As Safir Logo
المصدر:

مسألة الملتقى العالمي حول ابن رشد في تونس الفلسفة تبحث عن لسانها بالعربية

المؤلف: البكاري كمال التاريخ: 1998-02-17 رقم العدد:7924

بين السادس عشر والحادي والعشرين من هذا الشهر، يعقد الملتقى العالمي حول ابن رشد، في بيت الحكمة بتونس. ويشارك فيه المتخصصون في هذا الفيلسوف من شتى أنحاء العالم. وقد تم الإعداد لهذا الملتقى في السنة الفائتة، في إطار البرامج التي تم تنفيذها في تونس كعاصمة ثقافية لسنة 1997 تنفيذا لما جاء في بيان بن علي للمؤتمر العام لمنظمة اليونسكو في دورته السابعة والعشرين، من أجل إعلان هذه السنة (1998) سنة لهذا الفيلسوف. ولهذا الحدث أهميته الخاصة، اذ فيه ما يدعو الى تأمله وتفكره. ذلك ان في طلب السياسة للفلسفة، في الثقافة العربية، ما يشير الى تحولات كبيرة تحصل على مستويات عدة، من أبرزها المستوى السياسي نفسه والثقافي كما الاجتماعي. فاستعادة الفيلسوف، رمزياً، هي استعادة الفلسفة، من دون شك. وهذه علامة من بين علامات فارقة كثيرة تجعل من تونس ساحة تنوع فكري وثقافي مولد. في التظاهرة، الحدث الفلسفي، ما يبعث على التفاؤل. وهي بادرة طيبة وخطوة واثقة في اتجاه فكر اكثر تحررا، ذلك ان في استدعاء الفيلسوف، رمزياً، وعياً بضرورة الفلسفة كضمانة لعقلانية اكثر معقولية كما لحرية الفكر، التي تبدو ثقافتنا العربية في أمسّ الحاجة إليها (...) فثقافتنا تحتاج الرشدية كرمز للعقلانية والروح النقدية التنويرية باستمرار، وكرمز لنزعة الانسان، وبعامة، نحو التحرر من هيمنة التصلب الايديولوجي وسلطان الدهمائي وتسلط الانعزالي الضيق والشرنقي المنغلق (...). على أن ما يبقى من الرشدية، ما يمكن استعادته من ابن رشد، هو، في نظري، عالميته كفيلسوف اهتم بالانساني الكوني، بالنظر إليه كبيت بلا جدران (وبيت الفيلسوف، أصلا، مفتوح لا جدران له). ذلك ان الحديث عن ابن رشد بوصفه مجرد شارح للفلسفة الأرسطية، يبدو حديثا باهتا ومنقوصا، يحذف ويبتر. كما ان الحديث عنه، بوصفه فيلسوفا عربيا مسلما فقط، يبقى متوقفا عند عتبة القول بالخصوصية الضيقة المنغلقة المتضخمة. فمنطلق الأول هو كونه اكتفى بالشرح من دون تقديم أي إضافة تذكر في القول الفلسفي. وربما في ذلك تنكر، سواء كان متعمدا هادفا أو عن عدم إلمام وعن »حسن نية«. أما منطلق الثاني، فينتمي الى ايديولوجيا تضخم الخصوصية استنادا الى تصور معيّن للهوية والفلسفة معاً تصوراً ضيقاً لا يخدمهما بقدر ما يلغيهما. ولعل محنة الرجل، في عصره، لم تكن إلا محنة الفكر العربي الاسلامي الذي أزف الى الانغلاق، والذي كانت الرشدية لتكون بوابته باتجاه آفاق أخرى اكثر رحابة للتحديث والمواكبة، لو تم تمثلها من دون تحجر، ذلك ان هذه الرشدية تأكدت قدراتها وإمكاناتها في الغرب الذي سارع الى تبنيها واستخدامها في مواجهة استبداد الفكر اللاهوتي ووجد فيها طريق الخلاص من ظلامية القرون الوسطى (...). في إعلان سنة 1998 سنة ابن رشد علامات للمعنى والدلالة. وهو ليس غريبا ولا مفاجئا بالنسبة الى متتبع حركة الثقافة العربية في ساحتها التونسية في السنوات الأخيرة خاصة. وما يبدو جديداً، ربما، هو الطابع الرسمي لهذه التظاهرة التي تأتي في إطار مشروع ثقافي عام واعد، يستند الى وعي أكثر عمقا بدور التقافة في بناء المجتمع وتنمية الانسان، بوصفه الغاية للثقافة الظافرة، الممتلكة للقدرة الإسهامية في التحفيز والتحيين للخصوصية التي لا تتعين او تتضح معالمها وفاعليتها إلا من خلال امتلاكها إمكانات المساهمة في الندوة العالمية. ابن رشد، في مئويته الثامنة، يطل علينا بإصرار، مؤكدا، دوماً، حضوره في لغته، وقد حقق مكوثه فيها بأن سكن الأفهوم بعد ان دلنا على مصدر الموت بأن دلنا على مصدر الحياة، فيلسوف تستعيده العربية او تستعيد نفسها به، في تونس مدينة قد غادرتها تماثيل أقل عددا وثقلا من تلك التي كتب عنها رضوان السيد، وقد رآها في بعض المدن العربية تدفعها او تجرها »البروليتارية« الغيبية الى مداخلها وساحاتها العامة لتنصيبها او تثبيتها فيها (...) غادرتها ذات صباح من ذات تشرين منذ عشر سنوات خلت، لتأخذ مكانها ساعات ضخمة رائعة هندستها، لتحيل على أن صورة الزمن المؤبد او المتوثن قد اهترأت وبقي »الوقت« او الزمن كأيقونة، وقد تمت فلسفته او مفهمته فكرنة وعملا. ابن رشد، كرمز للفلسفة التي تبحث عن لسانها بالعربية، يحثنا على البحث عن معنية جديدة بها ندخل القرن القادم. كمال البكاري

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة