إذا كانت التنظيمات المسلحة التابعة مباشرة لجبهة الانقاذ معروفة جيدا عددا وعدة، كما هو الحال مع الجيش الاسلامي للانقاذ، واذا كانت بعض الروابط وجماعات العمل المسلح الاخرى مرتبطة بصورة غير مباشرة مع التيار الانقاذي، كما هو الحال مع تنظيمات الجزأرة مثل »الفدا«، فإن الامور تزداد تعقيدا وغموضا عندما يتعلق الامر ببقية الجماعات المنتشرة في الساحة الجزائرية والتي يقودها عدد ضخم من الامراء الذين لا تعرف من اين خرجوا ولا الى اين هم ذاهبون. وسوف نقصر حديثنا هنا على مَن يُعرّفون أنفسهم باسم »الجماعة الاسلامية المسلحة«، ومَن يُطلق عليهم البعض لقب »الافغان الجزائريين«. من الحركة... إلى الجماعة.. أول ما عُرف في الجزائر تحت يافظة »الحركة الاسلامية المسلحة« كان التنظيم السري الذي أسّسه وقاده مصطفى بويعلى بين عامي 1982 و1985، حين تمكنت قوات الامن من القضاء على اعضاء التنظيم بوشاية من بعض الاطراف الاسلامية كما يُقال. كان ذلك في عهد الرئيس الاسبق الشاذلي بن جديد. ولم تعد بقايا الحركة الى الظهور الا في مطلع التسعينات حين اكتسح التيار الاسلامي الانتخابات البلدية وواصل صعوده نحو السلطة حتى كان تدخل الجيش مطلع العام 1992 وما تلا ذلك من احداث. وقد برز في ذلك الوقت اسمان هما عبد القادر شبوطي ومنصور ملياني. فقد عمل الرجلان خلال الصدامات العنيفة بين الجيش والحركة الاسلامية خلال اضراب حزيران تموز 1991 على تأطير جماعات الشباب. فتشكلت مجموعات صغيرة سريعة الحركة لا يتجاوز عدد افراد الواحدة 20 عنصراً. وكان على رأس كل جماعة »أمير« و»نائب أمير«. واقتصر عمل هذه المجموعات في بادئ الامر على مهمات تحضير واعداد لعمل اوسع وأكبر. فكانت تجمع التبرعات من الأحياء، وترصد المخابئ، وتسرق السيارات، وتجمع ما توفر لها من قطع سلاح. رافق ذلك نشاط سياسي تمثّل بإقدام عبد القادر شبوطي ومنصور ملياني و15 من رفاقهما القدامى على تقديم لائحة مطالب للدولة من ضمنها تخصيص مساعدات لأرامل شهداء جماعة بويعلي، وعلى اتخاذ مواقف صارمة تجاه قيادة الانقاذ المتمثلة بعباسي مدني، كرفض مهادنة النظام، ورفض العمل الحزبي من داخل مؤسسات الدولة. وكانت تلك هي الشرارة الأولى التي أطلقت حركة العمل المسلح المعادي للدولة مع المحافظة شكليا على اللحمة الداخلية للجبهة في ذلك الوقت. ولعل الحادثة التي شكلت فاصلا تاريخيا ونوعيا بين العمل السياسي والعمل العسكري كانت تلك التي عُرفت بعملية »قمّار«، حين اقتحمت مجموعة مسلحة بين افرادها احد الأطباء ثكنة عسكرية تقع على بعد 45 كلم شمال غرب مدينة الواد جنوب البلاد. كان ذلك في 28 تشرين الثاني نوفمبر من عام 1991 اي قبل الدورة الاولى من الانتخابات التشريعية التي فازت فيها جبهة الانقاذ. لكن الرسالة كانت واضحة المغزى. فهناك فريق عسكري في الساحة الاسلامية يرفض اصول »اللعبة الديموقراطية«، حتى ولو كانت العملية رابحة سياسيا. وكانت حادثة »قمّار« التي قادها عيسى مسعودي الملقب بالطيب الافغاني اول دخول علني بهذا الحجم لجماعة الافغان في ساحة الصراع المسلح. بلحاج يدخل على الخط أما التأسيس الفعلي »للجماعة الاسلامية المسلحة« كما هي معروفة اليوم فيرجع الى اواخر العام 1992 حين التقت عناصر من الحرس القديم في جماعة مصطفى بويعلي مع عناصر من »الافغان الجزائريين«، وأخرى من مجموعة »التكفير والهجرة« التي كانت تأسست على غرار نظيرتها المصرية. ويُقال ان العقل المفكر وراء ذلك التنظيم كان علي بلحاج الرجل الثاني في جبهة الانقاذ. ويقال ايضا ان التخطيط الفعلي لإنشاء الجماعة يرجع الى العام 1990 حين استسلم منصور ملياني من بلحاج مبالغ كبيرة من المال بهدف تكوين وتدريب جماعات مسلحة. ويمكن اعتبار ملياني القائد المؤسس للجماعة. ولم يكن يُنافسه على الزعامة سوى شبوطي. وملياني من مواليد 1944 في منطقة »خميس الخشتا«. وقد جرى اعتقاله في شهر تموز/ يوليو من عام 1992 بعدما قاد هجوما دمويا على القاعدة البحرية في الجزائر العاصمة. وصدر عليه حكم بالاعدام فيما بعد، وتم تنفيذ الحكم في