هل يمكن لجبهة الانقاذ ان تعود اليوم كما كانت في الأمس حركة سياسية موحدة قادرة على الامساك بزمام السلطة كما كاد يكون الحال مطلع العام 1992؟ قطعا لا. لم يعد ذلك ممكنا. ولعل هذا هو أهم معطى في الحياة السياسية الجزائرية منذ ست سنوات حتى اليوم. لماذا لم يعد ذلك ممكنا؟ لأن الجبهة تكشفت منذ ذلك الحين على جبهات عديدة كانت متحالفة بهدف وضع اليد على السلطة تحت قيادة عباسي مدني التي ارتضاها الجميع عروة وثقى تشد أطراف الجبهة بعضها الى بعض. فهنالك أولا التيار الذي انشق عن الانقاذ وتحالف مع الحكومة ممثلا بالشيخ أحمد مراني أحد مؤسسي الجبهة. وقد انضم الى حكومة احمد اويحيى المشكلة مطلع العام 1996، واحتل منصب وزير للشؤون الدينية في عام ونصف العام. ثم هنالك مجموعة من القيادات الموزعة حاليا على عدد من العواصم الغربية والتي تنتمي نظريا الى التيار الانقاذي، لكنها تمثل في واقع الأمر كتلا وأجنحة مختلفة الأهداف والمرامي. ويمكن حصر أهمها بما يلي: »الهيئة التنفيذية للجبهة الاسلامية« في الخارج برئاسة الشيىخ رابح كبير المقيم في المانيا. أما بقية اعضاء الهيئة الذين أعلن عنهم في 3 آذار/مارس 1997، فهم: عبد الكريم غماثي نائبا للرئيس، والاعضاء الخمسة: العربي النوي وجعفر الهواري وعبد الكريم ولد عدة (الناطق الرسمي) وحسين بن عبد الرحمن وفرحات مشواك. »البعثة البرلمانية للانقاذ« التي يرأسها انور هدام المقيم في الولايات المتحدة، والذي رفض طلبه بمنحه حق اللجوء السياسي. وهو منذ 6/12/96 قيد الاقامة الجبرية بانتظار ترحيله الى بلد آخر، لكن هذا لا يمنعه من ممارسة نشاط سياسي، وعقد مؤتمرات صحافية، وتوجيه رسائل وبيانات الى الصحف. والعلاقات بين »الهيئة التنفيذية للانقاذ«، و»البعثة البرلمانية للانقاذ« على درجة كبيرة من السوء، والخلافات بينهما عميقة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع العوامل الجهوية. مجموعة »الباقون على العهد« التي يقودها عبد الرحمن ابو جميل. وقد نسبت لنفسها عددا من أعمال العنف والاغتيالات والتفجيرات في محيط العاصمة. ويمثلها ويتحدث باسمها في لندن قمر الدين خربان. وهو عضو سابق في الهيئة التنفيذية للانقاذ، ابعده عنها رابح كبير بسبب انتهاجه سياسة متطرفة ترفض اي حل سلمي للأزمة الجزائرية. ومعروف عن خربان انه طيار سابق تجول لسنوات عديدة بين دول عدة من بنيها باكستان وتركيا واليمن والبانيا حيث حضر لقاء للمعارضة الاسلامية الجزائرية في آب/أغسطس 1993. وقد استقر العام الماضي في العاصمة البريطانية ويشرف من هناك على إصدار صحيفتين هما »نور المصباح«، و»التبصرة« التي كانت في ما مضى تنطق بلسان رابح كبير. ويتعرض هذا الاخير الى هجوم عنيف من طرف هاتين الصحيفتين، وأقل ما يوصف به انه »مرتد ومنافق«! كما استطاع خربان تجيير كمية من »الأموال لصالحه، ومصدرها بعض المتمولين« في بعض دول الخليج... المجلس التنسيقي لجبهة الانقاذ، الذي أعلن الشيخ احمد الزاوي عن تأسيسه في العاصمة البلجيكية بروكسل في 7/10/1997. وعلل ذلك بقوله انه لا يعترف بعد اليوم بسلطة »الهيئة