطين أمام الطرح الصحيح { لقد أثبتت تطورات الاحداث، منذ الهزيمة وحتى اليوم، ان قضية فلسطين لم تطرح في أبعادها الحقيقية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من قضية الشعب العربي العامة، بل استخدمت بأساليب ديماغوجية لصرف الشعب العربي عن ثورته الحقيقية. ان معركة الشعب العربي في فلسطين هي معركة شعب لشعب، يأتي الحل العسكري فيها كمجرد معركة شاقة وطويلة ومعقدة على مختلف الجبهات. ان الحل العسكري يصبح حلا ناجحا عندما يأتي تتويجا لتفوق عربي شامل وساحق. هذا التفوق سيوفره النضال الوحدوي والاشتراكي، ستوفره نهضة عربية شاملة وعميقة تصفي التجزئة وجميع اشكال التخلف ورواسبه من حياة الشعب العربي (...) ان الواقعية الثورية هي وحدها الطريق الى تحرير فلسطين. لذا ينبغي النضال على جبهتين معا: ضد الواقعية الاستسلامية وضد الثرثرة المقامرة. كلتاهما معا تدفعان بالقضية الى الموت البطيء او الانتحار. ان الموقف العربي الراهن تجاه اسرائيل موقف دفاعي وتراجعي الى حد ما. اما الانتقال الى الموقف الهجومي فلا يتم بالجعجعة او الهيجانات المراهقة، ولكن بتوفير ظروفه الموضوعية. لهذا فإن استلهام هدفي الثورة العربية الاساسيين: الوحدة والاشتراكية (والتنمية بالتالي) يفتح الطريق لتوفير الظروف الموضوعية للانتقال الى استراتيجية هجومية. ولكن النضال في سبيل هذا الانتقال ينبغي ألا يتوقف بانتظار تحقيق هذين الهدفين، لان معركة فلسطين معركة دائمة مستمرة، يمكن ان تبدأ بزعزعة كيان اسرائيل وانفقادها استقرارها وأمنها، الى ان تنتهي بتداعي كيانها العدواني المصطنع. ليس صحيحا تماما وليس حتميا ان كيان اسرائيل يمكن، او يحب، ان يهوي دفعة واحدة. مطالب إسرائيل الأبدية الأزلية { إن مطالب اسرائيل لا تزال هي هي، سواء قبل حرب تشرين ام بعدها. ويمكن تلخيصها كالآتي: أ المطالب الاقليمية، وتتعلق بضم أراض او مدن عربية إلى دولة اسرائيل (الجولان، القدس، شرم الشيخ ! تعديلات ملحوظة في حدود الضفة الغربية مع إسرائيل). ب المطالب الامنية، وتتعلق بما تسميه اسرائيل »الحدود الآمنة«: الإبقاء على المستعمرات الاسرائيلية الامنية (ذات الطابع العسكري) المقامة على حزام من هضبة الجولان مرورا بوادي الأردن وصولا الى قطاع غزة، وكذلك إبقاء مهمة الحفاظ على الأمن في الضفة الغربية من صلاحية اسرائيل، او، على الاقل، تجريدها من السلاح نهائيا، فضلا عن تجريد سينا، من السلاح. ج مطالب المدى الحيوي الاسرائيلي في الوطن العربي وتركز، اساسا، في الابقاء (حتى اذا اضطرت اسرائيل الى الانسحاب) على جسور مفتوحة بين الاقتصاد الاسرائيلي واقتصاد الضفة الغربية وغزة. بخاصة، جسور تتيح للأول الاستفادة من الطابع المتخلف للثاني وجعله قناة اتصال بين الاقتصاد الاسرائيلي والاقتصادات العربية. يضاف الى ذلك ترتيب وضع دولي خاص بشرم الشيخ وضمان حرية الملاحة في خليج العقبة وقناة السويس. د سلسلة مطالب تتعلق بالاعتراف السياسي وجعل مجمل العلاقات بين اسرائيل والوطن العربي، سوية، شأن علاقاته مع الدول الاخرى. هذه الوقائع تبين ان مكاسب اسرائيل الفعلية التي حققتها في حرب حزيران، لم تمس، كما ان مواقفها ومطالبها المعلنة لم تتغير. فالحصيلة الاخيرة لميزان القوى العربي الاسرائيلي، ونفي ميزان القوى بعنصريه السياسي والعسكري، بعيدة عن ان تتيح ليس فقط تصفية آثار العدوان، بل ايضا تحقيق انسحاب اسرائيلي تام عن الاراضي العربية المحتلة، لقاء تنازلات سياسية من الجانب العربي. وماذا عن الوحدة العربية { وماذا، اخيرا، بشأن الوحدة العربية، هل هي حتمية تاريخية؟ اكثر من فريق يرفض هذه الأطروحة من حيث الأساس ويعتبر الوحدة اسطورة تتبدد امام صلابة الواقع الاقليمي الانعزالي. واكثر من فريق يقبل هذه الأطروحة او ينادي بها. الايديولوجيا القومية العربية في كل تلاوينها تنادي بذلك، وثمة ماركسية عربية اقتصادوية تقبل، احيانا، بذلك. الايديولوجيا القومية العربية التقليدية تعقل قضية الوحدة العربية على هذا النحو: نحن العرب نشكل امة واحدة، يجمعنا تاريخ طويل، تربطنا لغة واحدة، نعاني آلاما واحدة، تحركنا آمال واحدة، ينتظرنا مصير مشترك. وما التجزئة سوى صنيع الاستعمار. ما دام الأمر كذلك، فمن الطبيعي، بل من الحتمي، مهما راوغ القدر، ان يؤطرنا، بعد زوال الاستعمار ورواسبه، كيان سياسي واحد. منطق واضح، بسيط، يشكل ضربا من تنظير لموقف الجماهير العربية العفوي. لنقل ان مقدمة هذه الأطروحة صحيحة، وهي كذلك بمعنى ما فقط، (بمعنى ان الامة العربية تتوفر على وحدة لا شك فيها، لكن ثمة تخلخلا ونقصا في اندماجها بحيث لا ترقى وحدة الشعب القومية هذه، الى مستوى وحدة أمة من الطراز الحديث، أي أمة شهدت تطورا رأسماليا مركزيا. ولعل هذا الواقع يشكل احدى الفجوات الرئيسية التي يعيشش فيها النزوع الاقليمي) الا ان التطور التاريخي للشعوب الحديثة، برغم انه كان يدفع بشكل عام الى تكون دول على أساس قومي، الا ان هذا النزوع ليس شاملا ولا حتميا. فمن الممكن لأمة واحدة ان تبني دولة واحدة، ومن الممكن الا تبني ايضا. فبناء دولة تؤطر أمة واحدة يتوقف مع جملة عوامل اخرى على وعي هذه الامة ضرورة وحدتها. فالحتمية الوحدوية انما تنبع، اذا لم تواجه بعرقلات اخرى، من وعي اجزاء الأمة ضرورة وفائدة الوحدة، فضلا عن الإرادة. هذا من جهة، ومن جهة اخرى، فإن نزع الاستعمار الذي لم يرافقه صعود منهجي للمشروع الوحدوي، قد طرح على الأيديولوجية العربية التقليدية إشكالات لم تخطر على البال، وبالتالي لم تحلها. ان هذه الأيديولوجية لم تر، بسبب من نظرتها اللاتاريخية، لا الجذور التاريخية السابقة للفخ الاستعماري لبعض الكيانات الاقليمية الكبيرة او المميزة، ولا مفاعيل الهيمنة الامبريالية وقوانين عملها في الوطن العربي. ان الكيانات الاقليمية القائمة ليست فقط متباينة او متفاوتة من حيث حجمها واكتفائها الكياني، بل من حيث درجة اصطناعيتها. وهذا التفاوت في درجة الاصطناع قد يرقى الى درجة إعطاء كيان ما (مصر مثلا، او المغرب) صفة كيان يكون شبه وحدة قائمة في ذاتها، وقد يهبط الى درجة اعطاء كيان آخر (الأردن، مثلا، او الكويت) صفة خالصة الاصطناع بحيث لم يكن ممكنا ان يكون له وجود لولا مسطرة الاستعمار المجزئة. والكيانات الاقليمية او المميزة لم تقم اصلا على بيئة