تموز/ يوليو 1993. فخلفه على زعامة الجماعة محمد علال الذي قتل اكثر من عشرة من رجال الشرطة في احياء مختلفة من العاصمة عام 1992، لكن »عهده« لم يدم سوى اسابيع قليلة، اذ تمكنت قوات الامن من ابادة مجموعته في منطقة بابا حسن (ولاية تيبازا الساحلية)، وخرّ صريعا في آخر ايام شهر تموز/ يوليو 1992. آل القيادة بعده الى عبد الحق لعيادة الذي عقد لنفسه راية الزعامة وبدأ منحى جديدا في تأطير الجماعة، وفي التعامل مع رفاقه القدامى، ومع بقية التنظيمات المسلحة في الساحة الاسلامية. فدعا كافة العناصر التابعة له الى عقد مؤتمر تأسيسي، هو الاول من نوعه، في منطقة الاوراس مهد الثورة المسلحة ضد فرنسا (ومسقط رأس الرئيس اليمين زروال). ولم يكتف المؤتمر الذي انعقد مطلع العام 1993 بوضع هياكل تنظيمية للحركة، بل ان لعيادة جعله يستصدر حكما بالاعدام على مجموعة من ابرز رفاقه القدامى ومن قادة التيار الاسلامي في البلاد، وهم بن عزوز زبدة والهاشمي سحناوي، وسعيد مخلوفي (صاحب كتاب »العصيان المدني«، وزعيم مجموعة مسلحة منشقة متواجدة حاليا في منطقة بشار القريبة من الحدود مع المغرب، تطلق على نفسها اسم »حركة الدولة الاسلامية«). لكن محمد لعيادة ما لبث ان وقع رهن الاعتقال في المغرب في حزيران يونيو 1993. وقامت السلطات المغربية بتسليمه الى سلطات بلاده حيث حوكم وصدر بحقه حكم بالاعدام في حزيران/ يونيو من عام 1994 ما زال ينتظر التنفيذ. وبانتهاء ولاية لعيادة طرأ امر هام جدا تمثّل باستيلاء »الافغان« على قيادة الجماعة الاسلامية المسلحة. ولاية »الأفغان« أول »أفغاني« حكم الجماعة كان سيد احمد مراد الملقب بجعفر الافغاني الملقب بجعفر سيف الله. هو من مواليد 1964 في حي »القبة« في العاصمة الجزائرية والذي طالما اتخذته الحركة الاسلامية معقلا لها، ومنطلقا لدعوتها، تيمّناً بالجهاد الافغاني ضد القوات الشيوعية، كان في الثلاثين من عمره حين تولى قيادة الجماعة عام 1993. وكان في العشرينات حين التحق بقوات قلب الدين حكمتيار في افغانستان. وكان زعيم »الحزب الاسلامي الافغاني« يستقبل المئات من المجاهدين العرب في الفترة الممتدة ما بين 1976 و1989. وتقول بعض المصادر ان حوالى ثلاثة آلاف جزائري تدربوا في افغانستان وقاتلوا هناك. وكانوا موزعين ما بين معسكرات حكمتيار ومعسكرات احمد شاه مسعود. ويقال ان الشيخ محفوظ نحناح ساعد في ذلك الوقت على تسفيرهم والتحاقهم بالمجاهدين بحكم علاقاته مع القادة الافغان. كان الهدف بالطبع محاربة الاحتلال السوفياتي لأفغانستان. وكانوا في معظمهم يغادرون الجزائر تحت ستار الحج الى مكة المكرمة، لكن بعض الشبكات كانت تسمح لهم بتغيير وجهة سفرهم باتجاه معسكرات المجاهدين الافغان. وكان الوسيط بينهم وبين احمد شاه مسعود استاذ قانون اسلامي فلسطيني الاصل هو عبد الله عزام مدير مكتب المتطوعين العرب في بيشاور حيث قتل عام 1989. ويقال اليوم ان عدد الذين عادوا الى الجزائر بعد اندحار الحكم الشيوعي يبلغ 1224 عنصرا جرى احصاؤهم فردا فرداً. وكانت القوات السوفياتية قد اسرت سبعة عناصر منهم قبل رحيلها، وأخذتهم معها الى موسكو، وقدمتهم للرئيس الشاذلي بن جديد في زيارته الاخيرة الى عاصمة السوفيات! وحسب بعض المصادر فإن اكثر من 300 من بينهم قتلتهم قوات الامن الجزائرية من اصل حوالى 600 عنصر التحقوا بالجماعة الاسلامية، وتحصنوا في الجبال والكهوف والغابات، وأمضوا السنوات الخمس الماضية في تثبيت أقدامهم ومواقعهم في مناطق عديدة خاصة في محيط العاصمة الجزائرية. وقد ظهروا الى العلن للمرة الاولى خلال تظاهرات جبهة الانقاذ في عامي 1990 و1991، وأصبحوا قدوة لأبناء الأحياء الفقيرة الذين تبنوا اللباس »الافغاني«: قبعة افغانية (المرستان) عمامة سوداء لحى طويلة قميص طويل فوق زي مرقّط... وكحل في العيون! هكذا إذن وضع الافغان يدهم على الجماعة الاسلامية المسلحة منذ عام 1993، وبدأت مرحلة من التصفيات والاغتيالات والاعمال البشعة التي لم يسبق لها مثيل. (*) مؤلف »الإسلام الجزائري«. غداً: مَن يستفيد من تدمير الدولة؟