التنفيذية لجبهة الانقاذ في الخارج« بقيادة رابح كبير، على اعتبار ان تلك الهيئة »فقدت مصداقيتها بإعلانها عن هدنة احادية الجانب باسم قيادة الانقاذ في الداخل والخارج. وكانت السلطات البلجيكية قد حكمت على الزاوي في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1995 بأربع سنوات سجن غير نافذة بتهمة تشكيل »جماعة أشرار« والاخلال بالأمن، وقد وضع في الاقامة الجبرية حتى ظهر فجأة في سويسرا اواخر عام 1997 وطلب حق اللجوء السياسي هناك. شبكة الشيخ جمال لونيسي الذي اتخذ من مدينة نابولي الايطالية منطلقا لتحركه. وهو مسجون في هذه المدينة منذ اكثر من عامين. وقد التقاه في سجنها يوم 13 كانون الاول/ ديسمبر الماضي قاضي التحقيق الفرنسي في قضايا الارهاب جان لوي بروغيير، ذلك ان اسم الشيخ لونيسي تردد كثيرا في كل التحقيقات التي تناولت العمليات الارهابية في اوروبا، والتي اجرتها اجهزة الامن في دول عدة من ضمنها المانيا وايطاليا وفرنسا وبلجيكا وسويسرا. وكانت »جمعية الجالية الجزائرية في بريطانيا العظمى«، وهي جمعية تابعة لجبهة الانقاذ، قد أذاعت في 13 نيسان/ ابريل من العام الفائت رسالة مفتوحة موجهة من طرف الشيخ لونيسي يعلن فيها عزمه على الاضراب عن الطعام احتجاجا على احتجازه »كرهينة« في السجون الايطالية منذ اكثر من عامين، وعلى قرار حكومة روما بتسليمه الى السلطات الفرنسية. هذا غيض من فيض الهيئات والتنظيمات التي انبثقت كلها عن الجبهة الاسلامية للانقاذ، والتي تناصب بعضها البعض المنافسة لا بل العداء، والتي تعلن انتماءها الى تيارات عديدة مختلفة على الصعيدين التنظيمي والسياسي. وأقل ما يقال انه من الصعب رؤية هذه الجماعات وهي تعيش تحت سقف واحد بعد الآن. ومن المفيد ان نلاحظ ان هذه الاختلافات والخلافات ربما ما كانت لتظهر بمثل هذا الوضوح، لو لم تكن تلك الجماعات منتشرة في عواصم غربية عدة تؤمن لها او كانت تؤمن لها حرية كاملة في التعبير والتصريح، وحرية كافية حتى هذه الآونة الاخيرة في الحركة والتنظيم. مهما يكن من امر هذه الحركات والتنظيمات، وسواء أكانت ضالعة في نشاط سياسي واعلامي محض، كما هو الحال على الارجح مع الشىخين رابح كبير وانور هدام، او كانت متورطة في اكثر من ذلك، خاصة لجهة التخطيط لأعمال عنف او العمل على جمع المال والسلاح لمن هم في داخل البلاد، كما هي الحال على الارجح مع الشيوخ قمر الدين خربان واحمد الزاوي وجمال لونيسي، إلا أن هؤلاء جميعا يلتفون عند نقطتين: الاولى هي انتماؤهم بشكل او بآخر الى اصل واحد هو الجبهة الاسلامية للانقاذ، والثانية هي عدم قيامهم بنشاط مسلح مباشر داخل التراب الوطني ضد السلطة القائمة، وضد مؤسسات الدولة واجهزتها. تنظيمات الكفاح المسلح أما الذين يقومون بما يسمونه كفاحا مسلحا او جهادا داخل البلاد ضد الحكم الحالي، والذين يعلنون ايضا انتماءهم بشكل مباشر او غير مباشر لجبهة الانقاذ، فهم يتوزعون أيضا في تنظيمات عدة. اهم تلك التنظيمات »الجيش الاسلامي للانقاذ« بزعامة اميره الوطني مدني مزراق، الذي يقود بضعة آلاف من الرجال المسلحين اتخذوا من احراج منطقة »جيجل« شرقي البلاد معقلا لهم. وقد دخل مزراق في مفاوضات سرية مع بعض قادة الجيش الجزائري انتهت الى اعلانه عن قرار بوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في مطلع شهر تشرين الاول/ اكتوبر الماضي. وقد حذا حذوه امير منطقة الغرب في »الجيش الاسلامي« احمد بن عائشة الذي كان قد انشق قبل عامين عن القيادة الوطنية، لكنه عاد والتزم بقرار وقف إطلاق النار. وقد برر ذلك بأنه استجابة لنداءين صادرين عن الأمير الوطني للجيش الاسلامي للانقاذ، وتحقيقا لرسالتين بعث بهما عباسي مدني مؤرختين في 26 تموز/ يوليو (أي بعد عشرة أيام على إطلاق سراحه)، وفي 14 آب/ أغسطس الماضي، حث من خلالهما على وقف النزف في اقرب وقت ممكن. بناء على ذلك دعا احمد بن عائشة »كافة الكتائب« لتوقيف كل عملياتها المسلحة ابتداء من 1 تشرين الاول/ اكتوبر المنصرم. وكان الشيخ رابح كبير قد دعم بقوة من برلين قرار الجيش الاسلامي بوقف العمليات. والواقع ان الهدف من وراء هذا القرار لم يكن فقط وقف النزف وفتح الباب امام حل سلمي وسياسي للأزمة المستعصية، بل كان أولا وقبل كل شيء، لتبرئة ذمة جبهة الانقاذ وذراعها العسكرية من دماء الضحايا الذين سقطوا في المذابح الشنيعة المستمرة منذ اعوام، والتي لم ىشهد لها التاريخ الجزائري مثيلا من قبل. إضافة الى جناحي الجيش الاسلامي للانقاذ، فقد صدرت عن العديد من التنظيمات والكتائب المسلحة الاخرى قرارات مشابهة لكي تنأى بنفسها عن كل الشبهات المتعلقة بالمجازر المتعاقبة. ابرز تلك التنظيمات تنظيما »الفدا«، و»الرابطة الاسلامية للدعوة والجهاد«. تنظيم »الفدا« يترأسه محمد ابو الفداء وهو يتكون من عناصر ما يعرف بتيار الجزأرة التي كانت قد قررت تشكيله في اواخر العام 1995 بعد ان اقدمت »الجماعة الاسلامية المسلحة« على اعدام زعيم تيار الجزأرة الشيخ محمد السعيد ورفيقه عبد الرزاق رجام ومئات من اتباعهما، في إطار التصفيات المتبادلة بين مختلف الاجنحة. ومن المعروف عن تنظيم »الفدا« انه »تخصص« في قتل المثقفين والصحافيين والاساتذة الجامعيين والكتاب والباحثين خلال السنوات الخمس الماضية. وقد اعلن او الفداء وقف عمليات تنظيمه منذ مطلع شهر تشرين الاول/ اكتوبر الماضي. أما »الرابطة الاسلامية للدعوة والجهاد« التي أعلنت بدورها وقف عملياتها العسكرية ابتداء من يوم الجمعة 10 اكتوبر/ تشرين الاول الماضي، فهي بزعامة اميرها علي بن حجر. وكانت قد أنشئت في شهر شباط/ فبراير من العام 1997 في ولاية المدية. وكان اميرها احد مرشحي الجبهة الاسلامية للانقاذ في انتخابات ديسمبر/ كانون الاول لعام 1991، واحد أئمة حي »مطيطن« في المدية (على بعد 90 كلم جنوبي غربي العاصمة). وقد عللت الرابطة قرارها بأنه يهدف الى »فسح المجال للبحث عن حل شرعي عادل وشامل« وانه »ليس استسلاما وانما لرفع الغطاء عن اولئك الذين يقترفون الجرائم بحق شعب أعزل«... فمن هم هؤلاء؟ وما هي حقيقة »الافغان« الجزائريين؟ ومن يكمن وراء »الجماعة الاسلامية المسلحة«؟ (*) مؤلف »الاسلام الجزائري« غداً: الأفغان والجماعات الإسلامية المسلحة