بعلبك عبد الرحيم شلحة: عاد الهدوء الى منطقة بعلبك، بعد توقف الاشتباكات بشكل نهائي ظهر امس الاول، في منطقتي عين بورضاي ودورس المحاذيتين لمدينة بعلبك، بعد الصدام الذي وقع بين أنصار الشيخ صبحي الطفيلي وقوات من الجيش اللبناني، تمكن الجيش اثرها من اقتحام الحوزة العلمية في عين بورضاي والسيطرة عليها وعلى التلال المحيطة بها، ومن اقتحام منزل الشيخ صبحي الطفيلي في دورس، والسيطرة عليه ومصادرة كميات من الاسلحة كانت بداخله، ومنع الانتشار العسكري لأنصار الطفيلي في محيط مدينة بعلبك، فيما استمر الحذر داخل بلدة بريتال وفي محيطها حيث يطوقها الجيش بحثاً عن الشيخ الطفيلي وأنصاره. وأسفرت اشتباكات امس الاول عن استشهاد ثلاثة عسكريين هم ضابط ورقيب وجندي، فيما قُتل الشيخ خضر طليس وأربعة مدنيين بينهم امرأتان. وسقط عدد آخر من الجرحى وجرت مداهمات اعتُقل فيها عشرات المواطنين أُفرج عن القسم الاكبر منهم في ما بعد. وقائع الصدام تعددت الروايات حول كيفية بدء الاشكال الأمني وتطوره الى صدام مسلح، وتضاربت المعلومات التي التقت على ان الشيخ الطفيلي قام صباح الجمعة الفائت مع عدد من أنصاره بالدخول الى الحوزة العلمية الدينية في منطقة عين بورضاي، تحضيراً لعقد اجتماع لمجلس اعيان بلاد بعلبك الهرمل في قاعة الحوزة، وإثر ذلك اعلنت حالة الاستنفار في صفوف »حزب الله« وفي صفوف أنصار الشيخ الطفيلي، وحشد الطرفان قواتهما في منطقة الحوزة القريبة من ثكنة الشيخ عبد الله. وتحركت وساطات بين الشيخ الطفيلي و»حزب الله« قامت بها لجنة الإصلاح وفاعليات المدينة، اضافة الى تدخل رئيس جهاز مخابرات الجيش اللبناني في البقاع العقيد حسين اللقيس ومسؤول الامن السوري العقيد علي صافي، واستمرت المفاوضات من الساعة الحادية عشرة ظهراً حتى الرابعة بعد الظهر، حيث توقفت دون نتيجة، وأعلن بعد ذلك مسؤول منطقة البقاع في »حزب الله« النائب السابق محمد ياغي ان مقاتلي الحزب انسحبوا من مواقعهم تاركين القوى الأمنية تعالج الموقف. وخلال فترة وجيزة من انسحاب مقاتلي »حزب الله« تقدمت قوات الجيش اللبناني من ثكنة الشيخ عبد الله عند الساعة الرابعة والنصف باتجاه الحوزة بعد ان اقفلت المنافذ المؤدية إليها. وفي هذه الاثناء خرج النائب السابق الشيخ خضر طليس من داخل الحوزة للتفاهم مع القوى الامنية، وخلال ذلك بدأ إطلاق النار مما ادى على الفور الى مقتل الشيخ وضابط من الجيش، بعد ذلك اندلعت الاشتباكات التي استخدمت فيها مختلف انواع الاسلحة الرشاشة والصاروخية والمدفعية وقذائف »الآر بي جي« واستمرت المعارك عنيفة من الخامسة بعد الظهر حتى السابعة والنصف مساءً لتستمر بشكل متقطع. وقد أعطى الجيش اللبناني إنذاراً الى المسلحين الموجودين داخل الحوزة تنتهي مدته عند العاشرة ليلاً. وقبل حوالى نصف ساعة من انقضاء مهلة الإنذار غادر الشيخ صبحي الطفيلي ومعه حوالى مئة شخص من أنصاره مبنى الحوزة سيراً على الأقدام الى بلدة بريتال، حيث وصلها، حسب معلومات أهالي البلدة، عند الساعة الحادية عشرة إلاّ ربعاً بعد سلوكه طريقاً جردية على سفح السلسلة الجبلية الشرقية. وعند العاشرة ليلاً استؤنف القصف بشكل عنيف، واستُخدمت فيه الاسلحة الثقيلة وأطلقت القنابل المضيئة واستمر القصف 90 دقيقة. وبعد ذلك وصلت تعزيزات الجيش اللبناني ضمت عشرات الدبابات والآليات وناقلات الجند، كما أقفلت الطرق المؤدية الى مدينة بعلبك وسُمح بالخروج منها. وبعد فترة هدوء نسبي دامت حوالى نصف ساعة اي عند منتصف الليل، عاد القصف متقطعاً ليستمر حتى الخامسة والنصف صباحاً، حيث اقتحمت عناصر الجيش مبنى الحوزة وسيطرت عليه واعتقلت حوالى 15 عنصراً كانوا داخله. ونفذت مداهمات لمنازل في محيط الحوزة عُرف منها منزل الشيخ علي العفي (مدير مكتب العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله في بعلبك) الذي اعتُقل مع ابنائه الثلاثة، وقد أفرج عنه لاحقا وعن أحد ابنائه، فيما بقي الآخران معتقلين وهما: الشيخ حسين العفي، وهو مدرّس في الحوزة، وحسن العفّي. ومن بين المعتقلين الذين عُرفت أسماؤهم: الشيخ حنظل مظلوم، الشيخ عباس الجوهري، روني الطفيلي، عدنان الطفيلي، علي الطفيلي، هاني الطفيلي، زياد طليس وحسين طليس (شقيقا الشيخ خضر طليس) وباقر طليس (ابن شقيقه). »حزب الله« وكان »حزب الله« قد أصدر بياناً على لسان مصدر مسؤول فيه، شرح فيه تفاصيل الحادثة على الشكل التالي: »الثانية عشرة ظهر اليوم (الجمعة) قام ثلاثون مسلحاً من جماعة الشيخ الطفيلي باقتحام حوزة الامام المنتظر في بلدة عين بورضاي بعلبك، ولم تفتح العناصر المولكة حماية الحوزة النار على المقتحمين حرصاً من »حزب الله« على عدم جر المنطقة الى فتنة كبيرة يسعى الطفيلي جاهداً لإيقاعها فيها، وهو ما تأكد من خلال استقدامه لأعداد اضافية من المسلحين. إن »حزب الله« يؤكد رفضه الانجرار الى أتون الفتنة التي يسعى إليها الطفيلي ويعتبر ان حفظ الامن والاستقرار ومنع الاعتداءات المسلحة في المنطقة يقع على عاتق السلطة الامنية الرسمية. الطفيلي ووزع مكتب الشيخ صبحي الطفيلي بياناً عبر الهاتف، شرح فيه تفاصيل ما جرى على الشكل الآتي: »توضيحاً لما تناقلته وسائل الاعلام حول الحادث المؤسف في عين بورضاي يهم مكتب الشيخ صبحي الطفيلي تبيان الحقائق كما هي، وانه اثر زيارة تفقدية لسماحة العلاّمة الشيخ صبحي الطفيلي لحوزة الإمام المهدي المنتظر تعرّض لمضايقات وتطويق أدى الى استنفارات في الحوزة ومحيطها، وبعد حوار طويل على خط الاشكال وفك الطوق تم التفاهم على سحب كل المسلحين من الحوزة ومحيطها واعتبار الحوزة شأناً خاصاً بالعلماء يُحل من خلال حوار بينهم، وقد فوجئنا باستنفار واسع للجيش وتقدمه نحو الحوزة مما استدعى خروج المرحوم الشهيد سماحة الشيخ خضر طليس للتفاهم مع القوى العسكرية ووضعها بصورة الاتفاق الذي بدأ الجميع بتنفيذه، لكن سرعان ما أُطلقت عليه النار وأُردي قتيلا، ووقعت اثر ذلك الحوادث المؤسفة التي حاولنا جاهدين تفاديها وما زلنا نسعى الى تطويق ذيولها ومنع تطورها سلباً في اي اتجاه، وهنا نهيب بأهلنا في المنطقة الانضباط الكامل وعدم الأخذ بالشائعات والانجرار بالممارسات الخاطئة«. اقتحام منزل الطفيلي وعند