جغرافية وحسب (وادي النيل في الصحراء) بل قد تغذيها ثغرات تاريخية من الانعزال او التفرد عن باقي اجزاء الوطن العربي الاخرى، كما تفعل فيها ايضا اعتبارات قومية اخرى (وجود اقوام غير عربية) او اعتبارات ايديولوجية (اقليات دينية عربية) تجعلها تؤثر الاقليمية على الوحدة. من هنا فإن الكيانات الاقليمية الكبرى او المميزة قد تفرز، في ظروف هزيمة او في ظروف تأخر شديد في الوعي، ايديولوجيا اقليمية، صريحة او ضمنية نجدها حتى في قرارات جماعات تقول انها ارتفعت الى مرتبة الوعي الوحدوي. الوحدة: من صاحب المصلحة فيها؟ { لقد أثبتت تجارب النضال العربي ان احتمالات سلبية تترصد دوما كفاحا معاديا للاستعمار لا يستلهم افقا وحدويا. وتتمثل هذه الاحتمالات بتجويف النضال العربي المعادي للاستعمار وإفراغه من فاعليته وجدواه على الصعيد الواقعي. وقد تحوله وتلك أسوأ الحالات الى مجرد صراخ قد يغطي لقاء موضوعيا مع مخططات القوى الامبريالية... في تيار الوحدة العريض، يناضل العمال والفلاحون، جنبا الى جنب وفي خندق واحد، تحت القيادة السياسية والايديولوجية للبورجوازية الصغيرة. ان الطبقة العاملة العربية لم تميز بعد نفسها في معركة الوحدة، ولم تستطع وضع الأسس الطبقية لنضالها الوحدوي وتوضيح أبعاده الاشتراكية والديموقراطية. وهذا هو احد الاسباب التي تجعل الوحدة الممكنة القادمة وحدة ذات إطار بورجوازي صغير محض. ان التوحيد بين أفق النضال الوحدوي والنضال الاشتراكي يمكن ان يتم من خلال حركة ثورية اشتراكية تمثل مصالح الطبقة العاملة. ان الظروف الموضوعية لمثل هذا التوحيد لم تنضج بعد. هذه الحقيقة ينبغي الا تدفع بالطبقة العاملة الى مقاومة النضال الوحدوي الذي تقوده البورجوازية الصغيرة... ولا الى الهرب منه، لان الوحدة البورجوازية الصغيرة ما تزال تقدمية نسبيا. ان نضال الطبقة العاملة الوحدوي ينبغي ان ينصرف الى إعطائه مضمونا طبقيا: النضال في سبيل ترسيخ المحتوى الديموقراطي لوحدة ذات مضمون بورجوازي صغير وكشف طابعها الطبقي من جهة، والنضال في سبيل تحقيق قيادة الطبقة العاملة للنضال الوحدوي من جهة اخرى. وهذا يعني دفع النضال الوحدوي الى أمام والى يسار في الوقت نفسه. والقوى التقدمية المعادية للامبريالية في الوطن العربي مدعوة لبناء استراتيجيتها في النضال ضد الامبريالية وفي النضال الوحدوي على أساس التحالف مع الجمهورية العربية المتحدة. ان اي تناقض قد تخلقه او تفرضه هذه الجبهة او تلك، يجب ان يبقى تناقضا ثانويا، لا يجوز ان يمس في حال من الأحوال التحالف الاستراتيجي. ان الاستعمار الأنكلو أميركي هو العدو الأول والأساسي للشعب العربي، لذا فإن الكفاح ضد الامبريالية ما يزال المهمة الأساسية الاولى التي تواجه الثورة العربية. ان كفاحا مبدئيا وجذريا هجوميا ضد الامبريالية يقتضي توفير شروط عدة: أ تنمية حركة الجماهير وتنظيمها. ب تضامن جميع القوى العربية القادرة على النهوض بدور ايجابي في الكفاح ضد الامبريالية. ج صب حركة الجماهير المعادية للامبريالية في مجار وحدوية. د توثيق عرى التحالف المبدئي مع جميع القوى المعادية للامبريالية في العالم (...).