نلاحظ ان التاريخانية العربية التي تلبست الوعي القومي (سواء كان هذا الوعي قوميا عربيا او قوميا قطريا وإقليميا) أنتجت أيضا نوعا من »تاريخانية ثورية« تسترشد بالنظرية الماركسية لتضبط وتفسر عمليات ووقائع التتابع التاريخي السياسي والثقافي والاقتصادي في خط الحتمية التاريخية ومنهج الجدلية المادية المؤسس على جدلية صراع الطبقات في التاريخ. فكما ان الوعي القومي قد رافق العملية السياسية في البحث عن البدائل لما بعد العثمانية، وعن أجوبة أثارتها حركة التحرر العربية من أجل الوحدة والاستقلال والهوية، ومن خلال العودة الى التاريخ، فإن الوعي الاجتماعي كان ايضا قد رافق العملية الاقتصادية في »رسملة« المجتمعات العربية وتصنيعها »وتحديثها« في بعض القطاعات. وفي هذا السياق من تكوّن الوعي الاجتماعي، برزت نخب عربية ترى في التكون الطبقي الجيني حالة قوى انتاج جديدة لا بد من انها متصارعة مع علاقات انتاج قديمة، هي مزيج من علاقات ما قبل الرأسمالية ورأسمالية »تابعة« او »محيطية«. وعبر هذا المدخل الذي يعبر عن شكل من اشكال الوعي الراهن »لتطور المجتمع« في النظام العالمي والواقع المعيش قدمت الماركسية، عبر أقنية وفادتها المحلية الى المنطقة العربية بدءاً من الأنماط الستالينية الى صيغ المادية والعالمثالثية، الى نمط الانتاج الآسيوي، مداخل لقراءة تاريخ اقتصادي اجتماعي سياسي للتاريخ العربي يحاول أن يقرأ قضايا الدولة والاقطاع والملكية وإعاقة نمو رأسمالية، وصولا الى محاولة فهم مأزق التحول الديموقراطي والانمائي والقومي الذي عاشته القوى السياسية العربية، وذلك وفقا لتنميط مرحلي أدخل في حتمية تاريخية وقوانين أعتقد انها تفسر حركة التاريخ العربي وتساعد على تغييره واستشراف مستقبله. واللافت للنظر، ان بدايات هذا النوع من التأريخ، كانت قد ظهرت عبر التفات المؤرخ الماركسي العربي الى ثورات اجتماعية في التاريخ الاسلامي أعتقد انها ملامح لصراع طبقي، ومعالم في تطور أنماط إنتاج محددة في الترسيمة الماركسية. ومن الأمثلة على هذا المنحى، دراسة فيصل السامر »ثورة الزنج«، دار القاري، بغداد 1954 ودراسة احمد علبي، »ثورة الزنج« وقائدها علي بن محمد، منشورات مكتبة الحياة، بيروت 1961، حيث يرى الكاتب في »ثورة الزنج« في البصرة »نقلة من الإنتاج الآسيوي الى الانتاج العبودي«... نلاحظ ان الدراسات العربية التي استعادت فكرة »نمط الانتاج الآسيوي من كتابات ماركس وأنجلز ومن الكتابات الغربية المعاصرة التي اعادت اكتشاف »نمط الانتاج الآسيوي« في غضون الستينيات والسبعينيات YVES LACOSTE) وGODELIER وCHESNAUX) كانت تحاول ان تخرج من مأزق القالب الستاليني السوفياتي للتمرحل التاريخي، والذي كان يعتقد انه صالح فقط لتأريخ أوروبا الغربية، لتجد تفسيرا لخصوصية التطور في بلدان آسيا وأفريقيا، وبالتحديد لتطور الدولة والمجتمع في البلاد العربية. ويمكن ان نذكر من المحاولات المدرجة في هذا الخط، محاولة الياس مرقص النظرية »الماركسية والشرق« دار الطليعة، بيروت 1974، ومحاولة احمد صادق سعد: تاريخ مصر الاجتماعي الاقتصادي من الفراعنة الى الفتح العثماني..« دار الطليعة.. ودراسة عبد القادر جفلول حول »التكوين الاجتماعي الجزائري عشية الاستعمار« (La Pensژe, Fevrier 6791, Paris) مترجمة الى العربية في: ست دراسات في النمط الآسيوي للإنتاج، دار الطليعة، بيروت، 1979... الى جانب دراسات اخرى متفرقة ورسائل جامعية ظهرت في الأقطار العربية اعتمدت التقليد والتنميط النظري وقليلا من التوثيق والمعلومات التي يلجأ لحشرها في القوالب النظرية. هذا ويمكن اعتبار دراسات سمير أمين ذات المنحى التأريخي الاقتصادي محاولات اكثر جدية وعمقا وتجديدا في هذا السياق. ولعل مقاربته لما سمّاه نمط الانتاج الخراجي للدولة العربية الاسلامية وانتباهه الى اهمية التجارة البعيدة ومحطاتها في اقتصاديات الدولة الخراجية. وهو أمر سبق لمستشرقين ان عرضوا له، يجعله اكثر استثارة ودعوة للفكر التاريخي العربي ان يولي الجانب الاقتصادي الاهتمام الذي يستحق، وأن يولي أيضا جانب التفكر في طبيعة الدولة وتطور مجتمعات الشرق قسطا في عملية البحث التاريخي. غير ان هذا الجانب من التفسير الماركسي »المجتهد« لا يفلت (كما هي حال سمير أمين، وخاصة في كتاباته المتأخرة عن الحضارات والأمة والثقافة وتجليات ما يسميه »النمط الخراجي« في مجتمعات الدول الخراجية) من الوقوع في التحليل النظري المجرد الذي يعوزه جانب التاريخ الوقائعي. والذي لا يخلو من ادّعاء بالإحاطة بتاريخ غني ومعقد وممتنع بالتالي عن الدخول في قالب نظرية واحدة او سببية واحدة. ومع هذا فإن التحليل الطبقي، إذا ما تحرر من الترسيمات »السلفية« والجاهزة، يمكن ارتكازاً على جهد استطلاعي وتوثيقي جدي ان يقدم معرفة تاريخية خصبة، ولا سيما لمرحلة الدخول الرأسمالي الغربي للمجتمعات العربية ونتائج ذلك على البنى الاجتماعية فيها. ولعل ابرز المساهمات في هذا الحقل كانت مساهمة حنا بطاطو في كتابه عن العراق الحديث، ذي الأجزاء الثلاثة. والمؤلف نفسه يدرك صعوبة تطبيق التحليل الطبقي الاجتماعي الكلاسيكي، فيضيف الى آراء ماركس، آراء ماكس فيبر، لفهم دور »البنيات الفوقية« والعقليات والذهنيات بصورة افضل. ولكن يظل أيضاً متنبهاً لأهمية التفاصيل وتوفير المصادر، يقول »ان التحليل الجدي للطبقات مهمة في غاية الصعوبة، اذ انه يستلزم من ناحية فهم الاتجاهات والمعيقات للبنية او البنى الاجتماعية التي تشكل الطبقات جزءا لا يتجزأ منها، ويستلزم من ناحية اخرى الضلوع في معرفة كمية هائلة من التفاصيل، وخصوصا تلك المتعلقة بالأفراد والعائلات الذين لهم تأثير اقتصادي وسياسي فعلي، وبالعلاقات المتبادلة في ما بينهم، وهي تفاصيل، نادرا ما تكون في متناول اليد«. حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية.. الكتاب الأول ترجمة: عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1990، صدر بالأنكليزية عام 1978. بيد ان هذه الصدقية في الاعتراف بصعوبة المهمة، وهذه الاستعدادية للبحث في الوقائع والتفاصيل والمصادر، لا يعبّران عن واقع التأريخ الماركسي العربي عموما. فجلّه على حدود علمنا يندرج في خطاب تاريخي تعبوي ونضالي سياسي، مع تغليف للخطاب باستدراكات وتعليقات واستشهادات مستخرجة من النصوص الماركسية والترسيمات النظرية التي تلعب دور إضفاء »الصفة العلمية« على الخطاب المعلن. (راجع ملحق هذه الورقة المعنون: الاستشراق الماركسي والنص المحلي اللبناني حول طبيعة النظر الى الدولة العثمانية). ملحق I. ومهما يكن من أمر، فإن هذا النوع من التأريخ ظل محدودا في انتشاره في الأوساط الجامعية والاكاديمية، وغلب في اوساط المثقفين والكتّاب »الملتزمين«. لا شك في ان ضيق حدود هذا التأريخ، عائد بالدرجة الاولى الى جملة من العوامل يأتي في مقدمتها تعثر التجارب القومية واليسارية وانحباس أفكار هذه التجارب في قوالب ايديولوجية احادية »دولية او نمطية تقدم باسم »العلم« على انها »الحقيقة«، الامر الذي حال دون حرية الفكر والاجتهاد والتنوع، بسبب الاطمئنان والثقة المبالغ بها في فاعلية وقع المصطلح والمفهوم فلم يثر ذلك قلق البحث عن فرضيات وطرائق وأدوات معرفية جديدة ومناسبة. ثم جاءت الضربة العنيفة للتيار في مستواه الإيديولوجي السياسي من جراء سقوط الاتحاد السوفياتي وانهياره، والهجمة الليبرالية الجديدة على العالم في ظل حملة »العولمة« المكثفة هذه المرة إعلامياً وتكنولوجياً. السبت المقبل: المنهج التاريخي الإسلامي: تاريخانية توليفية