الساعة العاشرة صباح السبت ضرب الجيش اللبناني طوقاً أمنياً حول منزل الشيخ صبحي الطفيلي في دورس عند مدخل مدينة بعلبك الجنوبي، ومنع السير على الطريق الدولية، وعند الساعة الحادية عشرة إلا ثلثاً بدأ القصف المدفعي لمحيط المنزل وقامت قوة من مغاوير الجيش باقتحام المنزل حيث لم تلقَ مقاومة، وقد دُمر جزء من المنزل واحترق جزء آخر. وقرابة الظهر يوم السبت، توقفت الاشتباكات نهائياً بعدما أسفرت عن استشهاد ثلاثة عسكريين نعتهم قيادة الجيش هم الملازم أول جان وهبة، الرقيب عبدو الحاج والجندي نقولا رزق، إضافة الى مقتل النائب السابق الشيخ خضر طليس وكل من حسن علي حمية، زيد علي إسماعيل، شهيرة أحمد موسى وحليمة شومان. وعُرف من أسماء الجرحى كل من: الملازم أول مروان القاعي، الجندي طوني جعجع، الرقيب أول طوني خوري، سكنة صالح وصبحية طليس. واستمر الجيش باستقدام تعزيزات عسكرية من ألوية المدرعات وأفواج المغاوير وقوات التدخل وبدأت عملية تطويق لبلدة بريتال من اتجاهين: محور الطيبة ومحور حور تعلا، وأخضعت جميع السيارات الخارجة من بريتال لتفتيش دقيق ومنع الدخول الى البلدة وأقيمت السواتر الترابية على الطرق الفرعية. وأدّت الاشتباكات إلى احتراق عشرات السيارات في محيط الحوزة من ضمنها سيارات موكب الشيخ صبحي الطفيلي، كما دمرت الواجهة الشرقية للحوزة بشكل كامل واحترق منزل غبريال العفي، وسقطت قذيفة في مدرسة »ناشيونال كولدج« اخترقت أحد جدرانها وحطمت زجاجها وزجاج الأبنية السكنية المجاورة، ودُمر قسم من منزل الحاج محمد عواضة، وسقطت قذيفة في غرفة نوم المهندس فوزي الطفيلي ونجت عائلته بأعجوبة. شهود عيان مختار بدنايل عباس سليم حيدر حوصر مع مجموعة من أهالي البلدة (12 شخصا) وعدد من المدنيين ووفود من المصلحين داخل الحوزة، عندما كانوا يتولّون الوساطة بين الشيخ الطفيلي و»حزب الله«، قال حيدر: سمعنا بالتوتر وتحرك عدد من الأهالي لبذل مساعي الخير بين الطرفين، فذهبنا الى منزل الشيخ الطفيلي، حيث قيل لنا انه في الحوزة، هناك شاهدنا مسلحين حولها وداخلها، فيما وحدات الجيش منتشرة في محيطها. وفي الحوزة التقى أكثر من وفد من المصلحين مع الشيخ، كان منطقهم كما عبّر عنه احد وجهاء آل حمية: »نحن نحمّلكم دم الشيعة إذا اطلقت طلقة رصاص واحدة«، فأجاب الشيخ صبحي مخاطباً المختار حيدر: »انت مفوض«، الا ان اطلاق النار والقدائف بدأ عند الساعة الخامسة وتعطلت المبادرة. وأوضح ان الشيخ طليس قتل بُعيد الساعة السادسة مساء، فيما تمكنت مجموعات من المدنيين من الخروج من الحوزة قبيل الثامنة مساءً، وكان بينهم الحاج ديب ايوب وبومدين حمية وآخرون، فيما حاول احد عشر شخصاً من بدنايل الخروج عند الثانية فجر السبت الا انهم اعتُقلوا من قبل الجيش الذي نقلهم الى قصر نورا في بيروت ثم اطلق سراحهم امس. وفيما اشار حيدر الى أنه شاهد حوالى ثلاثمئة مسلح داخل الحوزة، قال شهود عيان من خارج الحوزة، ان مفاوضات صعبة شارك فيها وجهاء من مدينة بعلبك اضافة الى العقيدين علي صافي وحسين اللقيس، في حين كان »حزب الله« يحشد مئات المسلحين في »حارة الشميس«، الا أن هؤلاء انسحبوا بعد خمس دقائق من وصول قوات الجيش. وأوضحت مصادر المصلحين ان المفاوضات كانت تدور حول ملكية الحوزة العلمية، باعتبار ان الارض تعود ملكيتها الى الشيخ علي العفي، فيما البناء تم تشييده بأموال ايرانية. بيانات بعلبكية وعقدت »لجنة الاصلاح« في بعلبك وفاعليات من المدينة اجتماعاً امس في مبرة الإمام المهدي وأصدرت بياناً قالت فيه انها »ناقشت الوضع الخطير والمؤسف الذي وصلت إليه المدينة جراء الاعمال المسلحة فيها، التي قد تؤدي الى مضاعفات خطيرة وعواقب دموية تطال عائلات المنطقة وعشائرها وتوقعها في دوامة من الدم لا قِبَل لأحد بتحملها«. اضاف البيان: »ان المجتمعين يناشدون جميع الأفرقاء المسلحين التحلي بالوعي والكف عن استعمال السلاح ووأد الفتنة في هذه المدينة التي استباحها الجميع ولم يوفرها احد«. وتابع: »لقد ناشدنا مراراً الجميع بالتعالي فوق الحساسيات والمصالح وتغليب مصلحة المدينة والمنطقة على كل ما عداها دون جدوى، وإننا نناشد القوى الامنية الشرعية القيام بواجبها في الحفاظ على بعلبك وما تبقى فيها من امكانيات الحياة، وفي الحفاظ على امن هذا المجتمع الذي استبيح بما فيه الكفاية، وندعو كل إدارات الدولة الى النظر بجدية إلى حاجات هذه المنطقة وأهلها قبل فوات الأوان«. كذلك عقدت فاعليات بعلبكية اجتماعاً امس في منزل المختار حسين عثمان، وأصدرت على اثره بياناً اكدت فيه: ان اهالي بعلبك يقفون مع المقاومة قلباً وقالباً ويؤكدون دعمها ومساعدتها لتستمر في دورها النضالي والاستشهادي. رفض كل اشكال الاقتتال والاحتكام الى السلاح كوسيلة لحل الخلافات مهما كان نوعها وأسبابها. ان الحوار هو الوسيلة الوحيدة لحل كل الخلافات مهما تشعبت ومهما كانت دوافعها ووجوب تجنيب المنطقة المزيد من المآسي. دعوة السلطات المعنية إلى اتباع سياسة جدية لرفع الحرمان والمعاناة والجوع عن المنطقة وأهاليها. وجاءنا من عائلة علي حمية البيان الآتي: »اوردت بعض وسائل الاعلام انه من ضمن القتلى الذين سقطوا في الحوزة العلمية اول من امس »حسن حمية احد مسؤولي مجلس الاعيان«، والصحيح ان الفقيد هو علي حسن حمية (55 عاماً) وهو أب لسبعة أولاد يتعاطى مهنة الزراعة، وهو لا يمت بصلة الى جماعة الشيخ الطفيلي. والواقع انه اثناء وجوده على باب الحوزة العلمية في مسعى منه لثني بعض الشباب عن المشاركة في الفنتة حصل إطلاق نار كثيف اصيب على اثره وقضى مظلوماً«. وعُلم أن فاعليات من بلدة بريتال توصلت الى اتفاق مع قائد مخابرات الجيش اللبناني في البقاع العقيد حسين اللقيس خلال اجتماع عُقد في مكتب مسؤول الأمن السوري في المنطقة العقيد علي صافي، تم فيه اعلان موافقة اهالي البلدة على تسلم جثمان الشيخ طليس وتشييعه في بلدته بعد الإفراج عن شقيقيه، وأبلغ وجهاء بريتال العقيد اللقيس ان لا نية لديهم لمواجهة الجيش وانه ليس عدواً لهم، فيما ابلغ العقيد اللقيس الاهالي انه لن يتم الدخول الى بلدة بريتال وان الاجراءات ستخفف بعد التشييع وسيُسمح بالدخول والخروج من البلدة وإليها وسيجري البحث في أمر المعتقلين.