As Safir Logo
المصدر:

معالم الحاضر وافاق المستقبل في مجمع اللغة العربية بدمشق

المؤلف: نور الدين عصام التاريخ: 1998-02-10 رقم العدد:7918

لم ينس المسؤولون عن مجمع اللغة العربية بدمشق أنه أقدم مجمع لغة عربي، ويتحمل مسؤولية قومية ولغوية كبير جدا كونه يقع على خط التماس الأول مع أعداء وجودنا »الاسرائيليين«، الذين احيوا اللغة العبرية الميتة في فلسطين المحتلة، فأصبحت لغة تخاطب، وتستعمل في كل أمور حياة الصهاينة، وتؤثر في لغة أبنائنا هناك، بينما يتخلى المسؤولون العرب عن مهمة جعل اللغة العربية لغة العلوم والفنون والآداب في كل مراحل التدريس، ويتقاعسون عن حمايتها من الدخيل، ومن التهميش، ومن الهجر، ومن تفضيل اللغات الاجنبية عليها.. وكيف ينسى المجمعيون العرب الدمشقيون برئاسة الأستاذ الدكتور شاكر الفحام ذلك، ودمشق تكاد تكون القطر العربي الوحيد الذي عرّب التعليم في كل مراحله وفي كل تخصصاته بدءا من المرحلة الابتدائية وانتهاءً بالمرحلة الجامعية العليا وبالتخصصات الأكاديمية التي يكابر بعض مثقفينا بالقول انها لا تدرس الا باللغات الأجنبية؟ ان مبادرة مجمع اللغة العربية بدمشق الى عقد ندوة لغوية بعنوان »معالم الحاضر وآفاق المستقبل«، بمشاركة خمسة وعشرين باحثا من كبار اللغويين في سوريا، ولبنان، وفلسطين، والعراق، والسعودية، ومصر، والسودان، والمغرب، وموريتانيا المغرب، هي عمل طليعي نتمنى ان تقتدي به بقية المجامع اللغوية في الوطن العربي، لتعميق البحث في المحاور خمسة، هي: 1) مشكلة الأداء في اللغة العربية: أسباب الضعف ووسائل العلاج. 2) التعريب والمصطلح. 3) تيسير مباحث العربية: النحو، والصرف، والبلاغة، والعروض، والإملاء. 4) المعجم العربي: وصف المعجمات المتوافرة في الوقت الحاضر وبيان ما عليها من مآخذ، ووضع مشروع معجم عربي حديث يفي بجميع المتطلبات. 5) مستقبل اللغة العربية: دراسة وسائل تحديث اللغة العربية واستغلال الإمكانات التقنية، ومنها الحاسوب (الكومبيوتر)، لتستطيع هذه اللغة مسايرة التطور العلمي والتقني المتسارع. وكان لافتا، في أثناء إلقاء البحوث العلمية، ذلك الجو العلمي الهادئ، وتلك الحرية المطلقة في المناقشة، انطلاقا من حقيقة كون جميع الباحثين خدما للغة العربية، يتشرفون بخدمتها، وبالسهر عليها، وبرعايتها، كما كان لافتا حرص الباحثين على التعهد بمتابعة البحث في هذه البحوث من جهة، وبإصدار توصيات عدة تعاهدوا على تنفيذها من جهة أخرى، وتمنوا على المسؤولين السياسيين، في كل الأقطار العربية، تبنّي هذه التوصيات وتنفيذها، لأن القرار السياسي يلعب دورا خطيرا في هذه القضية الاساسية، ولنا خير مثال على ذلك في الدولة الفرنسية التي أصدرت قانونا يقضي بسجن كل فرنسي يستعمل عبارات وتراكيب اجنبية، لها ما يقابلها في اللغة الفرنسية، مدة قد تصل الى ستة أشهر، وإجباره على دفع غرامة مالية قد تصل الى خمسين ألف فرنك فرنسي، لأن اللغة من الأمة هي بمثابة الروح من الجسد. ولأن اللغة هي الانسان، بل هي الأمة بمعنى من المعاني، فقد التفت المنتدون الى أهمية تحويل الإذاعات المرئية والمسموعة وكل وسائل البث الحي الى أبوي الطفل العربي، كي يسمع منها الكلام العربي السليم، والخالي من العيوب، ومن الكلمات الاجنبية، ومن سقط العاميات، فناشدوا وزارات الاعلام، في الأقطار العربية كافة، مهما اختلفت أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لتعمل على توجيه مؤلفي المسلسلات والمسرحيات المذاعة او المتلفزة، الى استخدام اللغة العربية الفصحى المبسطة، في ما يؤلفونه، وفي ما يذيعونه في الناس... وكذلك تعاهد المحاضرون على العمل للحد من طغيان العامية في الإعلانات التي تنشر في الصحف والإذاعات المرئية والمسموعة، او تعلن في الشوارع... ومناشدة المسؤولين السياسيين والثقافيين إلزام المحال التجارية والمطاعم ودور الملاهي والمؤسسات العامة والخاصة وغيرها باستعمال العربية في تسمية محالّهم، وعدم اللجوء الى اللغات الاجنبية، لأن الطفل العربي يجلس أمام التلفاز، قبل دخوله الحضانة او المدرسة، مدة قد تفوق المدة التي يجلس فيها مع والديه، وهذا يعني ان التلفاز يؤثر في الأطفال، وفي لغتهم، وفي عاداتهم وتقاليدهم، وفي نظرتهم الى أنفسهم وإلى الآخرين، اكثر من تأثير والدي الطفل، اللذين يضطران، في الأغلب الأعم، الى الابتعاد عن أطفالهم كي يؤمنوا لهم المأوى، والطعام، والكساء، وأقساط المدارس، وبدل الاستشفاء... وما الى ذلك. والطفل العربي بحاجة الى ان يسمع أصوات لغته وكلماتها وتراكيبها وأساليبها من أفواه الذين يتقنونها، في كل كل مكان، وفي رياض الأطفال والمدارس الابتدائية تحديدا، لأن الطفل في هذه المرحلة يعيش مرحلة أخذ اللغة او اللغات.. لذلك فإن تدريب الأساتذة في هذه الرياض وفي تلك المدارس على استعمال العربية الفصحى المبسطة، وتعويد الأطفال على استعمالها في التعبير عن أنفسهم، والتماس الوسائل السمعية والبصرية المعينة على تعليمها لهم.. اضافة الى فم الأستاذ الذي يتأثر به الأطفال اذا أحبوه أكثر من أي وسيلة اخرى... يعتبر عملا تربويا وتعليميا ولغويا ووطنيا قوميا مؤسسا، لأن من يتقن لغته قبل سن السادسة من عمره لن يخطئ في استعمالها بعد ذلك أبدا... وميّز الباحثون جيدا اللغة العربية، وهي الأصوات التي نعبر بها عن حاجاتنا ونفكر بها، من قواعد اللغة العربية، او محاولات النحاة وضع قواعد لاستعمال هذه اللغة، فدعوا، في توصياتهم، الى القيام بما يخدم اللغة وقواعدها من جهة، وييسر لأبناء العربية سماع أصوات لغتهم، وتعلم قواعدها في الوقت نفسه من جهة أخرى. وقد دعا المنتدون الى بذل مزيد من العناية في إعداد مدرس اللغة العربية، وتقويم أساليب تعليم العربية، باستغلال الوسائل التقنية الحديثة، والوسائل السمعية والبصرية، واقامة ندوات لمدرسي اللغة العربية، تطلعهم على أنجع طرق التدريس، وتدريبهم على استعمالها من جهة، وتوجيه المعلمين والمدرسين، في مراحل التعليم كافة، الى استخدام اللغة العربية المبسطة، في مختلف المواد الدراسية، لدى إلقائهم دروسهم ومحاضراتهم، وتشجيع طلبتهم على استخدامها من جهة أخرى، وناشدوا الحكومات العربية ان تتخذ القرارات التنفيذية الحاسمة في تعريب التعليم المدرسي والعالي والجامعي تعريبا كاملا، وإلزام الطلاب في مختلف الكليات والمعاهد العلمية بتعلم إحدى اللغات الأجنبية الحية على الأقل في الوقت نفسه من جهة ثالثة، ودعوا مجمع اللغة العربية بدمشق الى ان يعمل، بالتعاون مع اتحاد المجامع العلمية العربية، على: أولا: تأليف لجنة من كبار المتخصصين في البلاد العربية، مهمتها تأليف مرجع ميسر لقواعد النحو والصرف والإملاء، بمعزل عن تشعب الآراء والتعقيد، ثم إخراجه في طبعة رخيصة الثمن، ليكون في متناول الناشئة والطلاب. ثانيا: تأليف لجنة من المتخصصين بالتراث العربي لوضع كتاب يضم مختارات من كتب التراث، موزعة على جملة المعارف الانسانية، لتعريف الباحثين والطلاب بعيون التراث العربي، وإصدار هذا الكتاب في طبعة رخيصة الثمن ليكون في متناول المعنيين بالتراث العربي. ثالثا: حث المجامع اللغوية العلمية العربية على بذل مزيد من العناية في وضع المصطلحات العلمية والتقنية، وفي مختلف مناحي المعرفة، باستخدام المنهجية السليمة في وضعها واستخدام جميع الطرائق المتاحة كالاشتقاق والوضع والتعريب والنحت وغيرها، والسعي في توحيد هذه المصطلحات بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، وإصدار هذه المصطلحات الموحدة في كتب أو نشرات توزع على أوسع نطاق، ولا سيما وزارات الاعلام، والتماس الوسائل الكفيلة باستخدام هذه المصطلحات في جميع المؤلفات والكتب المترجمة ووسائل الاعلام المختلفة، إضافة الى ضرورة أن يعمل اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في إصدار معجم اشتقاقي حديث يفي بجميع المتطلبات، على ان تراعى فيه سهولة المراجعة، وتطور دلالات الألفاظ، واستقصاء ما أقر من المصطلحات الموحدة وفاءً بحاجة الباحث المعاصر، وكذلك إصدار معجم تاريخي يبيّن دلالات الألفاظ منذ العصور القديمة حتى الوقت الراهن، إضافة الى معجمات متخصصة في مختلف العلوم والمعارف، والاستفادة من الحاسوب (الكومبيوتر)، والوسائل التقنية الحديثة، في المجامع العربية واتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، لاختزان جميع الألفاظ العربية والمصطلحات والمواد المعرفية وتسجيلها في الاسطوانات والحافظات وأجهزة التسجيل لتمكين الباحثين من الاستفادة منها بطريقة ميسرة سريعة. ولم ينسَ المشاركون: 1 دعوة مجمع اللغة العربية بدمشق الى جمع بحوث هذه الندوة وإصدارها في كتاب يوزع على أوسع نطاق لتتم الاستفادة منها. 2 دعوة المجامع اللغوية العلمية العربية الى متابعة عقد ندوات حول اللغة تعالج مشكلاتها ومستقبلها. 3 إيصال توصيات هذه الندوة الى المسؤولين في الأقطار العربية كافة، ومناشدتهم السعي في إنفاذها. * * * ان اللغة العربية غير قاصرة عن تأدية وظيفتها، في تعبير العرب والناطقين بها عن حاجاتهم المادية والمعنوية والفكرية والانسانية وما الى ذلك، ولكنها بحاجة الى جهود أبنائها جميعا، لأن اللغة كنز حقيقي، لكن هذا الكنز لا ينمو، ولا يزهو، ولا يشمل كل مناحي الحياة، الا بالاستعمال... وهذا الاستعمال متيسر إذا وجدت الإرادة الطيبة عند أبنائها، كي لا تهمل اولا، وكي تدرس دراسة علمية وصفية جديدة من قبل علماء اللغة الحقيقيين المتقنين ثانيا، وكي تحرس سياسيا بفرض استعمالها فرضا في كل المؤسسات الرسمية والخاصة لأنها عنوان الهوية، بل لأنها الإنسان العربي ثالثا. فهل نحافظ على هويتنا الانسانية والثقافية واللغوية في وجه تلك الأعاصير الزاحفة علينا من أميركا و»إسرائيل«، وندافع عن الذات العربية الخالدة المتجسدة في اللسان العربي المبين الذي أبدعته الامة العربية على مثالها، فجاء يشفّ منه المعنى بجمله وأجزائه، ويبعث في نفس العربي فيضا تنتهي به الحياة بتحقيق غايتها النهائية.. ألا وهي البطولة.. ام اننا سنواجه هذا الزحف العدواني الذي يستهدف الانسان العربي روحا وجسدا وهوية وثقافة وحضارة وحاضرا ومستقبلا فندفن رؤوسنا في الرمال شيمة الجبناء والأنذال والهجناء؟ إنني واثق من البطولة المتجسدة في الانسان العربي... وواثق من قدرته على تغيير حاضره وحفظ مستقبله... ولكنه بحاجة الى ان يأخذ قراره السياسي بيديه ليحفظ ذاته ولسانه... فماذا يفعل المثقفون العرب لرفع الحصار، ورد العدوان واسترجاع الذات الخادة؟ قد يكون الجواب في الاجابة عن سؤال التاريخ للعرب كلهم عن اللسان الذي سيتكلمون به: أهو لسانهم العربي المبين أم ألسنة الآخرين؟ (*) استاذ العلوم اللغوية في الجامعة اللبنانية مشارك في ندوة مجمع اللغة في دمشق.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة