As Safir Logo
المصدر:

الدراما السورية ترفع سقف النقاش السياسي خان الحريري يشرع ابوابه للاسئلة(صورة)

المؤلف: جمالو علي التاريخ: 1998-01-20 رقم العدد:7902

دمشق علي جمالو سجلت الدراما السورية نقلة نوعية هذا الموسم حينما تصدت لمهمة فتح باب النقاش السياسي حول مراحل حديثة نسبيا من تاريخ سوريا ظن البعض ان الاقتراب منها غير مسموح به وظن البعض الآخر ان الاقتراب منها محفوف بالمخاطر. ويبدو أن هذا النقاش ما كان ليتم لولا ان الادارة السورية المعنية أفسحت في المجال لرفع سقف الرقابة التي كانت فيما مضى ترتعد إذا استغرب الممثل داخل الحكايا سوء الأحوال الجوية.. أو الاقتصادية.. وتنتفض إذا سأل (لماذا) لتدافع عن حقها في المنع والقطع والوصل والحل والربط. هذا الأمر أصبح من الماضي فالدراما السورية أصبحت تسبح في فضاء سياسي واسع لا تحده خطوط حمراء ولا صفراء ولا اجتهادات الادارات الصغيرة التي كانت تختار دائما ارتداء بذلة الشرطي كي تتجول داخل نصوص الكتاب ورؤوسهم ومخططات المخرجين وأحلامهم داخل الاستديوهات وخارجها.. في هذا المناخ وجد المخرج السوري (هيثم حقي) وزميله الروائي نهاد سيريس ان الريح مؤاتية للإبحار في ملف (الوحدة المصرية السورية) عبر حكاية حلبية تفوح منها رائحة الأصالة.. تسلح حقي وسيريس بالصدق أولاً.. ثم بالجرأة ثانيا لرفع الغبار عن فترة تتباين الآراء حولها بين حالم يرفعها الى مرتبة القداسة ومتضرر يرى فيها كل كوابيس الأرض.. وبينهما: متحمس ودجال ونصف مثقف ونصف غبي... وصاحب رأي يسمع. أحزاب وحكّام اختار الثنائي (حقي سيريس) تقديم صدى الفعل السياسي داخل حكاية عرفنا نجومها من قبل بالجزء الأول من خان الحرير الذي أقفل عند إعلان الوحدة السورية المصرية في شباط 1958. قبل الدخول في خضم تلك المرحلة يحسم الثنائي (حقي سيريس) أمرهما مسبقا: (جمال عبد الناصر شخصية شفافة فوق النقد ومن غير الجائز المساس بها) ثم وتحت هذا السقف بدأ حقي سيريس قراءة ما جرى داخل خان الحرير بصوت عال ثم ومن شرفته ما جرى خارج خان الحرير ما بين شباط 1958 وأيلول 1961. لاحق عبد الحميد السراج وجهازه الاستخباري الشيوعيين. وقدم الطفيليون من الوسط التجاري خدماتهم ليكسبوا ود القوة الجديدة التي ظهرت وبيدها قلم الحياة والسجن والموت.. وعلى الرغم من أن حزب البعث حلّ نفسه من أجل الوحدة إلا أن أدوات السراج شتّتت أنصاره وهمشّت دورهم.. لكن القواعد ظلت تغني (للأسمر عبد الناصر) وتجاهر بأعلى صوتها »حموي يا مشمش« وعلى هذه الأرض يشرع (حقي سيريس) الأبواب لكل الأطراف كي تدلي بدلوها. بعض البعثيين قالوا ان قيادتهم التي اجتمعت في بيروت انتهازية. وبعضهم الآخر أصيب بخيبة أمل لأن قادة البعث عقدوا صفقة أخذوا فيها المناصب بعدما باعوا الحزب. (نذكر لمن فاته ان هذا النقاش يُدار في سوريا وعلى شاشة التلفزيون الرسمي الذي تملكه الدولة).. الشيوعيون اختفوا في البيوت السرية أو في الأقبية، وحتى أصدقاؤهم نالوا نصيبهم من الملاحقة (مهندس النسيج مراد ابن عائلة برمدا الاقطاعية الذي انتقل الى جناح البرجوازية الوطنية بعدما فتح معملا لنسيج الجاكار، دخل السجن لأنه يتحدث بلغة قريبة من الشيوعيين.. لغة العدالة الاجتماعية.. لكن الرجل بعيد كل البُعد عن الشيوعية فهو يدافع عن حقوق الملكية الفردية). لكن رجال السراج أرادوا تفصيل مواقف الرجل على هواهم لقد جاءتهم وشاية من خصمه التاجر »كمال« الذي استوعب التغييرات السياسية بسرعة كبيرة فقدم خدمات للمخابرات وأقام صداقة مع »النقيب طارق« رجل السراج القوي في حلب.. ليدخل مراد السجن. التجار فرحوا بملاحقة الشيوعيين واختفاء الاخوان المسلمين وتهميش دور البعثيين أعدائهم في المراحل السابقة وظنوا ان الدنيا ابتسمت لهم لكن قرارات التأميم حولتهم الى مجرد فئران مذعورة تبحث لنفسها عن جحر تختبئ فيه. لقد أصبحت الحياة أصعب: لا يعرف المرء متى يطلبه النقيب طارق ومتى يبتسم له لكن ذلك لا يلغي الانجازات الكبيرة التي تحققت من الاصلاح الزراعي الى قرارات التأميم الى الحديث بفعالية عن دور أكبر للمرأة... (هنوف النورية) التي تزوجها محسن في الجزء الأول وأنجب منها طفلا ثم طلقها بناء على طلب عمه والد زوجته الثانية (كمال) التاجر الذي أراد لمحسن أن يكون استمرارا له.. هنوف هذه تصبح الشغل الشاغل لنجوم المخابرات والتجار وأهل السياسة في تلك الفترة. تأتي حلب من خيام النَوَر للبحث عن ولدها المسروق تسكن في حارة (اغيسو) عند امرأة تؤجر بيتها.. هنوف تتعرف على ابن هذه السيدة وهو عازف يعمل في كباريه الطاحونة الحمراء. ولأنها تريد العمل وهي نورية كانت تسرق قلوب السائقين على طريق حلب الرقة بصوتها الشجي ورقصاتها الرقيقة. تدخل هنوف الطاحونة الحمراء التي كان يرتادها النقيب طارق وبعض تجار خان الحرير الذين أصبحوا جوقة خلف رجل السراج في حلب.. هنوف تصبح نجمة الكباريه وملهمة رجال الأمن والمال.. يرتمي كمال عند قدميها يشتري لها بيتا فخما في أعرق أحياء حلب وسيارة فارهة. هنوف لا تضيّع وقتها تعرف أن كمال هذا كان وراء مصيبتها فهو الذي خطف زوجها محسن وزوّجه من ابنته وسرق ابنها وسجله على اسم ابنته لذلك تلعب فيه لتسحب الأموال منه استعدادا ليوم الانتقام. والرجل الموصوف بالداهية في خان الحرير يصبح لعبة في يد هذه النورية التي لها مَونة على طارق وما يمثله من سلطة مطلقة في حلب. هنوف تتجاوز طارق الى معلمه وخصمه رجل المشير عبد الحكيم في حلب لنكتشف هنا حجم الصراع الكبير بين السراج والمشير.. يستمر الثنائي (حقي سيريس) في إضاءة جوانب الحكاية، يخرج مراد من السجن ليصالح خصمه كمال الذي بدأ يتلمس المستقبل الأسود الذي ينتظره بعد تأميم معمله.. لقد بدلت التحولات الكبيرة التحالفات وأجّل المتخاصمون خلافاتهم ليصمدوا في وجه العاصفة. رمز لا يُمس لكن جمال عبد الناصر يظل رمزاً لا يُمس.. »بعد خروج مراد من السجن يذهب الى النقيب طارق سجانه ليقابل زميله (الشيوعي ربيع) في السجن فيقول له طارق لقد أصبحت تكرهنا وتكره الوحدة. يجيب مراد الذي سُجن وخسر معمله: (أكرهكم نعم.. لكن أكره الوحدة... لا... أنتم لستم الوحدة... أنت أعداء الوحدة)... »أحمد« البعثي الذي تعب من المظاهرات والملاحقات من أجل تحقيق الوحدة في الجزء الأول أخرجه جهاز السراج من الجيش بعدما انتسب إليه من أجل الدفاع عن الوحدة... أُخرج لأنه بعثي.. أحمد هذا يعود لدراسة الحقوق وينكفئ عن العمل السياسي لكنه عندما يشعر أن الوحدة بدأت تهتز يطلق الصوت عاليا: لا.. ثم يقود المظاهرات من جديد ضد الانفصاليين.. الذين بدأوا بالظهور بعدما اتقنت المخابرات فن صناعة الأعداء، والحكاية لم تنته.. في المشهد الأخير يكشف (حقي سيريس) الحكاية للوصول الى صدمية الحقيقة التي لا مفر منها.. يخرج نصف أهالي حلب ضد نصفهم الآخر. هؤلاء يرفعون صور عبد الناصر وخيار الوحدة وأولئك يرفعون لافتات (الانفصال الاستقلال). هؤلاء يأتون من مقولة ان الأخطاء لا تقلل من أهمية الوحدة وأولئك يأتون من مقولة ان الوحدة لا تقوم على إفراغ الحياة السياسية من معناها ولا تقوم على أكتاف أجهزة المخابرات لأن الوحدة (حرية فكر.. حرية خيار). يتسلل الثنائي (حقي سيريس) من داخل المشهد الأخير الى عتمة النهاية.. أو وضوحها... ونصل نحن إلى فضاء الأسئلة: ما الذي حدث بالضبط.. لماذا وصلت هذه التجربة الى هذه النهاية.. مَن أخطأ.. ومَن أصاب ومَن المسؤول عن كل ما حدث. وهل كان بالإمكان الفوز بالوحدة دون كل هذه الخسائر، يقينا اننا نطرح أسئلة ساذجة طُرحت من قبل مرارا وتكرارا ووجدت أجوبة عديدة بعضها ضجيج وبعضها هادئ يستحق السماع... انطلق نهاد سيريس في تأليفه لهذه الرواية التلفزيونية من مجموعة خيوط بعضها مستمد من داخل الذاكرة الشعبية لأهالي حلب.. وبعضها الآخر من نسيج خياله. مثلا: لقد شهدت حلب في تلك المرحلة صعود نجم النورية (يسرى البدوية) التي نجدها لدى سيريس تحمل اسم هنوف: صحيح ان هنوف ويسرى مختلفتان في السيرة والإطار العام لكن الوظيفة واحدة والوظيفة هنا بالمعنى السياسي.. وسلوى هي الأخرى موجودة داخل الذاكرة الشعبية لأهالي حلب. وقد استحضرها (سيريس) ليجعلها تمثل شريحة المرأة التي تتوق الى قذف حجابها الأسود في وجه مجتمع سجنها خلفه تحت راية الدين والأخلاق لتنطلق الى الحرية. سلوى في الحكاية هي ذاتها سلوى التي يعرفها بعثيو حلب (توفيت عام 1969 بعد إصابتها بالسرطان)... أشخاص من لحم ودم ولقد وجدت سلوى في البعث هواء تتنفسه وبعد ذلك وجدت في الوحدة خلاصها... وممن، من شقيقها المتخلف الذي يريدها داخل لفافة سوداء تخرج من بيته الى بيت زوجها ومنه الى القبر فقط... لقد أشبعها ضربا لكنها لم تغير قناعاتها.. تخرج من (الحارة السجن) الى مقر الحزب الذي أصبح مقرا للنادي الرياضي في زمن الوحدة تقول ما تؤمن به: »لقد تخليتم عن الوحدة يا أحمد«.. يرد أحمد البعثي الذي طُرد من جيش الوحدة (وماذا بيدنا أن نفعل.. لم يعد لنا مكان).. ترد سلوى: الوحدة خلاصنا... والمرأة لدى سيريس ليست سلوى وهنوف فقط.. بل هي زوجة رفيعة الأدب مخلصة (زوجة مراد) وهي أم غيورة ربت ابنها بدموعها ولا تريده أن يتزوج لكي لا تأخذه امرأة غيرها (أم ربيع). وهي مسكينة طيبة تحب زوجها وتخاف عليه.. من نفسه وأهوائه (زوجة كمال).. حتى هنوف النورية وبالرغم من أن كل نشاطها يتم داخل (الوحل) لكنها تحافظ على نفسها بانتظار أن يعود لها محسن. نساء خان الحرير لا يعرفن الخيانة ولا الكذب، بالمقابل رجال الخان من لحم ودم.. كل شخصية تدافع عن نفسها بمنطق قد تختلف معه لكنك تسمعه يقول ما يعتقد انه صحيح. وباستثناء (طارق) الذي جرى تقديمه كرجل أحادي الجانب (ماجن متحجر) فإن جميع الشخصيات في المسلسل كانت حقيقة لها قناعاتها وسلوكها وأسبابها وتصرفاتها.. وهنا تكمن أهمية المخرج هيثم حقي.. وفيّ لشخصياته.. يعطيها حقها، يراها، يناقشها، يتفاعل معها ثم يصور.. لذلك تظن للوهلة الأولى وأنت تراها على الشاشة أنك تعرف بعضها وربما تعرفت الى هذه الشخصية أو تلك ذات أمسية في أحد شوارع حلب أو مقاهيها.. لقد أراد حقي أن يقول ان هذا الخيار في العمل الفني يعطي للممثل كل أسباب النجاح، ولو رغبت أن تسمي البطل.. لما وجدته.. كل ممثل في هذا العمل يؤدي دور البطولة.. خان الحرير يستحق وبجدارة أن نطلق عليه اسم »حرير الدراما السورية«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة